عناصر الخطبة
1/أهمية عبادات القلوب 2/تقلب القلوب 3/شدة حاجتنا لإصلاح قلوبنا 4/أهم وسائل صلاح القلوب 5/فوائد تذكر الموت وزيارة القبور 6/وجوب غلق منافذ الشرور على القلوب.

اقتباس

أما والله إن مجلساً تذكر فيه ربك، أو تتلو كتابه، لهو خير مجلس وأسعد مجلس وأهنأ مجلس، ولو كنت في غرفة مظلمة أو أرضٍ مقفرة، والعكس بالعكس، فطوبى للذاكرين التالين، هنيئاً لهم حياةُ قلوبهم وراحةُ بالهم ورضا ربهم، تحطِمُ الدنيا الناسَ حطماً، تلهيهم وتغفلهم، وتشغلهم وفي أوديتها ألهتهم، وهؤلاء أُنْسُهم مع ربهم ذكراً وتلاوة، فلا تزيدهم الأيام إلا له قرباً....

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله....

 

جميلٌ أن نهتم بظواهرنا، ولكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب بواطننا، وحَسَنٌ أن نعتني بعبادات الجوارح، وأهم من ذلك أن نعتني بعبادات القلب.

 

القلب هو محل نظر الرب -تبارك وتعالى-، وفي الحديث: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

 

جعل الله مدار السعادة أو الشقاوة على القلب، فإذا مُلِئَ القلب إيماناً وتصديقاً وفقهاً وإدراكاً لمراد الله ومراد رسوله كان ذلك دليل الصحة والسلامة، وصاحبه ناجٍ في الدنيا من الفتن والشبهات والشهوات، وسالِمٌ ناجٍ يوم القيامة؛ (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشعراء: 88- 89].

 

القلب قد يقسو ويشتد ويُغلّف ويُطمَس ويُقفَل ويُطبَع عليه، ويزيغ عن الحق وقد يَعْمى، وأخطر من ذلك أنه قد يموت وصاحبه حي.

 

لأجل هذا فهو ملك الأعضاء؛ "وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد، ومَن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، والله يَحُول بين المرء وقلبه، وحيلولته أن يمنعه من معرفته ومراقبته، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين، وأساس طريق السالكين".

 

وفي الصحيح: "إلا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب"، قال الحسن: دَاوِ قلبك، فإن حاجة الله إلى عباده صلاح قلوبهم.

 

لأجل كل هذا -يا كرام-: حاجتنا لصلاح قلوبنا أشد من حاجتنا لعلاج أسقامنا وسدّ جوعنا وعطشنا، فالبدن إن اعتلّ اليوم فما أقرب أن يصح، وهو في هذا مُثاب، وإنما الخلل حين يمرض القلب أو يموت.

 

من هنا دعونا نُعرِّج على مُصلحات القلوب؛ علَّ قلوبنا أن تصح وتسلم، وربنا قال في التنزيل عن يوم القيامة: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشعراء: 88- 89].

 

ألا وإن صدق التوجُّه لله، بحيث لا يتعلق إلا به رباً ومعبوداً، هو أجلى طرائق صلاح القلب، فمتى تعلق المخلوق بالمخلوق عُذِّبَ به؛ لأن خالق القلب هو الله، ركَّبه بحيث لا يصلح إلا إن تعلق به وحده دون من سواه.

 

والمُوفَّقون لا تجد قلوبهم إلا مع الله وبالله، له يعملون، ووجهَهُ يقصدون، ورضاه يطلبون، فهو ربهم وهم له عابدون.

 

قال ابن تيمية: "فالقلب لَا يَصلُح وَلَا يُفلح وَلَا يَنعم وَلَا يُسرّ وَلَا يلتذ وَلَا يطيب وَلَا يسكن وَلَا يطمئن؛ إِلَّا بِعبَادة ربه وحبّه والإنابة إِلَيْهِ، وَلَو حصل لَهُ كل مَا يلتذّ بِهِ من الْمَخْلُوقَات لم يطمئن وَلم يسكن؛ إذ فِيهِ فقر ذاتي إِلَى ربه من حَيْثُ هُوَ معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وَبِذَلِك يحصل لَهُ الْفَرح وَالسُّرُور واللذة وَالنعْمَة والسكون والطمأنينة".

 

أسمعت يا من تشكو الحزن وتشتت القلب!

أسمعت يا من تبحث عن السعادة والإنس، إنها في طريق القرب من الله، وما سوى ذلك فهمٌّ وشتات!

 

قال ابن القيم: "فَفِي الْقَلْبِ شَعَثٌ، لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ. وَفِيهِ وَحْشَةٌ، لَا يُزِيلُهَا إِلَّا الإنس بِهِ فِي خَلْوَتِهِ.

وَفِيهِ حُزْنٌ لَا يُذْهِبُهُ إِلَّا السُّرُورُ بِمَعْرِفَتِهِ وَصِدْقِ مُعَامَلَتِهِ.

وَفِيهِ قَلَقٌ لَا يُسَكِّنُهُ إِلَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَالْفِرَارُ مِنْهُ إِلَيْهِ.

 

وَفِيهِ نِيرَانُ حَسَرَاتٍ: لَا يُطْفِئُهَا إِلَّا الرِّضَا بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَقَضَائِهِ، وَمُعَانَقَةُ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ لِقَائِهِ.

وَفِيهِ فَاقَةٌ: لَا يَسُدُّهَا إِلَّا مَحَبَّتُهُ، وَالْإِنَابَةُ إِلَيْهِ، وَدَوَامُ ذِكْرِهِ، وَصِدْقُ الْإِخْلَاصِ لَهُ. وَلَوْ أُعْطِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَمْ تَسُدَّ تِلْكَ الْفَاقَةَ مِنْهُ أَبَدًا".

 

يا كرام: ويصلح القلب بالأعمال الصالحة، من واجبات ومستحبات، وكلما زدت، كلما تعبَّدت، كلما صَلُح القلب أكثر وأنور والتذ، قال ابن عباس: "إن للحسنة نوراً في القلب وضياءً في الوجه وقوة في البدن وزيادة في الرزق ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للمعصية ظلمةً في القلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضةً في قلوب الخلق".

 

عباد الله: وأولى ما أُصْلِحَ به القلب: الإكثار من الذكر وقراءة القرآن، فبِذِكْر الله تطمئن القلوب، وإذا غفل العبد عن الذكر والقرآن أثّر ذلك في قلبه وهناً وضعفاً، وانقباضاً، قال الخواص: "الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسد، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم، فالقلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا".

 

فيا مُوفّق: إذا سابقك الناس في الدنيا؛ فسابقهم في القرب من الله، والإكثار من ذِكْره، وتلاوة كتابه، هناك ستجد الأُنْس، أما والله إن مجلساً تذكر فيه ربك، أو تتلو كتابه، لهو خير مجلس وأسعد مجلس وأهنأ مجلس، ولو كنت في غرفة مظلمة أو أرضٍ مقفرة، والعكس بالعكس، فطوبى للذاكرين التالين، هنيئاً لهم حياةُ قلوبهم وراحةُ بالهم ورضا ربهم، تحطِمُ الدنيا الناسَ حطماً، تلهيهم وتغفلهم، وتشغلهم وفي أوديتها ألهتهم، وهؤلاء أُنْسُهم مع ربهم ذكراً وتلاوة، فلا تزيدهم الأيام إلا له قرباً، ولرضاه زلفى، يذكرونه فيذكرهم، ويتلون كتابه فيأجرهم...

 

فاللهم اجعلنا منهم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده...

 

ومما يصلح به القلب: تحرّي العظات وشهودُ الجنائز وزيارةُ القبور وتذكرُ الموت، هذه الأمور تعيدُ للإنسان حساباتِه، تُصحِّح له تفكيره في المستقبل، وتُعلِّمه حقيقة الدنيا.

 

 إن زيارةً لمقبرةٍ بقلبٍ حاضر، إن رؤيةً لمحتضر، تَعملُ في القلب ما لا تعمله كثير من المواعظ، لذا عَالِجْ قلبك بذِكْر الموت وزيارة القبور، لتعمل حقاً، وتُصلِح تقصيرك، وتأخذ أُهبتك، سترى هناك أصحاباً وأقارب، سترى شباباً وشِيباً، ومشاهير ومجاهيل، مَن أمّل الآمال ومَن جمع الأموال، ومن بنى فما أتم، ومَن درس فما تخرج، ومن عقَد فما تزوج، ومَن واعد فرحل قبل وعده، سترى الآمال تنتهي هناك، وتبدأ الحياة الحقة، رحلة البرزخ والآخرة، فطوبى والله لمن تَهيَّأ لها، بعمل صالح وقول حسن وقلب سليم.

 

عباد الله: ومجالسة الصالحين والقرب منهم، مُصلِحة للقلب إن وجدتهم، وفي هذا قال جعفر بن سليمان: "كنتُ إذا رأيت من قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع".

وإذا كان النظرُ للصالحين يحيي القلب، فإن النظر للعصاة يُظلِمه ويؤثِّر فيه.

 

إن كثيراً من خلل قلوبنا هو بسبب توسعنا في النظر في وسائل التواصل وغيرها، فيرى الرجلُ ذلكَ الفاسقَ ويسمع كلامه، ويرى تلك المرأة المتبرجة، ويسمع ذلك السماع الآثم، وشيئاً فشيئاً يزداد القلب ظُلمة وانقباضاً.

 

لذا: إذا أردت أن تصلح قلبك فأغلق منافذ فساده من نظر محرم، وسماع آثِم، وكلام مُحرّم، فكم من قلب منور أظلمه غشيان مجالس العصيان! وكم من قلب منجمع للخير شتته التساهل في ذنوب الخلوات!

 

وبعد: فقلبك رأس مالك، حافِظ على صفائه وصلاحه أشدَّ مِن محافظتك على مالك وثيابك، حاذر مما يُمرضه، واسعَ في صلاحه، فقلبٌ صالح، قلبٌ متلذذ بالطاعة، قريب من الله، سعيد في دنياه، مُنعَّم في أخراه.

 

اللهم أصلح فساد قلوبنا....

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life