عناصر الخطبة
1/فضل الحج ومكانته 2/معاني الحج الإيمانية 3/تحقيق التوحيد والتقوى 4/التذكير بالآخرة ووحدة المسلمين.اقتباس
نداء الخليل إبراهيم -عليه السلام- بالحج؛ إنه نداء الشوق لبيت رب العالمين. حينما انتهى شيخ الأنبياء وأبوهم إبراهيم -عليه السلام- من رفع قواعد البيت العتيق وسط وادٍ غير ذي زرع، صدر الأمر...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:
قال الله -تعالى-: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[آل عمران: 97].
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان"(متفق عليه عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-).
أيها المسلمون: ديننا الحنيف، وما فيه من تكاليف وفرائض وواجبات، كل ذلك يقوم على الدليل والنص الشرعي من كتاب الله -تعالى- ومن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، "قال الله، قال رسوله"؛ فالحمد لله الذي جعل البيت العتيق مثابة للناس وأمنًا، ورفع ذكره في العالمين تعظيمًا وشأنًا.
أيها المسلمون: نداء الخليل إبراهيم -عليه السلام- بالحج؛ إنه نداء الشوق لبيت رب العالمين. حينما انتهى شيخ الأنبياء وأبوهم إبراهيم -عليه السلام- من رفع قواعد البيت العتيق وسط وادٍ غير ذي زرع، صدر الأمر الرباني العظيم؛ (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)[الحج: 27].
وقف الخليل على مقام الحجر، ووجَّه نداءه إلى جهات الأرض الأربع؛ فجاءت الإجابة من الرجال وأرحام النساء: "لبيك اللهم لبيك".
إنه النداء الذي اخترق حجب الزمن بأمر الله -تعالى-؛ لقد نادى الخليل إبراهيم بلسان اليقين، فتردد الصدى في وجدان البشرية إلى قيام الساعة.
أيها المسلمون: تصوروا شيخًا وحيدًا في صحراء قاحلة، ينادي أمة لم تولد بعد، ويقينه بأن الله -تعالى- سيسوق إليه الوفود من كل فج عميق.
أيها المسلمون: إن صدى نداء الخليل إبراهيم -عليه السلام- يسري في أرواح المؤمنين الموحدين عبر العصور والدهور.
وما يجده كل مسلم من الشوق والحنين عند رؤية الحجيج أو سماع التلبية: "لبيك اللهم لبيك" إلا دليل على أننا جزء من تلك الاستجابة العظمى؛ إنها دعوة الأب، وإجابة الرب، وقصة حب لا تنتهي فصولها إلا بلقاء الله.
أيها المسلمون: إن الحج ليس مجرد رحلة أبدان عبر الفيافي والقفار، بل هو هجرة القلوب إلى الواحد القهار. الحج هو إجابة لنداء قديم أطلقه أبو الأنبياء الخليل إبراهيم -عليه السلام-، فتردد صداه في أصلاب الرجال وأرحام النساء، حتى صار شوقًا يغلي في الصدور، ودمعًا يفيض في المحاجر.
يا راحلين إلى منى بقيادي *** هيجتمو يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي *** الشوق أقلقني وصوت الحادي
أيها المسلمون: في الحج يتجرد الإنسان من زينة الدنيا، يخلع ثياب الفخر والتميز، ليلبس رداءً أبيض يشبه كفنه، في تذكير مهيب بأننا غدًا بين يدي الله سواء، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أسود على أبيض، ولا لشريف على وضيع إلا بالتقوى؛ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)[البقرة: 197].
أيها المسلمون: هناك في المشاعر المقدسة، تذوب الفوارق، وتتحد الغايات، وترتفع الأصوات بكلمة واحدة: "لبيك اللهم لبيك".
أيها المسلمون: لقد أجمعت الأمة على أن الحج فرض على المستطيع، وأنه ركن من أركان الدين لا يسع أحدًا جهله.
أيها المسلمون: فإن الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين، فيه أنزل الله -عز وجل-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[المائدة: 3].
أيها المسلمون: تعد فريضة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، وهي عبادة تجتمع فيها مجاهدة النفس، وبذل المال، وإجهاد البدن تقربًا لله -تعالى-؛ فعبادة الحج هي الرحلة إلى الله -تعالى- في دار الدنيا.
ضج الحجاز وضج البيت والحرم *** واستصرخت ربها في مكة الأمم
جاؤوا لبابك يا رحمن فاستمعوا *** ألا يخيب في رحماك معتصم
أيها المسلمون: إن الحج مدرسة كبرى من أهم دروسها الاستسلام المطلق لله -تعالى-؛ فنحن نطوف لأن الله -تعالى- أمر، ونرجم الشيطان لأن الله أمر، ونقف بعرفة لأن الله أمر، ونبيت بمزدلفة لأن الله أمر، ونرمي الجمار لأن الله أمر، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك، قال -عليه الصلاة والسلام-: "خذوا عني مناسككم؛ لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"(رواه مسلم).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فهي خير الزاد؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)[البقرة: 197].
أيها المسلمون: إن المشاعر المقدسة وتلك البقاع الطاهرة ليست مجرد أماكن جغرافية، بل هي مرافئ وشواطئ للأرواح، ومحطات ينسلخ فيها المرء من طين الأرض ليحلق في سماوات القرب؛ فالكعبة المشرفة قبلة القلوب، وهي نقطة السكون في عالم يضج بالحركة؛ إذا طاف بها المسلم فكأن روحه فراشة تحوم حول نور أزلي، هي البيت الذي تشعر فيه أنك عدت إلى منزلك.
أيها المسلمون: هناك، وعلى بعد كيلومترات، جبل عرفة، مجمع الأسرار ومحل لكثرة الدعوات؛ هناك وفي عرفات يتوقف الزمن، وتصعد الزفرات لتتحول إلى غيمات من الرحمة، عرفة هو يوم البوح العظيم، حيث يقف العبد مجردًا من كل ألقابه إلا لقب "يا رب"؛ إنه المشهد المصغر للقيامة، لكنه مغلف بالرجاء، حيث تفيض الدموع لتغسل سواد القلوب.
أيها المسلمون: إن اجتماع الخلق على اختلاف لغاتهم وألوانهم في صعيد واحد يذكر بالمحشر الأكبر، وهذا يوجب على العبد الاستعداد للقاء الله.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال -عز من قائل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].
التعليقات