عناصر الخطبة
1/التعريف بالظلم 2/سقوط الظالم 3/خطورة ظلم العباد 4/دعوة للتحلل ورد المظالم.اقتباس
إذا كان هذا السقوطُ والهوانُ يُحيطُ بالظالمِ في الدنيا؛ فكيف بذلِّ الآخرةِ وحسابِها، وكيف به وهو يرى صفوفَ المظلومين، وازدحامَهم يطالبون بالقصاص من ظالميهم؛ فيا للهِ العظيم ما أرهبَه من موقفٍ لمن...
الخطبة الأولى:
الحَمْدُ للهِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ما تَعَاقَبَ المَلَوَانِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَى الإنسِ والجانِّ، -صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ-، أَمَّا بَعْدُ:
فاتقُوا اللهَ -رحمَكُمُ اللهُ-، وأقلُّوا الركونَ إلى الدنيا؛ فإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُودًا لَا يَقْطَعُهَا إِلَّا كُلُّ مُخِفٍّ.
عبادَ اللهِ: إن العدلَ نظامُ كلِّ شيءٍ؛ فالعدلُ دِعامةُ بقاءِ الأممِ، وباسطُ ظِلالِ الأمنِ، وبالعدلِ قامتِ السماواتُ والأرضُ، وأُرسلَتِ الرسلُ؛ (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[الحديد:25].
وأما الظلمُ وما أدراكَ ما الظلمُ؛ فهو مرضٌ ينتشرُ بسوقِ المفسدينَ؛ وفي أجواءِ الظلمِ توضعُ الأمورُ في غيرِ مواضعِها؛ فيمجَّدُ الوضيعُ، ويوسَّدُ الأمرُ إلى غيرِ أهلِهِ، وما استساغَ أحدٌ الظلمَ إلا لظُلمَةٍ في قلبهِ، ودَخَلٍ في طويَّتِهِ.
ومهما بلغتْ قوّةُ الظالمين؛ فإنَّ سقوطَهم إذا أرادَ اللهُ -تعالى- سيكونُ بحيثُ لا يُتوقَّعُ، حتى يُسقِطَهم بأهونِ الأسبابِ عليهم؛ (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)[الحشر: 2]؛ فبينما الظالمُ في عزِّه، وسلطانِه، وظلمِه، غيرَ آبهٍ بحقِّ اللهِ، وحقِّ عبادِه، إذ به يسقطُ ويذلُّ، وتضيقُ به أرضُ اللهِ الواسعةُ أن تؤويه.
ثم إذا كان هذا السقوطُ والهوانُ يُحيطُ بالظالمِ في الدنيا؛ فكيف بذلِّ الآخرةِ وحسابِها، وكيف به وهو يرى صفوفَ المظلومين، وازدحامَهم يطالبون بالقصاص من ظالميهم؛ فيا للهِ العظيم! ما أرهبَه من موقفٍ لمن استحضرَه: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ)[الشورى: 45].
أيها المسلمون: كثيرًا ما يكون الإنسانُ غافلًا عن ظلمِ نفسِه؛ فيرى مصارعَ الظالمين؛ فيحمدُ اللهَ -تعالى- أن عافاه مما ابتلاهم به، ولكن فيه ما فيهم من الظلم والطغيان؛ ألا وإن أعظمَ أنواعِ ظلمِ النفس: الشركُ باللهِ -عز وجل- بصرفِ حقِّه -سبحانه- إلى غيره؛ كما قال لقمان في وصيته لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان:13].
ومن يأمنُ على نفسِه الشركَ بعد أبينا إبراهيمَ -عليه السلام- الذي قال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)[إبراهيم: 35-36].
أيها المسلمون: اعلموا أن أعظمَ أنواعِ الظلم بعد الشرك؛ تظالُمُ العباد فيما بينهم؛ وقد روى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن اللهِ -تعالى-، فقال: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا"(رواه مسلم).
أيها الموظف: إياك أن يخدعك الشيطان؛ فتفرِّط بواجبك الوظيفي، أو لا تؤديه إلا إذا كان لك مصلحةٌ خاصة تعود عليك بالنفع، وإلا ماطلت بالعمل، واعلم أن الشيطان يريد أن يفسد عليك دينك، ويضيّع أمانتك، ويحرمك لقمة الحلال؛ فاتقِ اللهَ في دوامك، وعاملِ الناسَ بالسواء، وليكن همُّك قضاءَ حاجة أخيك المسلم، وطلبَ الثواب من الله وحده، وليكن شعارك؛ (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)[الإنسان: 9].
ويا أصحابَ المَتَاجرِ المَبْنِيّةِ، والمَتَاجِرِ الالِكْتُرُونِيّةِ؛ احذَرُوا المُغالاةَ فِي تَحْصِيْلِ الأَرْبَاحِ، واحذرُوا خداعَ الناسِ بعُرُوضِ التخفيضاتِ الوَهْمِيَّةِ؛ فإنّ التُّجارَ إِنْ خَدَعُوا الناسَ؛ أَفَيَخْدَعُونَ مَنْ لا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ؟!
ولْيَعْلَمِ المُتَاجِرُ أَنَّ تَرْوِيجَهُ السِّلَعَ المَعِيْبَةَ، أو تَدْلِيسَهُ لِلمُقَلَّدَةِ لَا يَزِيدُ فِي رِزْقِهِ، بَلْ يَمْحَقُهُ وَيَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ، وَقَدْ يُهْلِكُ اللَّهُ مَا يَجْمَعُهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ كافِينا ومُعطِينا وهادِينا، والصلاةُ والسلامُ على خيرِ الناسِ خُلُقًا ودينًا، أما بعدُ:
عباد الله: لنحذرِ الظلمَ؛ فإنه ظلماتٌ يومَ القيامةِ، ولنحذرْ دعوةَ المظلومِ؛ فإنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ"، وفي روايةٍ: "وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ".
أيُّها المسلمونَ: لابدَّ من التحللِ من المَظالمِ، والتخلصِ من حقوقِ الناسِ قبلَ المماتِ؛ وليبادرْ مَن ظَلَمَ أخاهُ في عِرضٍ أو مالٍ أو نفسٍ أنْ يتحلَّلَهُ قبلَ أن يتورطَ بما حذرَ منهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بقولِهِ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ؛ فَحُمِلَ عَلَيْهِ"(رواهُ البخاريُّ).
فإنْ كانَ لدَى التائبِ مَظلمةٌ ماليةٌ فليرُدَّها على صاحبِها؛ وربما يستحِي مِن ردِّها، خصوصاً إذا كانتْ سرقةً؛ فليرسِلْ له المبلغَ بطريقٍ غيرِ مباشرٍ، أو أن يوسِّطَ أحداً يوصلُهُ؛ فإنْ عَجَزَ فليتصدَّقْ بهِ عنهُ.
فاللهم إنا نعوذُ بكَ من الظلمِ والظالمينَ ودروبِهمُ المظلمةَ.
اللهم أخرِجنا من هذهِ الدنيا ولا أحدَ من خلقِكَ يطلبُنا بمَظلمةٍ.
اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.
اللهم طيِّبْ أقواتَنا، واحفظْ أوقاتَنا، وباركْ أموالَنا، ويسِّرْ أحوالَنا، واحفظْ دِينَنا، واقضِ دَينَنا، واحفظْ علينا جنودَنا وحدودَنا وبلادَنا وأولادَنا.
اللهم لكَ على الحمدُ على نعمةِ التوحيدِ والسنةِ، واضمحلالِ الشركِ والبدعةِ. اللهم ثبِّتنا على ذلكَ إلى يومِ نلقاكَ.
اللهم أيِّدْ بالحقِ إمامَنا ووليَ عهدِه، اللهم ارزقهمْ بطانةَ الصلاحِ والفلاح.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم