الإحسان وحال السلف في رمضان

صغير بن محمد الصغير

2026-02-16 - 1447/08/28
التصنيفات: رمضان الصوم
عناصر الخطبة
1/موسم أيام التجارة الرابحة مع الله 2/فضل قيام شهر رمضان 3/حرص السلف على القرآن في رمضان 4/من أعمال السلف المضيئة حال الصيام 5/إحسان السلف في رمضان.

اقتباس

من أعظم نعم الله -جل وعلا- علينا: نعمته -سبحانه- ببعثة عبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن الله بعَثه وأهل الأرض، عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم، قرويهم وبدويهم، جهال ضلال، على غير هدي ولا دين يرتضى، إلا من شاء الله من بعض أهل الكتاب..

الخُطْبَة الأُولَى:

 

إنّ الحمد لله...

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله...

 

أيها الأحبة: لا يزال في الوقت متسع ولا زلنا في أيام التجارة الرابحة مع الله في حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه- الذي رواه البُخارِيُّ ومسلمٌ وغَيرُهُمَا، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ"؛ جعلني الله وإياكم من أهل باب الريان.

 

وقد كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يُدركون معاني الصوم فسطّروا عبارات مضيئة لمن أراد الاقتداء؛ فكان ابْن مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- يقول: «الصِّيَامُ جُنَّةُ الرَّجُلِ، كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ فِي الْبَأْسِ، وَسَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَسَيِّدُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضَانَ". وفي الحديث «مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدّم من ذنبه».

 

يقول الإمام بدر الدين العيني -رحمه الله-: "من قام رمضان "إيمانًا"، أي: تصديقًا بأنه حق وطاعة، "واحتسابًا"، أي: أراد بصيامه وقيامه وجه الله -تعالى- لا لرياء ونحوه "غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه".

 

وهنا لفتة: أنّ مَن فضَّل الله على عباده تعبير النبي -صلى الله عليه وسلم- عن "وقوع الجزاء بالماضي مع أن المغفرة في زمن الاستقبال؛ للإشعار بأن مغفرة الله لمن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا متيقنة الوقوع متحقّقة الثبوت، فضلاً من الله -تعالى- على عباده".

 

ومن حرص السلف على القرآن في رمضان: "أنّ الإمام أحمد -رحمه الله- كان يغلق الكتب في رمضان ويقول: هذا شهر القرآن، والإمام مالك -رحمه الله- لا يفتي ولا يدرس في رمضان ويقول: هذا شهر القرآن".

 

وقد ورد أيضًا في صفة الصفوة أن البخاري -رحمه الله-، "كان إذا دخلت أول ليلة في رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن. وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند الإفطار كل ليلة، ويقول: عند كل الختم، دعوة مستجابة".

 

بل نُقل عن الشافعي -رحمه الله- "أنه كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة يقرؤها في غير الصلاة"، وذكر ابن كثير: "أن الْبُخَارِيِّ -صَاحِبِ الصَّحِيحِ-: كَانَ يَخْتِمُ فِي اللَّيْلَةِ وَيَوْمِهَا مِنْ رَمَضَانَ خَتْمَةً".

 

وفي حديثه عن قيام الليل قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "واعلمْ أن السلف كانوا في قيام الليل على سبع طبقات.. الطبقة الأولى: كانوا يحيون كل الليل، وفيهم من كان يصلي الصبح بوضوء العشاء، الطبقة الثانية: كانوا يقومون شطر الليل، الطبقة الثالثة: كانوا يقومون ثلث الليل، الطبقة الرابعة: كانوا يقومون سُدس الليل أو خمسه، الطبقة الخامسة: كانوا لا يراعون التقدير، وإنما كان أحدهم يقوم إلى أن يغلبه النوم فينام، فإذا انتبه قام، الطبقة السادسة: قوم كانوا يصلون من الليل أربع ركعات أو ركعتين، الطبقة السابعة: قوم يُحيون ما بين العشاءين ويُعسِّلون في السحر فيجمعون بين الطرفين".

 

أيها الإخوة: جعل السلف الصالح -رحمهم الله جميعًا- هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- نُصْب أعينهم فقد: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان؛ حيث يلقاه جبريل -عليه السلام- في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة".

 

قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد مُعلِّقًا: "أجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة ما لا يخص غيره به من الشهور".

 

ومن أعمال السلف المضيئة حال الصيام: "أن عبد الله بن عمرَ كان ‌لا ‌يفطرُ ‌إلا ‌مع ‌اليتامَى والمساكينِ".

 

ممتثلًا أيضًا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن فطَّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا».

 

حقًّا! من أراد محبة الله فلْيُحسن إلى الخلق في خُلِقه وعبادته وعمله، وأحسن إلى الخلق بالإنفاق، وقضاء الحوائج، وتفريج الكربات، قال -تعالى-: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[سورة البقرة: 195].

 

يقول الإمام الفخر الرازي: "وفَاعِلُ الْحُسْنِ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِعْلُهُ حَسَنًا وَإِحْسَانًا مَعًا،... فأَحْسِنُوا فِي فَرَائِضِ اللَّهِ...، وَأَحْسِنُوا فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُكُمْ مُؤْنَتُهُ وَنَفَقَتُهُ".

 ما أجمل العبد!! حين يجمع بين الصيام والقيام والقرآن والإحسان وتقوى الله.

 

وكان من شدة إحسانهم للخلق -رحمهم الله- لا يفطرون في رمضان وحدَهم؛ قال أبو السوارِ العدويُّ -رحمه الله-: "كانَ رجال من بني عدي يصلُّون في المسجدِ ما أفطرَ أحدٌ منهُم على طعامٍ قط وحدَهُ، إن وجدَ مَن يأكلُ معه أكلَ، وإلا أخرجَ طعامَهُ إلى المسجدِ فأكلهُ مع الناسِ وأكلَ الناسُ معهُ". وذُكِر أن عبد الله بن أبي بكرة "كان ‌ينفق على مَن حول داره، وعلى أهل أربعين دارًا من كل جهة من جهاتها الأربع".

 

وكانوا حال الصيام على ما هم فيه من صلاح يتواصون بقلة الكلام وتوقّي الكذب، فكان أبو ذر -رضي الله عنه- يقول: «إِذَا صُمْتَ فَتَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْتَ».

 

وكان جَابِرٌ بن عبد الله -رضي الله عنه- يقول: «إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَآثِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صِيَامِكَ سَوَاءً».

 

وكان من نهجهم تناصحهم بعدم الغيبة؛ فعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ -رضي الله عنه- أنه قَالَ: «الصَّائِمُ فِي عِبَادَةٍ مَا لَمْ يَغْتَبْ أَحَدًا، وَإِنْ كَانَ نَائِمًا عَلَى فِرَاشِهِ».

 

ومن نهج السلف الصالح في رمضان: الجلوس في بيوت الله، روى الإمام ابن أبي شيبة -رحمه الله- أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَصْحَابَهُ كَانُوا إِذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسْجِدِ؛ يُعلِّمون الناس الخير.

 

أيها الإخوة: تطوى الأيام وتفنى الأعمال ولا يبقى إلا ما قُدِم لله، قال -تعالى-: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ...)[سورة النحل: 96].

 

فلنغتم هذه الأوقات، ولنسأل الله الأجر والثواب فخزائنه ملأى يرجوها السعداء قال -تعالى-: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)[سورة هود: 108].

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

إنّ الحمد لله...

 

أما بعد: فاتقوا الله يا من ترجون من الله المفازة يوم الفصل قال -تعالى-: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا)[سورة النبأ: 17]، وقال -تعالى-: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا)[سورة النبأ: 31].

 

أيها الإخوة: لقد أحسن نبينا وأحسن سلفنا الصالح فهنيئًا للمحسنين، لهم البشرى من الله -عز وجل- قال -تعالى-: (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ)[سورة الحج: 37].

 

ومن أراد الزيادة فعليه بالإحسان قال -تعالى-: (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)[سورة البقرة: 58].

 

ومن أراد رحمة الله فعليه بالإحسان؛ قال -تعالى-: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)[سورة الأعراف: 56].

 

أحسنوا -عباد الله- فأجركم على الله، قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)[سورة التوبة: 120].

 

ومن أراد نيل الحكمة وبلوغ العلم عليه بالإحسان؛ (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)[سورة يوسف: 22- 23].

 

ومن أراد معية الله فعليه بالإحسان؛ (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)[سورة العنكبوت: 69].

 

ومن أراد المثوبة بالجنة فعليه بالإحسان؛ (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)[سورة المائدة: 85].

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[سورة الأحزاب: 56].

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life