التوبة إلى الله والاستعداد لرمضان

الشيخ سعد بن عبدالرحمن بن قاسم

2026-01-23 - 1447/08/04 2026-02-12 - 1447/08/24
عناصر الخطبة
1/الدنيا دار للابتلاء والاختبار 2/وجوب المبادرة بالتوبة والإنابة 3/من أفضل صفات المؤمنين 4/خطورة الغفلة.

اقتباس

وما أسوأ حال من يتربص بالناس الغفلات، ولا يبالي بكثير من السيئات، بل يُعين على إفشاء المنكرات ويحرم نفسه فعل الخيرات، ويضيع الصلوات ويتبع الشهوات، فإذا فارق الحياة ارتاح منه الناس، وفرح بموته كثير من المخلوقات، ولا تبكيه الأرض ولا السماوات..

الخطبةُ الأولَى:

 

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، أحمده -سبحانه- على ما أسداه إلينا من عظيم نعمه وجزيل برّه وإحسانه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فهو الملك العظيم الذي قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

 

 أما بعد: أيها المسلمون: فما أحوجنا إلى طاعة الله واتباع مرضاته، وما أشد الخطر علينا حين نسترسل في معصيته ومخالفة أمره، وما أعظم كمال عِلْمه بنا وقدرته علينا، فهو -تعالى- رقيب علينا ومهيمن يعلم سرّنا وجهرنا، وصدقنا في طاعته وكذبنا، ورغبتنا في الخير وكراهتنا للشر وغير ذلك من أحوالنا.

 

 فجعل لنا هذه الدار للابتلاء والاختبار حتى يظهر ويتميز الصادق في طاعته والكاذب، والشاكر لنعمه والكافر بها، والمهتم بها والغافل عنها، قال -تعالى-: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)[الإنسان: ٢ – ٣]، وقال -تعالى-: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[الملك: ٢]؛ وفي الحديث القدسي: "إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".

 

 وذكر -تعالى- عن الكفار بأنهم شر البرية وعن المؤمنين بأنهم خير البرية، فعلى المسلم الذي يريد السلامة لنفسه من النار أن يجدّ ويجتهد في تصحيح أعماله وآدابه، وأن يبذل في ذلك قصارى جهده.

 

 وحين تغلب النفس الأمارة بالسوء، أو الهوى والشيطان فعلى الإنسان أن يبادر بالتوبة إلى الله، وأن لا يعود في فعله السيئ، فقد جعل لنا مولانا الذي هو أرحم الراحمين وأجود الأجودين، فرجًا ومخرجًا من الذنب بالتوبة والرجوع إلى طاعته، فلا قنوط ولا يأس من رحمته ومغفرته، قال -تعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[سورة الزمر:53]، وقال -تعالى-: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)[سورة هود:114]، وقال -تعالى-: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[سورة النور:31].

 

 فالمبادرة المبادرة -يا معشر المسلمين- بالتوبة إلى الله والإنابة إليه، خصوصًا ونحن الآن في ساحة شهر عظيم وموسم كريم، وقبل أن يُغلَق الباب ويُسدَل الحجاب، قبل فوات الأوان وقبل أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله.

 

 فلا شك أن من صفات: المؤمنين الإنابة إليه -تعالى- والذل بين يديه والخوف من عقابه والرغبة في ثوابه، وإن وقعت منهم زلة أو خطيئة أو ظلم للنفس بادروا إلى مولاهم بالإقلاع من الذنب والتوبة إليه، والندم على ما وقع ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون.

 

 ومن صفات المؤمنين: التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وأن بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتعاونون على البر والتقوى، ولا يتعاونون على الإثم والعدوان، يرجون رحمته -تعالى- ويخافون عذابه، فما أعظمها من سجايا وأخلاق! وما أحسنه من منهج وسلوك!

 

 وما أسوأ حال من يتربص بالناس الغفلات، ولا يبالي بكثير من السيئات، بل يُعين على إفشاء المنكرات ويحرم نفسه فعل الخيرات، ويضيع الصلوات ويتبع الشهوات، فإذا فارق الحياة ارتاح منه الناس، وفرح بموته كثير من المخلوقات، ولا تبكيه الأرض ولا السماوات بل تكرهه حتى في الحياة، وذلك لاقترافه كثيرًا من السيئات وغفلته عن كثير من الحسنات.

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ * الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)[سورة فاطر: 5- 8]، بارك الله...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله مُعِزّ مَن أطاعه واتقاه ومُذِلّ مَن خالف أمره وعصاه، أحمده -تعالى- وأشكره وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وهادي من توجه إليه ولاذ بحماه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير من اتقاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله حق تقواه، واستقبلوا الشهر المبارك بما يحبه الله ويرضاه، فصوموا في البلاد الإسلامية، واحذروا من بلاد الكفر والشرك، وحاسبوا أنفسكم على أعمالكم وأقوالكم، فكم من صلاة جماعة قد ضُيِّعت! وكم من غيبة وقعت، وكم من مشاركة في معصية بسبب الرضى قد سُجِّلت، كأغاني وموسيقى سُمِعَت، وخلاعة بثّ التُقِطَت ونُظِرَت!

 

 وكم من أمور ودواهي تمر بنا والنفس قد غفلت! ألا نذكر من مات، ممن عرفناه قريبًا كان معنا، فلاقت نفسه ما قدَّمت وأخرت، فهل اتعظت أنفسنا بذلك واعتبرت؟!

 

فيا أيها الإنسان: ما غرك بربك الكريم؟ ويا أيها المجاهر بمعصيته ألم تعلم بأن الناس عليك شهود، ويا أيها المخفي ألم تعلم بأن الله يرى، ويا أيها المتبع الهوى ألم تعلم بأن الجحيم لمن طغى وآثر الحياة الدنيا، وأن الجنة لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، ويا أيها المريد لنفسه أن تتوب وتنيب، عليك باللوم لها والتأديب مع الاستنجاد بالكريم المجيب.

 

 اللهم ارزقنا الإيمان الحق بالبعث والجزاء، ووفِّقنا للتوبة النصوح من جميع الذنوب، وبارك لنا في الأعمال الصالحة، واجعلنا ممن يلقاك وأنت راضٍ عنه، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم بَلِّغنا رمضان وارزقنا فيه الجد والاجتهاد، والقبول والغفران يا أرحم الراحمين.

 

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

التوبة إلى الله والاستعداد لرمضان.doc

التوبة إلى الله والاستعداد لرمضان.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات