اغتنام رمضان خير وإحسان

عبدالله الجهني

2026-02-20 - 1447/09/03 2026-02-21 - 1447/09/04
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/الحث على حسن استقبال رمضان 2/وصف حياة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في رمضان 3/الوصية باغتنام رمضان

اقتباس

إذا عَلِمَ المسلمُ أن الصيامَ سببٌ للتقوى حرصَ على صيانة صومه من المؤثِّرات الحسِّيَّة والمعنويَّة، وحريٌّ بالمسلم أن يصومَ دهرَه كلَّه عن محارِم اللهِ ومساخِطِه، وعن معاصِيه، وعن كل ما يجرحُ إيمانَه، فأولئكَ لهم الدرجاتُ العُلَى وهم في الغُرُفات آمنونَ، جعلَ الله وإيَّاكم منهم...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ الذي منَّ على عبادِه بمواسمِ الخيراتِ التي تتكرَّر عليهم كلَّ عامٍ، وفضَّل أيامَه وأوقاتَه على سائرِ الأيامِ، أنزَل فيه القرآنَ على سيد الأنام، وأرسَل سحائبَ الإحسانِ للعُمَّال فنعمَ أجرُ العاملينَ؛ ليغفرَ لهم بذلك الذنوبَ ويُكفِّرَ عنهم الآثامَ، وليضاعِفَ لهم الثوابَ والدرجاتِ في دارِ السلامِ، أحمدُه وأشكرُه على نعمةِ الإيمانِ والإسلامِ، وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، واسعُ العطايا وجزيلُ الهِبات على الدوام، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه أفضلُ الرسل الكرام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَنْ تبعَهم بإحسانٍ وسلَّم تسليمًا.

 

أما بعدُ، فيا أيها الناسُ: اتقوا ربَّكم واعبدوه، واشكُروه على ما أنعمَ به عليكم واحمدوه، واعلموا أنَّه نزلَ بساحتِكم شهرٌ كريمٌ وموسمٌ عظيمٌ، مضَى منه يومان وأخذَتْ أيامُه في التتابُع، وسينتهي قريبًا، يمرُّ سريعًا كما سبقَ في الأعوام الماضية، خفيفَ الظلِّ كثيرَ الخيرِ، خصَّه الله -تعالى- على سائر الشهور بالتشريف والتكريم، وفرَض صيامَه على المؤمنين، فما مرَّ على المؤمنين شهرٌ خيرٌ منه، وما مرَّ على المنافقينَ شهرٌ شرٌّ عليهم منه، فهو غُنْمٌ للمؤمنِ، وشاهدٌ له، وحسرةٌ على المنافِق وشاهدٌ عليه.

 

عبادَ اللهِ: كانتْ حياةُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم- وأصحابه -رضوانُ الله عليهم- أجمعين- في رمضان حياةَ دعوةٍ إلى الله، وتنظيمٍ لشؤون الحياة، وإصلاح البشر، وإسعاد الأمة وإنقاذِها مِنَ النار، ودعوتِهم إلى طريق النجاة؛ تهجُّدٌ بالليل وعملٌ بالنهار، فلم تكن حياتُهم نومًا وكسلًا وخمولًا، ولا سهرًا على ما لا فائدةَ منه، واعلموا -رعاكم الله- أن الصيامَ إنما شُرِعَ ليتحلَّى المؤمنُ بالتقوى، وهي من قواعدِ الإيمانِ، ومن متطلَّبات المؤمنينَ، ومن موجِباتِ القَبولِ؛ (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)[المَائِدَةِ:٢٧].

 

وعلى المسلم أن يمنعَ جوارِحَه من محارِم الله، فيتركَ كلَّ فعلٍ محرَّمٍ من الظلم والغش والخداع ومَنْع الحقوق، والنظر والاستماع إلى المحرَّمات، ويتركَ كلَّ قولٍ محرَّمٍ من الكذب والغيبة والنميمة والسبِّ والشتم، وإن سابَّه أحدٌ أو شتمَه فليقل: إني صائم، ولا يرُدَّ عليه بالمثل، فلا تجعَلْ -أيها الصائمُ- يومَ صومِكَ ويوم فطرِكَ سواءً، قال -عليه الصلاة والسلام-: "مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابَه"(أخرجه أبو داود في سُنَنِه).

 

فإذا عَلِمَ المسلمُ أن الصيامَ سببٌ للتقوى حرصَ على صيانة صومه من المؤثِّرات الحسِّيَّة والمعنويَّة، وحريٌّ بالمسلم أن يصومَ دهرَه كلَّه عن محارِم اللهِ ومساخِطِه، وعن معاصِيه، وعن كل ما يجرحُ إيمانَه، فأولئكَ لهم الدرجاتُ العُلَى وهم في الغُرُفات آمنونَ، جعلَ الله وإيَّاكم منهم.

 

فاشكُروا نعمةَ الله عليكم -عبادَ اللهِ- وأكرِموا ضيافته، واحترِموا أيامَه ولياليَه، وأروا اللهَ فيه ما يرضى به عنكم، واغتنِموه -رعاكم الله-، واجتهِدوا بالعبادةِ وكثرةِ الصلاةِ وقراءةِ القرآنِ والصدقةِ والذِّكْرِ والعفوِ عن الناس والإحسان، والكلمة الطيبة، والمعروف المبذول، وأزِيلوا العداوةَ والبغضاءَ والشحناءَ بينَكم؛ فإنَّها أيامٌ معدوداتٌ، وخذوا من صحتكم لمرضكم، ومن غناكم لفقركم، ومن شبابكم لهرمكم، ومن حياتكم لموتكم.

 

وتعرَّضوا لنفحات الله، وتعرَّضوا لنفحاتِ اللهِ، وقِفوا عندَ بابِه؛ فإنَّه جوادٌ كريمٌ، وتضرَّعوا إليه فإنَّه رؤوفٌ رحيمٌ، والتمِسوا طرقَ النجاةِ، وخذوا بأسبابِ السلامةِ، واسألوا اللهَ التوفيقَ والإعانةَ، اللهمَّ وفِّقنا وأعِنَّا على صيام رمضان وقيامه وحفظ حدوده وتقبَّلْه منا، واجعلنا من عتقائكَ من النار، واسلُكْ بنا طريقَ الأبرارِ، واغفِرْ لنا ولجميع المسلمين إنكَ أنتَ التوابُ الغفورُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ الكريمِ المنَّانِ، واسعِ الفضلِ والإحسانِ، وأشهد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، هو الرحمنُ الرحيمُ، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفوتُه مِنْ خَلْقِه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

أما بعدُ: فاتقوا اللهَ -تعالى- واعلموا أنَّه يجب على المسلم أن يُخلِصَ النيَّةَ لله -تعالى-، ويحتسبَ الأجرَ على الله، ويعلمَ أن للصوم آدابًا يجب اتباعُها، وله مفطراتٌ يجب اجتنابُها، وقد رغَّب رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم- في تعجيل الفطر وتأخير السحور، قال -صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا كثيرًا-: "لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر"(رواه مسلم).

 

فاتقوا الله -أيها المسلمون- وجِدُّوا واجتهِدوا في هذا الموسم الكبير، فلا يدري أحدٌ منا هل يدرِكه في العام القادم أم لا، وما هي إلا أيامٌ معدوداتٌ، فلا يُحرَمُ فضلَها وذُخرَها إلا محروم، فأين المسارِعون والمتسابِقون فيها إلى الأعمالِ الصالحةِ واغتنامِها، فاستنشِقوا -وفَّقَكم الله- نفحاتِ الخير وتنسَّموها، وتعرَّضوا لنفحات رحمة الله كلما ألمَّتْ واغتنِموها؛ فإنَّها أيامٌ غزيرٌ فضلُها، عزيزٌ في الرغائب مثلُها، فالدعوات فيها مقبولة، والرغائب فيها مبذولة.

 

عبادَ اللهِ: أكثِروا من الصلاة والسلام على ملاذ الورى في الموقف العظيم يومَ القيامةِ، نبيِّنا وشفيعِنا محمدٍ -صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم تسليمًا-، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدينَ، وعن سائر الصحب أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهمَّ انفعنا بمحبتهم واحشرنا يا الله في زُمرتهم، ولا تُخالِف بنا عن سُنَّتهم وطريقتهم يا أكرم الأكرمين.

 

اللهمَّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأعلِ بفضلك كلمة الحق والدين، اللهمَّ أيِّد بالحق والتوفيق والتسديد إمامنا ووليَّ أمرنا، ووفِّقه لما تحبُّ وترضى، وخُذْ بناصيته للبرِّ والتقوى، وارزُقه البطانة الصالحة، وأعِزَّ به دينَكَ، وأعلِ به كلمتَكَ، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمينَ، واجمَعْ به كلمةَ المسلمينَ على الحق والهدى يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ وفِّقْهُ ووليَّ عهدِه وإخوانَه وأعوانَه للحق والهدى، وكلِّ ما فيه صلاحُ العباد والبلاد، اللهمَّ وفِّق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيِّكَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا ربَّ العالمينَ، وأسبِغ اللهمَّ سترَكَ على بلادنا وعلى جميع بلاد المسلمين.

 

اللهمَّ إنَّا نعوذ برضاكَ من سخطك، وبمعافاتكَ من عقوبتكَ، وبكَ منكَ لا نُحصي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسك، اللهمَّ لا تعاقبنا بسيئات أعمالنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واكفنا كل أمر يهمنا.

 

اللهمَّ أنجِ المستضعَفينَ من المسلمينَ في فلسطينَ، وكُن لهم مؤيدًا ونصيرًا ومعينًا وظهيرًا.

 

اللهمَّ إنَّا نستغفرك إنك كنت غفَّارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا، اللهمَّ إنَّا خلقٌ من خلقِك فلا تمنع عنَّا بذنوبنا فضلكَ؛ (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[البَقَرَةِ:١٢٧-١٢٨]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ:180-182].

 

 

المرفقات

اغتنام رمضان خير وإحسان.doc

اغتنام رمضان خير وإحسان.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات