عناصر الخطبة
1/ظاهرة عقوق الوالدين 2/خطورة عقوق الوالدين 3/من مظاهر عقوق الآباء والأمهات 4/جزاء البر وعواقب العقوقاقتباس
أدُّوا حقوق آبائكم وأمهاتكم أحياءً وأمواتًا، فإن مَن برَّ بوالديه كان له في هذه الدنيا عاجل التوفيق مع ما يدَّخره الله له يوم القيامة من العمل الصالح. وإذا عقَّ الإنسان والديه فيا سوءته ويا خيبته في الدنيا والآخرة...
الخطبة الأولى:
إنَّ الحَمْدَ لِله؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمْنْ يُضْلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدُهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ نبينا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، عبده المُصطفى ونبيهُ المُجتبى، فالعبد لا يُعبد كما الرسول لا يُكذَّب، فاللهم صلِّ وسلِّم وعلى آله وأصحابه ومن سلف من إخوانه من المُرسلين وسار على نهجه واقتفى أثرهم إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد عباد الله: فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادنا وأجسادكم على النار لا تقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعُروةِ الوثقى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].
أيها المؤمنون: ثَمَّة ظاهرةٌ غريبة عجيبة أقضَّت مضاجع أصحاب القربات، وكدَّرت على أهل الدين ليلهم ونهارهم ألا وهي ظاهرة عقوق الوالدين، نعم يا عباد الله، عقوق الوالدين التي أقضَّت مضاجع الناس، ومُلئت من القضايا في الشُّرط والنيابةِ والمحاكم، تداول الناس حديثها في مجالسهم، مستخبثين أوله ومستنكرين، ثم إنه مع كثر إحساس قلت القلوب ببعضها الإحساس.
عباد الله: إن عقوق الآباء والأمهات يأخذ مواقع عديدة، فأول ما يبدأ العقوق بجفاء الولد لوالديه، فيؤخر عنهم حظهما ويصعِّر وجهه عنهما، ثم يمضي بعد ذلك إلى معصيتهما فإذا أمره أبوه أو أمه بأمرٍ خالفه، أو على الأقل توانى في تنفيذه، ثم ينتقل ذلك إلى مرحلةٍ ثالثة مرحلة العناد والمُكابرة، فيُعاند الولد أباه وتعاند البنتُ أمها، فيُصبح الولد عاقًّا والبنت عاقة كما جاء ذلك في الخبر في أشراط الساعة "وأن تلد الأمة ربتها".
ثم ينتقل العقوق إلى مرحلةٍ رابعة بمسبَّةِ الابن لأبيه ورفع صوته عليه، والله -جل وعلا- يقول: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا)[الإسراء: 23]، فيخالف والديه ويعصي بذلك أوامر الجبار.
وكذلك مع أصحابه وأصدقائِه يمشي في حوائجهم ويقضي أمورهم، وفي حاجةِ أبيه يُسوِّف، أو يعصيه، أو ينهره، أو يحنق أو يُعانده، فتحقق بذلك ما أخبر به النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- من علامات الساعة التي تدل على فساد الزمان بفساد أهله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)[الإسراء: 23-24].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وما فيهِ من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه كان غفارًا.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقهِ وإحسانه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إعظامًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابه ومن سلف من إخوانه وسار على نهجهم واقتفى أثرهم وأحبهم وذبَّ عنهم إلى يوم رضوانه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد عباد الله: فاتقوا الله وعظِّموا أوامره وفرائضه، ومن ذلك أدوا حقوق آبائكم وأمهاتكم أحياءً وأمواتًا، فإن مَن برَّ بوالديه كان له في هذه الدنيا عاجل التوفيق مع ما يدَّخره الله له يوم القيامة من العمل الصالح.
وإذا عقَّ الإنسان والديه فيا سوءته ويا خيبته في الدنيا والآخرة! جاء عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "برُّوا آباءكم تبرُّكم أبناؤكم"، فإذا لم يبر الإنسان بوالديه في الدنيا هيَّأ الله من أولاده بعد ذلك من يعقُّونه ويفعلون به كما كان يفعل بوالديه إن خيرًا فخير وإن عقوقًا وشرًّا فشر، ولا حول ولا قوةَ إلا بالله.
عباد الله: رأى ابن عباسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- رجلاً يطوفُ حاملاً أمه على ظهره في حجة الإسلام، فقال له هذا الرجل: يا ابن عم رسول الله! أتُراني وفيت حقها عليَّ؛ فهذه أمي على ظهري جعلت ظهري لها مركبًا حاجًّا بها بيت الله الحرام. فنظر إليه ابن عباس وهو حاملٌ أُمه على ظهره ثم أطبق رأسه ثم رفعه فقال: "لا، ولا بطلقةٍ واحدة من طَلقاتها"، أي كما حملت بك وجاءها المخاض.
عباد الله: اعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وشر الأمورِ محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم عباد الله بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، ولا يأكل الذئب إلا من الغنم القاصية.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آلِ محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد وسلِّم اللهم تسليمًا، اللهم وارضَ عن الأربعةِ الخلفاء، وعن العشرةِ وأصحابِ الشجرة، وعن المُهاجرين والأنصار، وعن التابعِ لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم عزًا تُعز به الإسلام والسُّنَّة، وذلاً تذل به الكفر والبدعة يا ذا الجلالِ والإكرام، اللهم آمنا والمُسلمين في أوطاننا، اللهم أصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا والمُسلمين فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم كن لجنودنا المُرابطين على حدودنا وكن للمُستضعفين من المُسلمين في كل مكان، كن لنا ولهم وليًا ونصيرًا وظهيرًا يا ذا الجلالِ والإكرام، اللهم احفظنا وإياهم بحفظك، واكلأنا وإياهم برعايتك، اللهم لا نُخذل وأنت ولينا ولا نُخذل وأنت حسبُنا، أنت حسبُنا ونِعم والوكيل.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثًا مُغيثًا هنيئًا مريئًا، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا فأرسل السماء علينا مدرارًا، اللهم أرسل السماء علينا مدرارًا، اللهم أغث بلادنا بالأمن والامطار والخيرات، وأغث قلوبنا بمخافتك وتعظيمك وتوحيدك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم اغفر للمُسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرةِ حسنة وقنا عذاب النار، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصافات: 180- 182].
التعليقات