عناصر الخطبة
1/الخطأ طبيعة بشرية 2/نماذج من اعتذار الأنبياء عن أخطائهم 3/العبادات تعلم المؤمن خلق الاعتذار 4/من الفوائد الاجتماعية للاعتذاراقتباس
وَثَانِي هَذِهِ العَوَائِقِ التِي تَعُوقُ المُسلِمَ عَنِ الاعتِذَارِ: الكِبْرُ؛ فَهُوَ يَغْرِسُ فِي نَفْسِ صَاحِبِهِ الغَطْرَسَةَ وَالبَطَرَ، وَعَدَمَ الاعتِرَافِ بِحُقُوقِ النَّاسِ فِي حِفْظِ كَرَامَتِهِمْ، فَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَ النَّاسِ، كَمَا حَدَثَ لإِبلِيسَ الذِي مَنَعَهُ الكِبْرُ مِنَ امتِثَالِ أَمْرِ اللـهِ بِالسُّجُودِ لآدَمَ...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحَـمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وجَمَّـلَهُ بِالخُلُقِ الكَرِيمِ، وتَفَضَّـلَ عَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ والعَفْوِ العَظِيمِ، وأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللـهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، شَرَعَ لِلْمُخْطِئينَ مِنْ عِبَادِهِ الاعتِذَارَ، ونَهَاهُمْ عَنِ العِنَادِ والإِصْرَارِ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، عُرِفَ بِالصَّـفْحِ عَنِ المُخْطِئينَ، وَوَسِعَ حِلْمُهُ جُمُوعَ المُعتَذِرينَ، صلى الله عليه وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فأوصيكم بتقوى الله، فَاتَّقُوا اللـهَ وَالزَمُوا التَّوْبَةَ وَالاستِغْفَارَ، وَأَنِيبُوا إِلَى العَزِيزِ الغَفَّارِ.
عن أبي الدرداءِ قال: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، إذْ أقْبَلَ أبو بَكْرٍ آخِذًا بطَرَفِ ثَوْبِهِ حتَّى أبْدَى عن رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "أمَّا صَاحِبُكُمْ فقَدْ غَامَرَ"؛ أي: خاصَمَ، فَسَلَّمَ وقَالَ: إنِّي كانَ بَيْنِي وبيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ شَيءٌ، فأسْرَعْتُ إلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أنْ يَغْفِرَ لي فأبَى عَلَيَّ، فأقْبَلْتُ إلَيْكَ، فَقَالَ: "يَغْفِرُ اللَّـهُ لكَ يا أبَا بَكْرٍ" ثَلَاثًا، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فأتَى مَنْزِلَ أبِي بَكْرٍ..."(البخاري).
عباد الله: اعلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللـهُ- أَنَّ الخَطَأَ طَبِيعَةٌ بَشَرِيَّةٌ، وصِفَةٌ آدَمِيَّةٌ، فَلاَ مَعْصُومَ إِلاَّ من عصمهُ اللـهُ، غَيْرَ أَنَّ التَّوْبَةَ والاعتِذَارَ مِنْ أَخْلاَقِ المُؤْمِنِينَ؛ قَالَ -تَعالَى- فِي وَصْـفِهمْ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[آل عمران: 135].
إِنَّ المُؤمِنَ الحَقَّ لاَ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ غَضَاضَةً فِي الرُّجُوعِ إِلى الْـحَقِّ، والإِقْرارِ بِالذَّنْبِ فِي شَجَاعَةٍ وصِدْقٍ، طَلَبًا لِلْعَفْوِ والصَّـفْحِ والغُفْرانِ، سَواءً كَانَ خَطَأُهُ فِي جَنْبِ اللـهِ أَو فِي حَقِّ إِنْسَانٍ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الخَطَّائينَ التَّوَّابُونَ".
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَيْسَ هُنَاكَ أَرْفَعُ مَقَامًا وَأَعْـلَى دَرَجَةً مِنْ رُسُلِ اللـهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ القُرآنُ الكَرِيمُ أَمثِلَةً كَثِيرَةً مِنَ اعتِذَارَاتِ أَنْبِيَاءِ اللـهِ وَرُسُلِهِ، وَذَلِكَ لِيَقْتَدِيَ بِهِمُ المُسلِمُ فِي الاعتِذَارِ عِنْدَ الخَطَأِ؛ (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)[الأنعام: 90].
وَأَوَّلُ مِثَالٍ أَسْهَبَ القُرآنُ فِي ذِكْرِ اعتِذَارِهِ أَبُو البَشَرِ آدَمُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ-، حَيْثُ فَصَّـلَ القُرآنُ فِي غَيْرِ ما سُورَةٍ مَوقِفَ آدَمَ وَزَوْجِهِ حَوَّاءَ -عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ- وَاعتِذَارَهُمَا لِلْمَوْلَى -جَلَّ وَعَلا-؛ يَقُولُ -تَعالَى-: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الأعراف: 23]، وَكَانَ جَزَاءُ اعتِذَارِ آدَمَ مِنَ الخَطَأِ تَوْبَةَ اللـهِ عَلَيْهِ؛ (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[البقرة: 37].
وَهَذَا نَبِيُّ اللـهِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- يقع في الخطأِ والزللِ، فيقتلُ خطأً فيقدمُ الاعتذارَ بين يدي ربِّه؛ (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[القصص: 16]؛ بل لَمْ يَمْـنَعْهُ مَقَامُهُ عِنْدَ اللـهِ مِنْ تَقْدِيمِ الاعتِذَارِ عِنْدَ نِسْيَانِهِ، عَهْدًا قَطَعَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ العَبْدِ الصَّـالِحِ، مُعَلِّلاً السَّبَبَ بِالنِّسْيَانِ الذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ البَشَرِ؛ (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)[الكهف: 73]، إن الاعترافَ بالخطأِ دليلٌ على نُبلٍ في النفسِ، ونُضجٍ في العقلِ، وسماحةٍ في الخُلُق.
أيها المؤمنون: لَقَدْ شَرَعَ الإِسلاَمُ عِدَّةَ تَشرِيعَاتٍ؛ لِيَغْرِسَ فِي نَفْسِ المُسلِمِ خُلُقَ الاعتِذَارِ وَثَقَافتَهُ، فَنَجِدُ فِي العِبَادَاتِ مَثَلاً أَنَّهُ إِذَا سَهَا المُسلِمُ فِي صَلاَتِهِ وَفَقَدَ خُشُوعَهُ؛ فَإِنَّ الإِسلاَمَ قَدْ وَضَعَ عِلاَجًا لِهَذَا الخَلَلِ وَالخَطَأِ، فَشَرَعَ "سُجُودَ السَّهْوِ"، وَهُوَ اعتِذَارٌ للـهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنَ المُسلِمِ الذِي بَدَرَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ بِنِسْيَانِ بَعْضِ سُنَنِ الصَّلاَةِ، أَو الزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ فِيهَا، أَو التَّقْدِيمِ أَو التَّأْخِيرِ لأَعْمَالِهَا، بل إن العبدَ إذا انتهى من صلاتِه فإنه يُقدمُ بين يدي ربِّه استغفاراً؛ لما حصل من الخللِ والسهوِ والغفلةِ في الصلاةِ، وهو اعتذاٌر بين يدي ربِّه.
كَمَا نَجِدُ فِي عِبَادَةِ الحَجِّ عِدَّةَ تَشْرِيعَاتٍ، لِمَنْ يُخْطِئُ خَطَأً شَدَّدَ اللـهُ فِيهِ عَلَى الحَاجِّ بِأَلاَّ يَفْعَلَهُ، مِثْلَ الصَّيْدِ فِي الحَرَمِ، فَمَنْ فَعَلَ هَذَا الأَمْرَ وَارتَكَبَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِاعتِذَارٍ يَتَمثَّلُ فِي كَفَّارَةٍ يُقَدِّمُهَا؛ (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)[المائدة: 95].
وفي كلِّ يومٍ يعترفُ المسلمُ بخطئِه وتقديمِ الاعتذارِ بين يدي ربِّه فيقول: "اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إِلَه إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَّ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي؛ فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلاَّ أَنْتَ"(البخاري).
إِخْوةَ الإِيمَانِ: إِنَّ الاعتِذَارَ كَلِمَةٌ، لَكِنْ لَهَا مَفْعُولُ السِّحْرِ عَلَى النُّفُوسِ، تَلِينُ بِهَا القُلُوبُ الغَلِيظَةُ، وَيُمْحَى بِهَا الخَطَأُ نَحْوَ النَّاسِ مَهْمَا كَانَ، فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ أَوقَدَتْ حَرْبًا وَنَارًا، وَكَمْ مِنْ كَلِمَةِ اعتِذَارٍ قَصِيرَةٍ أَطْفَأَتْ نَارَ حِقْدٍ وَخِصَامٍ؛ (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ)[الإسراء: 53].
أيها المؤمنون: إِنَّ لِلاعتِذارِ فَوائِدَ اجتِمَاعِيَّةً عَظِيمَةً؛ فَهُوَ يُضَمِّدُ جِرَاحَ الشَّحنَاءِ، ويُزِيلُ العَدَاوَاتِ والبَغْضَاءَ، عِلاوةً عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَهْذِيبٍ لِنَفْسِ الإِنْسَانِ، وكَبْحٍ لِدَوافِعِ الحِقْدِ والعِصْيَانِ، إِلاَّ أَنَّ هُناكَ مَوَانِعَ تَقِفُ حَائِلاً بَيْنَ الإِنْسَانِ وَاعتِذَارِهِ مِنَ الخَطَأِ، مِنْ هَذِهِ المَوَانِعِ: الجَهْـلُ، وَهُوَ آفَةٌ خَطِرَةٌ، وَذَلِكَ أَنْ يَجْهَلَ الإِنْسَانُ طَبِيعَتَهُ البَشَرِيَّةَ، وَيَجْهَلَ دِينَهُ الذِي يُوْجِبُ عَلَيْهِ الاعتِرَافَ بِالخَطَأِ، وَيَجْهَلَ الأَجْرَ الـمُتَرتِّبَ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَيْسَ الجَهْـلُ مُرتَبِطًا بِالإِنْسَانِ الذِي لَمْ يَتَلَقَّ التَّعلِيمَ المَدْرَسِيَّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُحَصِّلاً لِكَثِيرٍ مِنَ المَعَارِفِ، وَلِكنَّهُ جَاهِلٌ بِفَضِيلَةِ الاعتِذَارِ، وَجَاهِلٌ بِدينِهِ الذِي يَأْمُرُهُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ.
وَثَانِي هَذِهِ العَوَائِقِ التِي تَعُوقُ المُسلِمَ عَنِ الاعتِذَارِ: الكِبْرُ؛ فَهُوَ يَغْرِسُ فِي نَفْسِ صَاحِبِهِ الغَطْرَسَةَ وَالبَطَرَ، وَعَدَمَ الاعتِرَافِ بِحُقُوقِ النَّاسِ فِي حِفْظِ كَرَامَتِهِمْ، فَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَ النَّاسِ، كَمَا حَدَثَ لإِبلِيسَ الذِي مَنَعَهُ الكِبْرُ مِنَ امتِثَالِ أَمْرِ اللـهِ بِالسُّجُودِ لآدَمَ، وَكَانَ المَانِعُ الذِي مَنَعَهُ أَنَّهُ (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ)[البقرة: 34]، وَعِنْدَمَا نَاقَشَهُ ربُّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي عَدَمِ سُجُودِهِ، مَنَعَهُ الكِبْرُ مِنْ أَنْ يَعْـتَذِرَ، فَقَدْ رَأَى فِي نَفْسِهِ الخَيْرِيَّةَ عَلَى آدَمَ؛ (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)[الأعراف: 12].
ألا فَاتَّقُوا اللـهَ-عِبادَ اللـهِ- وَتَخَلَّقُوا بِخُلُقِ الاعتِذَارِ عِنْدَ حُدُوثِ الأَخْطَاءِ، وَاقْبَلُوا عُذْرَ مَنِ اعتَذَرَ؛ تَنَالُوا مِنَ اللـهِ أَجْرًا كَبِيرًا، وَمِنْ إِخْوَانِكُمُ احتِرَامًا وَتَوقِيرًا؛ (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[فصلت: 35].
أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ.
فَيَا أَيُّها المُؤمِنُونَ: إِنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَى ثَقَافَةِ الاعتِذَارِ، وَتعْمِيقِهَا فِي مُجتَمَعاتِنَا وَبُيُوتِنَا إِنْ أَرَدْنا رِضَا اللـهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنَّا ثم الرِّفْعَةَ لأَنْفُسِنَا، وَالنَّهْضَةَ لِمُجتَمَعاتِنَا؛ فَالاعتِذَارُ يَغْرِسُ فِينَا المَسؤولِيَّةَ، وَالوُقُوفَ عَلَى مَا فَعَلْنَا مِنْ خَيْرٍ فَنَستَمِرُّ عَلَيْهِ، وَمَا بَدَرَ مِنَّا مِنْ خَطَأٍ فَنُصَحِّحُهُ.
إنَّ المُجْتَمَعَ المُسْلِمَ مُجْـتَمَعٌ تَصْـفُو فِيهِ النُّفُوسُ وتَطِيبُ، وَتَستَجِيبُ لِدَواعِي الوَحْدَةِ وَالإِخَاءِ؛ فَتَتَولَّدُ الرَّغْبَةُ فِي الصَفْحِ وَقَبُولِ الأَعْـذَارِ، وَيَنْشَأُ فيه العَزْمُ عَلَى الأَسَفِ وَالاعتِذَارِ.
فهذا يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- يقبلُ اعتذارَ إخوتِه، فَمَعَ عِظَمِ خَطَئِهمُ الذِي اقتَرَفُوهُ، ومَا نَالَهُ مِنْهُمْ ومَا اجْتَرحُوهُ، إِلاَّ أَنَّهُ قَابَلَ اعتِذَارَهُمْ بِالقَبُولِ؛ (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[يوسف: 92].
عباد الله: نَحتَاجُ إِلَى ثَقَافَةِ الاعتِذَارِ في شتى الأماكنِ في طرقِنا، وفي مدارسِنا، وفي جامعتِنا، وفي إدارتِنا، وفِي بُيُوتِنا، ويَعْظُمُ ذلك مع كلِّ ذي حقٍّ وفضلٍ، كالقريبِ، والجارِ، والعالِمِ، والزوجِةِ، فَرُبَّما أَخطأَ زَوْجٌ فِي حَقِّ زَوْجِهِ، وَكَانَ يَكْفِي لِعلاَجِ خَطَئِهِ كَلِمَةٌ يُعتذرُ بها تُضَمِّدُ الجِرَاحَ، وَتَقْضِي عَلَى بَذْرَةِ الشِّقَاقِ التِي يَبْذُرُها الشَّيْطَانُ.
يقولُ ابنُ القيمِ: "مَن أساءَ إليك، ثم جاءَ يعتذِرُ مِن إساءتِه؛ فإنَّ التواضعَ يوجبُ عليك قَبولَ معذرتِه، حقًّا كانت أو باطلًا، وتَكِلُ سريرتَه إلى اللـهِ -تعالى-، كما فعَلَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- في المنافقين الذين تخلَّفوا عنه في الغزوِ، فلما قَدِمَ جاؤوا يَعْتذرون إليه، فقَبِلَ أعذارَهم، ووَكَلَ سرائرَهم إلى اللهِ -تعالى-، وعلامةُ الكرمِ والتواضعِ أنك إذا رأيتَ الخللَ في عذرِه لا توقِفُه عليه، ولا تحاجُّهُ"، وكما قيل: "أوسعُ مَا يكونُ الْكَرِيمُ مغْفرَةً، إِذا ضَاقَتْ بالمذنبِ المعذرةُ، ومَنْ أَخَطَأَ مِنْكُمْ فِي حَقِّ الآخَرِينَ فَلْيَعْتَذِرْ بِلا خَوْفٍ ولا وَجَلٍ؛ فَإِنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ".
التعليقات