عناصر الخطبة
1/حمد الله تعالى لبلوغ رمضان 2/الوصية باغتنام رمضان خير اغتنام 3/التحذير من التفريط في خير الشهور 4/المعنى الصحيح للصوماقتباس
أيها الصائمُ: يا مَنْ تسألُ عن غُبارِ الطريقِ، وغربلَةِ الدقيقِ، وابتلاعِ الرِّيقِ؛ هل تُفسِدُ الصومَ أم لا؟ يا من تحترِزُ عن هذه الأمورِ اليسيرَةِ وتُفرِّطُ في الأمورِ الجليلَةِ، احترِزْ من كبائرِ الفواحشِ والآثامِ، احترِزْ من أكلِّ مالِ أخيكَ المسلمِ وفَرْيِ عِرضِه، وغشِّه وظُلمِه، وخديعتِه والاحتِيالِ عليه...
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ على نوامِي بركاتِه، وسوابِغِ هِباتِه، بلَّغَنا شهرَ رمضانَ، وحَبَانَا بفضلِه وخيراتِه، وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادَةً نرجو بها الفوزَ بدارِ كرامتِه، ونعيمِ جناتِه، وأشهدُ أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، نصحَ لأمَّتِه حتى حانَتْ ساعَةُ وفاتِه، صلَّى الله وسلَّم عليه، وعلى آلِه وأصحابِه، ساداتِنا بُدورِ الدُّجَى، وأنصارِ الحقِّ، ودُعاتِه.
أما بعدُ، فيا أيها المسلمون: اتَّقوا الله وتزوَّدوا للانتِقال قبل الارتِحال؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢].
أيها المسلمون: أتاكُم شهرُ المرابِح بظلالِه ونوالِه، وجَمالِه وجَلالِه، زائرٌ زاهِرٌ، وشهرٌ عاطِرٌ، فضلُه ظاهِرٌ، بالخيراتِ زاخِرٌ، فاحمَدوا اللهَ على أَنْ بلَّغَكُم، واشكُرُوه على أن أخَّرَكُم إليه ومكَّنَكُم، فَكَمْ طامعٍ بلوغَ هذا الشهرِ وما بلغَه، وكم مؤمِّلٍ إدراكَه وما أدرَكَه.
أيها المسلمون: هلَّ هلالُ رمضانَ، وكم حبيبٍ لنا فقدنَاه، وكم قريبٍ لنا أضجَعنَاه، وكم عزيزٍ علينا دفَنَّاه، فاعتبِروا برحيل الإخوان والخِلَّان؛ فرحيلُهم موعِظَةٌ وتذكيرٌ، وعبرَةٌ ونذيرٌ، فالبِدارَ البِدارَ، قبل أن لا توبَةَ تُنَالُ، ولا عثرَةَ تُقَالُ، ولا يُفْدَى أحدٌ بمالٍ، وأروا اللهَ في شهرِكم خيْرًا من أنفسِكم؛ فبالجِدِّ فازَ مَنْ فازَ، وبالعزمِ جازَ مَنْ جازَ، وكان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يجتهِدُ في رمضانَ ما لا يجتهِدُ في غيرِه.
أيها المسلمون: هذا شهرُ القَبولِ والسُّعُودِ، هذا شهرُ العِتق والجُودِ، هذا إبَّانُ التراقِي والصُّعُودِ، هذا أوانُ الجِدِّ إن كنتَ مُجِدًّا، هذا زمانُ التعبُّدِ إِنْ كنتَ مُستعِدًّا، هذا نسيمُ القبولِ هَبَّ، هذا سيْلُ الخيرِ صَبَّ، هذا الشيطانُ تَبَّ، هذا بابُ الخيرِ مفتوحٌ لمن أحبَّ.
عن أبي هريرَةَ -رضي الله عنه- أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ"(مُتفَق عليه)، وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ"(أخرجه ابن ماجه).
يا أسيرَ المعاصِي، يا سجينَ المخازِي: هذا شهرٌ يُفَكُّ فيه العانِي، ويُعْتَقُ فيه الجانِي، ويُتَجَاوَزُ عن العاصِي، فبادِرِ الفرصَةَ وحاذِرِ الفوتَةَ، ولا تكُنْ ممَّنْ أبَى وخرجَ رمضانُ ولم يَنَلْ فيه المُنَى.
أيها الصائمُ: يا مَنْ تسألُ عن غُبارِ الطريقِ، وغربلَةِ الدقيقِ، وابتلاعِ الرِّيقِ؛ هل تُفسِدُ الصومَ أم لا؟ يا من تحترِزُ عن هذه الأمورِ اليسيرَةِ وتُفرِّطُ في الأمورِ الجليلَةِ، احترِزْ من كبائرِ الفواحشِ والآثامِ، احترِزْ من أكلِّ مالِ أخيكَ المسلمِ وفَرْيِ عِرضِه، وغشِّه وظُلمِه، وخديعتِه والاحتِيالِ عليه.
وهل صامَ مَنِ امتَنَعَ عن الأكلِّ والشُّربِ في نهارِ رمضانَ ولم يمتَنِعْ عن إهمالِ أولادِه وتركِهم عند مُطلَّقتِه بلا إحسانٍ ولا شفَقَةٍ ولا سُؤالٍ ولا نفَقَةٍ.
وهل صامَتْ مَنْ حرمَتْ أولادَها رُؤيَةَ والدهم مُطلِّقِها وزيارتَه، وشجَّعَتْهم على العقوقِ والفُسوقِ، وهل صامَ مَنْ حرمَ أولادَه رُؤيَةَ أمِّهم مُطلَّقتِه التي لا هناءَ لحياتِهم إلا بشمِّ ريحِها وعبيرِها، ورُؤيَةِ وجهِها والاستِدفاءِ بحنانِها.
وهل صامَ مَنْ هجرَ زوجتَه وتركَها مظلومَةً معلَّقَةً لا هيَ زوجَةٌ ولا مُطلَّقَةٌ، وهل صامَ مَنْ عقَّ والديه وهجرَهما وتعالى- عليهما وضجِرَ من خدمتِهما، إن سُئِلَ بَخِلَ، وإن عُوتِبَ جَهِلَ، وإِنْ رُجِيَ خَيَّبَ، وإن طُلِبَ تَغَيَّبَ، لا يُجيبُ إلا عُنفًا، ولا يُعطِي إلَّا خوْفًا، ولا يَعرِفُ إلا "سوفَ".
وهل صامَ مَنْ نامَ عن الفريضَةِ، وأخرجَ الصلاةَ عن وقتِها ولم يُصَلِّ الظُّهرَ والعصرَ إلا بعد خُروجِ أوانِها وزمانِها واعتادَ ذلكَ في أيامِ رمضانَ كلِّها، وهل صامَ مَنْ أكلَ ميراثَ إخوتِه وأخواتِه وغصَبَ حقَّ الضُّعفاءِ واليتامَى والمساكينِ واستولَى على غلَّةِ الأوقافِ وحرمَ المستحقينَ؟!
نعم، لقد صامَ صيامًا مُجزِئًا ومُسقِطًا للواجبِ ولكنَّه صومٌ متلبِّسٌ بالزُّورِ والإثمِ والظُّلمِ، مُصاحِبٌ للكبائرِ والعظائمِ وقد لا يقومُ ثوابُ صيامِه في موازنَةِ إثمِ ظُلمِه وإجرامِه، فاتقوا اللهَ يا مَنْ أمسَكتُم عن المُفطِّراتِ والمُفسِداتِ أثناء الصيامِ وفعلتُم ما يجبُ على المسلمِ اجتِنابُه، ويحرُمُ عليه ارتِكابُه على الدوامِ.
يَا ذَا الَّذِي صَامَ عَنِ الطُّعْمِ *** لَيْتَكَ قَدْ صُمْتَ عَنِ الظُّلْمِ
هَلْ يَنْفَعُ الصَّوْمُ امْرأً ظَالِمًا *** أَحْشَاؤُهُ مَلْأَى مِنَ الإِثْمِ
جعلَنِي الله وإيَّاكم ممَّنْ صامَ رمضانَ وصانَه، ولم يُكدِّرْ بالذنوبِ عملَه وإحسانَه، أقولُ ما تسمعونَ وأستغفرُ اللهَ فاستغفِروه، إنه كان للأوَّابينَ غفورًا.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ آوَى مَنْ إلى لُطْفِه أَوَى، وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، داوَى بإنْعَامِه من يَئِسَ من أسقامِه الدَّوَى، وأشهدُ أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، مَنِ اتَّبعَه كان على الهُدَى، ومَنْ عصاهُ كان في الغِوايَةِ والرَّدَى، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه صلاةً تبقَى وسلامًا يَتْرَى.
أما بعدُ، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله وراقِبُوه وأطيعُوه ولا تعصُوه؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التَّوْبَةِ: ١١٩].
يا مُطلِقَ النواظرِ في مُحرَّماتِ المنظُورِ، ها أنتم في خيرِ الشهورِ، فحذارِ حذارِ من انتهاكِ حُرمتِه، وتدنيسِ شرفِه، وانتقاصِ مكانتِه، عن أبي هريرَةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".
وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ -رضي الله عنه- قال: "إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَصَوْمِكَ سَوَاءً".
وعن أبي هريرَةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ"(أخرجه أحمدُ).
وصلُّوا وسلِّموا على أحمدَ الهادي شفيعِ الورَى طُرًّا، فمن صلَّى عليه صلاةً واحدَةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على نبيِّنا وسيِّدِنا محمدٍ، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدينَ، والأئمةِ المهديينَ، ذَوِي الشرفِ الجليِّ، والقَدْرِ العليِّ؛ أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، وعن سائرِ الآلِ والأصحابِ، وعنَّا معهم يا كريمُ يا وهَّابُ.
اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ وأذِلَّ الشركَ والمشركينَ، ودمِّرْ أعداءَ الدينِ، واحفَظْ بلادَنا وبلادَ المسلمينَ من كيدِ الكائِدِينَ، ومكرِ الماكِرِينَ، وحِقدِ الحاقِدِينَ، وحسَدِ الحاسِدِينَ، يا ربَّ العالمينَ.
ربِّ اجعلْ هذا البلدَ آمِنًا، اللهمَّ احفَظْ جنودَنا المُرابِطِينَ على حُدودِنا وثُغُورِنا، اللهمَّ تقبَّلْ مَوْتَاهُمْ في الشُّهداءِ، ومُنَّ على جرحاهُم بالشِّفاءِ، ورُدَّهم إلى أهلِهم سالمينَ يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ وفِّقْ إمامَنا ووليَّ أمرِنا خادمَ الحرمينِ الشريفينِ لِمَا تحبُّ وترضَى، وخُذْ بناصيتِه للبرِّ والتقوى، اللهمَّ وفِّقْه ووليَّ عهدِه وسائرَ ولاةِ المسلمينَ لِمَا فيه عزُّ الإسلامِ وصلاحُ المسلمينَ يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ واشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وارحمْ موتانا يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ انصُرْ إخوانَنا في فلسطينَ، اللهمَّ واجبُرْ كسرَهم، وعجِّلْ نصرَهم، وأَقِلْ عثرتَهم، واكشِفْ كُربتَهم، وفُكَّ أَسْرَاهُمْ، واشفِ مرضاهم، وتقبَّلْ مَوْتَاهُمْ في الشُّهداءِ، يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ اجعلنا ممن قبِلْتَ صيامَه وقيامَه، وغفرتَ زَلَلَهُ وآثامَه، وأصلَحتَ قلبَه فاستعدَّ لِمَا أمامَه.
اللهمَّ اجعلْ دعاءَنا مسمُوعًا، ونداءَنا مرفُوعًا، يا كريمُ يا عظيمُ يا رحيمُ.
التعليقات