عناصر الخطبة
1/أهمية الأمانة ودليل عظمتها 2/أمانة العمل والوظيفة 3/وصايا ونصائح مهمة للموظفين 4/البدن والأعضاء أمانة 5/من أعظم الأمانات 6/تعدُّد صور الأمانة في المجتمعاقتباس
أيها الموظف: عامِل الناس بما تحب أن يعاملوك به، وراقِب الله في القيام بالعمل، واعلم أنك مأجور متى ما اجتهدت، فأنت تخدم المسلمين، وتنفع نفسك؛ فهنيئاً لمن أحسن نيته، واجتهد في عمله، ويسَّر على المسلمين وأعان المحتاجين...
الخطبة الأولى:
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، تبارك ربنا الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس لفضله منتهى ولا لإحسانه مُدد.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من أطاع ربه وعبد، الرسول المجتبى والنبي المصطفى، لا عز إلا باتباع سُنته، ولا كرامة إلا لمن صدَّق به وبنبوته شهد.
يا من لشربة حوضه نشتاق *** وبمدحه تتعطر الأوراق
صلى عليك الله حتى تنتهي *** أرواق نجم في السما برّاق
اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله -أيها المؤمنون-، فتقوى الله هي السلاح في وقت الأزمات، والنجاة عند الكربات والربح يوم أن يلقى العبد رب البريات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة: 119].
عباد الله: إن أهل الكمالات يسعون إلى التحلي بكل خُلق شريف، والتخلي عن كل طبعٍ قبيح، ولا يزال المرء يرتقي في سُلَّمِ تزكية النفس، بالأخلاق وكريم السجايا حتى تصبح له طبعاً لا يقدر أن يتركه، ولا يكلّفه التحلي به.
وحديث اليوم متمم لحديث جمعتين مضتا، فبعد التعريج على أمانة الأبناء، والمرور على أمانة الدين، بقي القول: إن ثمة أماناتٍ أخرى لدينا، وما الإطالة في أمر الأمانة إلا لأنها عنوان الصلاح، وميزان الاستقامة، ودليل الديانة، ولأنها إذا لم تُرعَ انقلبت إلى خزيٍ وندامة.
أيها المسلمون: حينما فتح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة دعا عثمان بن طلحة ليفتح لهم الكعبة، إذ كان هو سادنها، ففتحها، ليدخل فيها رسول الله، وبينما هم داخل الكعبة، قال العباس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أعطنا المفتاح نجمع السدانة مع السقاية، فنزل قوله -تعالى- (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)[النساء: 58]؛ فدعا عثمانَ وأعطاه المفتاح، وكان هذا الموقف سبباً لإسلام عثمان، وذاك حدثٌ يدل على عظم الأمانة أن ينزل الأمر بها على رسول الله وهو في جوف الكعبة، ولم تنزل آيةٌ غيرُها في ذلك المكان.
يا مؤمنون: مِن أجل أن تنتظم أمور الناس، وتتحقق مصالحهم، وينتشرَ العدلُ فيما بينهم، ويحصُلَ الرضى من جميعهم، فلا بد من التحلي بالأمانة من جميع شرائح المجتمع.
فالمرءُ حين يتولى العمل في وظيفةٍ، أيّ وظيفة، فإنه تصدَّى لباب عظيم يتطلب الأمانة، إنه حينها يقوم بها نيابة عن الأمة والمجتمع بأسره، ويوم أن يُخِلَّ بأمانةٍ، فإنّ خصمه ليس واحداً، ولا اثنين، بل خصماؤه الأمةُ كلها عند الله يوم القيامة، فهل استشعرت أيها الموظف ثِقَل الأمانة التي ألقيت على عاتقك.
دخل الشيخ البغدادي الحنبلي على أحد الوزراء، فوعظه قائلاً له: "يا صدر الإسلام، إن آحاد الرعية من العامة مخيّرون في القاصد والوافد، فإن شاءوا وصلوا أو قطعوا، أما مَن توشّح بولاية فليس مخيراً في القاصد والوافد؛ لأن مَن هو على الخليفة أمير، فهو في الحقيقة أجير، قد باع زمنه، وأخد ثمنه، فلم يبقَ له من نهاره ما يتصرف منه على اختياره، ولا له أن يصلي نفلاً ولا يدخل معتكفاً، لأن ذلك فضل وهذا فرض لازم"(الذيل على طبقات الحنابلة).
إنها كلماتٌ تبين لكل موظف أن وقته في الدوام الذي يأخذ عليه مقابلاً مالياً، ليس في الحقيقة له، بل الوقت مِلك للعمل الذي استُؤْجِر واؤتمن عليه.
إن الأمانة -أيها الموظف- تقتضي أن يُعامل الناس سواء، ولا يفاضل بينهم في إنهاء معاملاتهم لأجل معرفة أو قرابة.
والأمانة تقتضي أن تُستخدم المنافع التي وُضِعَتْ لمصلحة العمل، من سيارات وهواتف وآلات، في مصلحة العمل لا في مصلحتك الخاصة، لا سيما وأن هذه المصالح إنما وُضِعَتْ من بيت المال الذي يشترك الناس في الحق فيه، فاستخدامها في غيره إخلال بالأمانة، إلا إن أذن صاحب الاختصاص.
وفي الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطاً فما فوقه، كان غلولاً يأتي به يوم القيامة"؛ هذا في المخيط يأخذه فما الظنُّ بما هو أكبر؟ والله المستعان.
أيها الموظف: عامِل الناس بما تحب أن يعاملوك به، وراقِب الله في القيام بالعمل، واعلم أنك مأجور متى ما اجتهدت، فأنت تخدم المسلمين، وتنفع نفسك؛ فهنيئاً لمن أحسن نيته، واجتهد في عمله، ويسَّر على المسلمين وأعان المحتاجين.
إنَّ المناصبَ لا تدومُ لواحدٍ *** إن كنت تجهلُ ذا فأين الأولُ
فاغرس من الفعل الجميل فضائلاً *** فإذا عُزِلْتَ فإنها لا تُعزلُ
يا أيها الموظف: ضع نُصْب العين كل يوم، وأنت تتوجه لعملك أن ما تأخذه من راتب هو مقابل عمل تؤديه، فإن أتيت به على الوجه المطلوب أكلت حلالاً ورُزِقْت بركته، وإن خنت الأمانة وضيَّعت المهمة، ولم تؤدِّ ما لأجله أُتِي بك في هذا المكان، فخَفْ على نفسك.
عبد الله: والبدن والأعضاء أمانة، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)[الإسراء: 36].
اللِّسانُ أمانة؛ فلا تستعمله في كذب ولا محرم ولا فحش.
العين أمانة؛ فلا تنظر بها إلى محرم.
والأذن لا تصغي بها إلى سماع محرم، وكذا سائر الأعضاء.
نفسُك أمانة فاختر لها الأنفع والأصلح في الدين والدنيا، واجتهد في مخالفة شهواتها وإراداتها.
الرجل يحدثك بحديثٍ ويستأمنك عليه أمانة، فلا تخن أمانته، ولا تكشف ستره، وفي الحديث «إذا حدّث الرّجل الحديث ثمّ التفت فهي أمانة»(حسنه الترمذي).
مَن استشارك فقد ائتمنك، وفي الحديث عند الترمذي «المستشار مؤتمن»؛ فاحذر أن تخونه في الرأي والمشورة.
طهارتك، صلاتك، عباداتك أمانة، فراقب فيها ربك، وأدِّها على النهج، وقد قال أبو الدرداء حين سُئِل عن الأمانة ما هي؟ قال: غسل الجنابة.
عباد الله: ومن أعظم الأمانات ما يدور بين الأزواج والزوجات، وإفشاء ذلك من كبرى الخيانات، وفي الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة: الرّجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثمّ ينشر سرّها».
اللهم أعنا على أداء الأمانة...
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده....
أيها المسلمون: صور الأمانة في مجتمعنا متعددة، فإمام المسجد ومؤذنه مؤتمنان على عملهما، وفي الحديث "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن"، والأمانة تكون بالحضور، أو بإنابة من يقوم بذلك، وبالتوجيه والتذكير.
أيها المعلم: والتعليم أمانةٌ خطيرة وتبعهٌ ثقيلة، ذلك لأن الناس سلّموك أفلاذ أكبادهم، ورجالَ الغد فتحوا لك أسماعهم، ولم يبقَ إلا دورك، فهل حفظت الأمانة فيهم، والظنُّ بك والمؤمَّل أن تسعى لإخراج أبناءٍ يخدمون أمتهم، وتربية جيلٍ يَسعد بهم مجتمعهم، ولن يتحقق ذلك لنا، إلا إذا رعينا الأمانة، واستشعرنا أهمية المهنة، مدراء ومدرسين.
أما أنتم أيها التجار: فبارك الله لكم فيما رزقكم، أذكركم أن التجارة والمال أمانةٌ استودعكم الله إياها، فماذا أنتم صانعون؟ وتكمن أهمية مَهمتكم في أنكم يتعامل معكم المجتمع بجميع أفراده.
أيها التاجر: وليس من الأمانة أن يغشّ المرء في بيعه، أو أن يبيع ما حَرُمَ وما أعان على الحرام نظراً للربح دون الحكم.
وما هو بأمين مَن يتعامل بالربا، أو يُخفي عيوب سلعته! ويكذب في بيعه! وفي الصحيح قال –صلى الله عليه وسلم-: "البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما".
عباد الله: وكل ذي موقع أو صفحة في أي موقع وبرنامج فهو مؤتمن، مؤتمن فيما يكتبه، وفيما يقوله ويفعله، فراقبوا الله في ذلك، وكم من كاتبٍ أنار الله بكتابته ظلاماً، ونفع به أقواماً، ونصر به حقاً، وكم من كاتب ما جنى الناسُ من كتابته أو مما ينشره في محتواه إلا فساد الفكر والترويج للمنكر، فقبل أن تخط بقلمك مقالاً، لكتاب تؤلّفه، أو لصفحة من صفحات التواصل، سل نفسك، هل هذا مما ينفع الأمة ويساهم في تصحيح مسيرتها، أو مما يضرها، وتذكر:
وَمَا من كَاتب إِلَّا سيبلى *** وَيُبقي الدَّهْرُ مَا كتبت يَدَاهُ
فَلَا تكْتب بكفك غير شَيْء *** يَسُرك فِي الْقِيَامَة أَن ترَاهُ
وبعد: وبعد هذا التطواف في صور من الأمانة، لتعلم يا مُوفّق أن الأيام تمضي والملائكة تكتب، والربَ -سبحانه- يسمع ويرى، وهو عالم السرّ والنجوى، فراقب الله في أماناتك، واعلم أن رقابة الخلائق قاصرة، والله -سبحانه- لا تخفى عليه خافية، والمؤمن حقاً مَن أَمِنه النّاس على أمورهم، ولن تنهض أمة، وتنكشف غُمة إلا إذا استشعر الجميع من أبنائها الأمانة، وتحلوا بالصدق والديانة.
اللهم وفّقنا لما تحب وترضى، واعصمنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، اللهم إنا نستودعك ديننا وأمانتنا.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم