عناصر الخطبة
1/الحث على حسن استقبال شهر الخيرات 2/وصايا صالحات لنيل المغفرة والرحمات 3/التحذير من التفريط وحب الدنيااقتباس
أيُّها المسلمُ: استجلِبْ حلاوةَ الزُّهدِ بقِصَرِ الأملِ، واقطَعْ أسبابَ الطَّمَعِ بصحَّةِ اليأسِ، وتعرَّضْ لرقَّةِ القلبِ بمجالَسةِ أهلِ الذكرِ، واستجلِبْ نورَ القلبِ بدوامِ الحذرِ، واستفتِح بابَ الحُزن بطول الفِكْر، وتزيَّنْ لله بالصدقِ في جميعِ الأحوالِ، وتحبَّبْ إليه بتعجيلِ الامْتِثَالِ، وإياكَ والتسويفَ...
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله الذي انجلَت بنورِه غَمَرَاتُ الغضبِ، وانهدَّتْ بقدرتِه أركانُ النَّصَبِ؛ محَا بعدلِه جورَ الظَّلَمَةِ، وقصَم بقوَّته ظهرَ الْغَشَمَةِ؛ فعادَ الأمرُ إلى نصابِه، والحقُّ إلى أربابِه.
نحمدُه كما يجبُ على أوليائِه الشاكرينَ تحميدُه، ونستعينُه على القيامِ بما يشاؤُه ويريدُه. ونشهدُ له بما شهدَ أصفِياؤُه وشهودُه: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[آلِ عِمْرَانَ: 18].
ونشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له؛ شهادةً لا يشوبُها دَنَسُ الشركِ، ولا وَهْمُ الشكِّ؛ خالصةً مِنَ الأذهانِ، قائمةً بالطاعةِ والإيمانِ.
ونشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ اصطفَاهُ واختارَهُ لهدايةِ الخلقِ وإقامةِ الحقِّ؛ فبلَّغَ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، وهدَى من الضلالة. والناسُ حينئذٍ عن الهُدى غافِلُون، وعن سبيلِ الحقِّ ضالُّونَ؛ فأنقَذَهم من عبادةِ الْأَوْثَانِ، وأمرَهم بطاعةِ الرحمنِ؛ حتَّى قامَت حُجَجُ اللهِ وآياتُه، وتمَّتْ بالتبليغ كلماتُه. صلَّى اللهُ عليه وعلى مَنِ استجابَ له.
وارضَ اللهمَّ عَنْ آلِ بيتِه الكرامِ، أُولِي المعرفةِ، والفضلِ والرحمةِ، والعلمِ والحكمةِ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ؛ الذين نشرُوا العدلَ وهذا الدينَ، وارضَ عَنَّا معَهم بفضلِكَ ورِضوانِكَ يا أرحمَ الراحمينَ.
أما بعدُ، فيا عبادَ اللهِ: نحنُ اليومَ في أمسِّ الحاجةِ إلى التآلُفِ والترابُطِ والتماسُكِ؛ كما كان أصحابُ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-؛ (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)[الْحَشْرِ: 9].
وها نحنُ اليومَ مُقبِلُون على شهرِ الصومِ؛ شهرِ المحبةِ والأُلفةِ وصلةِ الرحمِ؛ شهرُ القرآنِ، والتراويحِ والإحسانِ؛ شهرُ النعمةِ والامتنانِ.
فيا أيها المسلمُ: تجهَّز لهذا الشهرِ الكريمِ، وابتدِئِ النعمةَ بالشكرِ، والمقدِرةَ بالعفوِ، والطاعةَ بالتآلُفِ، والرحمةَ لجميعِ الناسِ.
اشْكُرْ لمَنْ أَنْعَمَ عليكَ، وَأَنْعِمْ على مَنْ شكَركَ؛ فإنَّه لا بقاءَ للنعمة إذا كُفِرَتْ، ولا زَوَالَ لها إذا شُكِرَتْ. وإنَّ الشُكرَ زيادةٌ من النعم، وأمانٌ من الفقر، ما تنعمَ مُتَنَعِّمٌ بمثلِ ذكرِ اللهِ -تبارك وتعالى-، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ أعلمُ بالشاكرينَ.
جعلَنا الله وإيَّاكم لآلائِه شاكرينَ، وبالسُّنَّةِ معتصمينَ، وللهِ ذاكرينَ؛ وغفرَ لنا ولكم ولجميع المسلمينَ.
أيُّها المسلمُ: إنَّ اللهَ قد أعطاكَ الدنيا، فاشترِ نفسَكَ منه ببعضِها؛ (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ في الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)[الْقَصَصِ: 77].
ونحن اليومَ فينا مَنْ (بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا)[إِبْرَاهِيمَ: 28]؛ فارتكَبوا المعاصِيَ والآثامَ، واشْتَرَوُا الضلالةَ بالهُدى؛ فارتكَبوا جرائمَ القتل والزِّنَا، وتعامَلوا بالرِّبَا، وانغمَسُوا بالملذَّاتِ والشهوَاتِ، فلم يُراعُوا الحُرُماتِ؛ فاستحقُّوا العُقوباتِ؛ لقد كفَرُوا نعمةَ الله وما شكرُوها، وأَلْقَوُا العواقِبَ وما ذكرُوها.
هذا -أيُّها المؤمنون- مقامُ التذكِرَة قبل الحسرَة والندامَة. ابتعِدوا عن الفواحِش ما ظهرَ منها وما بطَن، واحفَظوا الحُرُماتِ؛ فإنَّ اللهَ -تبارَك وتعالى- يغارُ على حُرُماته.
إيَّاكُم والزِّنَا؛ فإنَّه يُذهِبُ بالبهاءِ عن الوجهِ، ويَقْطَعُ الرزقَ، ويُسخِطُ الرحمنَ؛ (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)[الْإِسْرَاءِ: 32].
وَيْحَنا! بأيِّ شيءٍ لم نعصِ ربَّنا؟! ويحنا! إنما عصيناه بنِعَمِه عندنا! كيف ننسى الموتَ ولا ينسانا؟! وَيحَنا إن حُجبنا عن ربنا! وَيحَنا! كيف نَغفُل ولا يُغفَل عنا؟! واغمَّاهُ من عهدٍ لم نَقُمْ له بوفاءٍ! ومن خلوةٍ لم نصحَبْها بحياءٍ! ومن مسألةٍ: ما الجوابُ فيها غدًا؟! ومِنْ أيامٍ تفنَى ويبقَى ما كان فيها!
لقد فسَدَ الزمانُ، وكثُرَ الْفِسْقُ، وتعطَّلَتِ الحُدودُ؛ واشتغلَ الناسُ بالمعاصِي، وأهمَلُوا العباداتِ؛ (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ في تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)[النَّحْلِ: 45-47].
لقد آنَ الأوانُ للتوبةِ والأَوْبَةِ والعودةِ؛ فإنَّ اللهَ يَقبلُ التوبةَ عن عباده.
عبادَ اللهِ: انظُروا إلى الأمم الخالية؛ (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ)[الْأَحْقَافِ: 25]. نزلَت هذه الآية في قوم هودٍ -عليه السلام-؛ هَلَكُوا، فلا يُرى في بلادهم شيءٌ إلا مساكنُهم. فلم يبقَ للمُكذِّبين دِيَارٌ، ولا نافِخُ نارٍ؛ (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ)[الْحَاقَّةِ: 7-8].
ولم يزَل الصالحون يعتبرون بمثل هذا؛ فكان نبيُّ اللهِ سليمانُ -عليه السلام- إذا مرَّ بخرابٍ قال: "أين أهلُكَ الأولون؟". وكان الصِّدِّيقُ الأكبرُ أبو بكرٍ -رضي الله عنه- يقول: "أين بَانُو المدائن؟ وأين مُحصِّنُوها بالحوائط؟ أين مُشَيِّدُو القصور وعامِرُوها؟"،
تلك منازلُهم خاويةً بما ظلمُوا. (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا)[مَرْيَمَ: 98]؟ تلك بيوتُهم خاويةً سكنتها الذِّئابُ العاويةُ.
فتوبوا إلى الله -أيُّها المؤمنون-، واعتبِروا -يا أولي الأبصار- لعلكم تُفلِحون. وكونوا مشاعِلَ نورٍ وهدايةٍ وبصيرةٍ، واسألوا أنفسَكم: ماذا أعدَدتم ليومٍ (لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشُعَرَاءِ: 88-89].
كفى بالموت واعِظًا، وكفى باليقين غِنًى، وكفى بالعبادة شُغْلًا. عَجِبْتُ: كيف تنامُ عينٌ مع المخافة، أو يَغفُلُ قلبٌ مع اليقينِ بالمُحاسبةِ؟!
جعلَنا اللهُ وإيَّاكم ممن تَبِعَ مُرادَه، وجعلَ الإيمانَ زادَه، وألهمَه تقواه ورشادَه؛ (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا)[آلِ عِمْرَانَ: 30].
عبادَ اللهِ: أخرجَ الإمامُ البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "قَالَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ؛ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ؛ فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ".
وورَدَ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ به فليس للهِ حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابَه".
توجَّهوا -يا عبادَ اللهِ- إلى المولَى الكريم بالدعاء والتسليم؛ فهو الرؤوف الرحيم. توجَّهوا إليه وادعوا الله وأنتم مُوقنونَ بالإجابةِ. فيا فوزَ المُستغفِرين، استغفِروا الله.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ ذي الجلال والإكرام، وخالقِ الأنامِ، ومُقدِّرِ الأقسامِ؛ المُتفرِّد بحقيقةِ البقاءِ والدوامِ. نحمدُه أولًا وآخرًا، ونستشهِدُه باطنًا وظاهرًا، ونستعينُ به إلهًا قادرًا. ونشهدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه؛ شهادةَ من أقرَّ بوحدانيَّته إيمانًا، واعترفَ بربوبيَّته إيقانًا، وعلمَ برهانَ ما يدعُو إليه، وعرَفَ حقيقةَ الدلالة عليه.
اللهمَّ اجعل نَوَامِيَ صلواتِك وزَوَاكِيَ بركاتِك على سيِّدنا وإمامِنا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ إمامِ الزمانِ، وحصنِ الأمانِ.
اللهمَّ وفِّقنا لطاعتِه، واجمَعنا على كلمتِه، واحشرنا في حزبِه وزُمرتِه، واحفَظنا في رعيَّته، وبارِك لنا فيما أعطيتَه.
أما بعد؛ فيا أيُّها الناسُ: اتَّقوا اللهَ حقَّ تُقاتِه، وارغَبُوا في ثَوَابِه، واحذَروا من عقابِه؛ فقد تسمعون ما يُتلَى عليكم من كتابِه: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)[الْإِسْرَاءِ: 71].
فالحذرَ الحذرَ؛ فكأَنْ قد أَفْضَتْ بكم الدنيا إلى الآخرة. وقد بانَ أشراطُها، ولَاحَتْ سَكَرَاتُهَا، ومناقشةُ حسابِها، والعرضُ على كتابِها؛ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[الزَّلْزَلَةِ: 7-8].
اركَبوا سفينةَ نجاتِكم قبل أن تغرَقوا؛ (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آلِ عِمْرَانَ: 103]، وأَنِيبُوا إليه خيرَ الإنابةِ، وأجيبُوا داعيَ اللهِ على بابِ الإجابةِ، قبلَ أن تقولَ نَفْسٌ: (يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ)[الزُّمَرِ: 56]. فَيَقْنَطُوا من الغفلةِ والفترةِ، قبلَ الندامةِ والحسرةِ، وتمنِّي الْكَرَّةِ، والتماسِ الخلاصِ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ.
انظُروا -يا عبادَ اللهِ- إلى الإمام العالِم، الباكي الصائم الظامئ، يزيدَ بنِ أبانَ الرقاشيِّ -رحمه الله-؛ قيل له يومًا: ما يبكيكَ يا إمامُ؟ قال: "أبكي -واللهِ- على ما يفوتُنِي من قيامِ الليلِ وصيامِ النهارِ". وكان يقول: "مَنْ يصلِّي لكَ يا يزيدُ ومَنْ يصومُ؟ ومَنْ يتقرَّبُ لكَ إلى اللهِ بالأعمالِ بعدَكَ؟ ومَنْ يتوبُ إليه مِنَ الذنوبِ؟، وَيْحَكُمْ يَا إِخْوَتَاهُ! لَا تَغْتَرُّوا بِشَبَابِكُمْ وَطُولِ أَعْمَارِكُمْ! يَا إِخْوَتَاهُ! الْمُبَادَرَةَ إِلَى التَّوْبَةِ، يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ!".
وكان من كلمات هذا الإمام: "إِنَّ الْمُتَجَوِّعِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ".
فيا أيُّها المسلمُ: استجلِبْ حلاوةَ الزُّهدِ بقِصَرِ الأملِ، واقطَعْ أسبابَ الطَّمَعِ بصحَّةِ اليأسِ، وتعرَّضْ لرقَّةِ القلبِ بمجالَسةِ أهلِ الذكرِ، واستجلِبْ نورَ القلبِ بدوامِ الحذرِ، واستفتِح بابَ الحُزن بطول الفِكْر، وتزيَّنْ لله بالصدقِ في جميعِ الأحوالِ، وتحبَّبْ إليه بتعجيلِ الامْتِثَالِ، وإياكَ والتسويفَ؛ فإنَّه يَغرَق فيه الْهَلْكَى. وإياكَ والغفلةَ؛ فإنَّ فيها سَوَادَ القلبِ. وإياكَ والتوانيَ فيما لا عُذرَ فيه؛ فإنَّه ملجأُ النادمينَ. واسترجِعْ سالِفَ الذنوبِ بشدَّةِ الندمِ وكَثْرَةِ الاستغفارِ. واستجلِبْ زيادةَ النعمِ بعظيمِ الشكرِ.
ولا تُفتِّشْ عن مَسَاوِئِ الناسِ ورداءَةِ أخلاقِهم؛ ولكن فَتِّشْ وابْحَثْ عن أخلاقِ الإسلامِ؛ ما حالُكَ فيه؟ حتَّى تسلمَ منه ويعظُمَ قدرُه في نفسِكَ وعندِكَ.
عبادَ اللهِ: الهمومُ كثيرةٌ؛ فداوُوا مرضاكم بالصدقَةِ، وحصِّنوا أموالَكم بالزكاةِ؛ فإنَّها تَدفَعُ عنكم الأعراضَ والأمراضَ. وحافِظوا على مُقدَّساتِكم وعباداتِكم وأنفسِكم. وصَفُّوا أنفسَكم من الحقدِ والغلِّ والحسدِ والكذبِ.
قال أحدُ العلماء: "لَأَنْ أَتْرُكَ حَجَّةً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ كِذْبَةً وَاحِدَةً".
فارحموا أنفسَكم -يا عبادَ اللهِ-، وإذا نزلَ بكم الكربُ أو الجهدُ أو اللَّأْوَاءُ؛ فقولوا دائمًا: "لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له"، قولوا: "اللهمَّ آمِنَّا في أوطاننا، اللهمَّ آمِنْ روعاتنا، واستُرْ عوراتِنا"؛ فقد وردَ عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنه لم يبقَ من الدنيا إلا بلاءٌ وفتنة"، أعاذَنا اللهُ وإيَّاكم مِنَ الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطَن.
اللهمَّ إنَّا نسألُك فَهْمَ النبيينَ، وحفظَ المرسَلينَ، وإلهامَ الملائكة المُقرَّبين، اللهمَّ أَغْنِنا بالعلمِ، وزيِّنَّا بالحِلْم، وأكرِمنا بالتقوى، وجَمِّلنا بالعافية.
اللهمَّ إنَّا نسألُك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبَّلًا؛ وتوبةً نصوحًا، ولسانًا صادقًا، وقلبًا سليمًا، وسعادةً في الدارينِ لا نشقَى بعدَها أبدًا، وأن تَختمَ لنا منكَ بخيرٍ في عافيةٍ؛ بلا مِحنةٍ ولا أذيَّةٍ، وأنتَ راضٍ عَنَّا يا كريمُ.
عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]، فاذكروا اللهَ الجليلَ يذكركم، واشكرُوه على نِعَمِهِ يزِدكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلم ما تصنعون.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم