الهموم وتفريجها

الشيخ عبدالله البرح

2026-04-03 - 1447/10/15 2026-04-02 - 1447/10/14
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/تعريف الهموم وبيان أنواعها وأسبابها 2/آثار الهموم على الإنسان وأضرارها 3/وسائل تفريج الهموم 4/صور مشرقة من تفريج الهموم.

اقتباس

هم الآخرة لا يُحزن صاحبه حزنًا مقعدًا، بل هو هم يصلحه، ويوقظه، ويعينه على الاستعداد للقاء الله؛ فاجعلوا للآخرة نصيبًا من همومكم؛ فإن من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، وكفاه هموم.. فمن جمع قلبه على الآخرة، وجعل نظره إلى ما عند الله، خفّت عليه هموم...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: ما من قلب إلا وتعتريه هموم، ولا من نفس إلا وتمر بها ضوائق تتقلب فيها بين رجاء وخوف، وسعة وضيق؛ ولذلك جاءت شريعة الإسلام لتدل العباد على طريق السكينة، وتفتح لهم أبواب الفرج، وتربط قلوبهم بربهم عند الشدائد.

 

والمراد بالهموم وحقيقتها: حالة تعتري القلب فتثقله، وتشغل الفكر فتكدّره، وتنشأ غالبًا من انشغال الإنسان بما لم يقع بعد، أو خوفه من فقد محبوب، أو وقوع مكروه، وهي أوسع من الحزن، لأن الحزن متعلق بالماضي، أما الهمّ فغالبًا ما يتجه إلى المستقبل.

 

وتتنوع الهموم -أيها الأحبة-؛ فمنها ما يتعلق بأمور الدنيا الفانية -لا سيما- إذا بلغت الحد المقبول حتى أقعدته عن هموم دينه وآخرته، وسائر الهموم المحمودة؛ وهذا لا شك سبيل الهلاك والتردي بين مرض الغفلة والأشواك؛ يقول الصادق المصدوق في الصحيح المنطوق: "الغفلة من كانت الدُّنيا همَّه، فرَّق اللهُ عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلّا ما كُتِب له"(صححه الألباني)، وعند الإمام مسلم: "ومن تشعّبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يُبالِ الله في أي أوديتها هلك".

 

ومن أنواع الهموم وأعظمها وأصلحها للعبد: هم الآخرة؛ وحسبه أنه يدفع صاحبه إلى الطاعة، ويزجره عن المعصية، ويجعله دائم المحاسبة لنفسه، كما أنه يورثه القناعة والكفاية في أمر دنياه وآخرته؛ كما جاء في الحديث الصحيح: "من جعل الهموم همًّا واحدًا، همّ الآخرة، كفاه الله همّ دنياه"(رواه مسلم)؛ بل إن من جعل همه هم آخرته؛ يكون في حماية الله ورعايته في الدنيا والآخرة؛ فلا يضيع جهده، ولا يضطرب قلبه بالهموم.

 

فمن جمع قلبه على الآخرة، وجعل نظره إلى ما عند الله، خفّت عليه هموم الدنيا، وصغرت في عينه، وكفاه الله ما أهمّه، ويسّر له أمره، أما من جعل الدنيا أكبر همّه، فرّقت الهموم قلبه، وتوزّعت عليه المخاوف؛ فلا يهنأ براحة، ولا يستقر له حال.

 

ولسائل أن يسأل عن أسباب الهموم؟

الجواب: الأسباب كثيرة ومتعددة؛ منها: ما يكون بسبب ضعف اليقين وقلة التوكل، وأصل ذلك كله أن القلب إذا تعلق بغير الله اضطرب، وإذا ابتعد عن ذكره ضاق، مصداقًا؛ لقوله الله -عز وجل-: (وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)[طه: 124].

 

ومن أسبابها -أيضًا-: التوسع في التطلعات، ومقارنة النفس بالآخرين، والفراغ، وتضخيم المشكلات، وصدق الله -سبحانه- إذ قال: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[طه:131]؛ فالتطلع إلى ما في أيدي الناس، ومدّ البصر إلى زخارف الدنيا؛ فإن ذلك يُورث في القلب قلقًا ويشعل نار المقارنة؛ فلا يزال العبد في هم لا ينقطع.

 

ومن أسباب الهموم: الخوف على المستقبل الدنيوي وتوقع زوال النعم، وإثخان الأوهام على عقول وقلوب كثير من الناس -أيضا-؛ فكثير مما نخافه لا يقع، ولكن النفس تُضخّمه حتى تُرهق صاحبها. وصدق الشاعر:

وكم هَمٍّ جرى في النفسِ وهمًا *** فلما جاء لم يُوجد له أثرُ

 

عباد الله: وبعد الحديث عن أسباب الهموم علينا أن نعرف آثارها المدمرة على القلب والبدن والسكينة؛ فمن آثارها:

أنها إذا استقرت في القلب أضعفته، وإذا سيطرت على الفكر أرهقته؛ فهي تسرق من الإنسان سكينته، وتشوش عليه نظره، وتجعله أسيرًا للتوقعات المقلقة، وقد تمتد آثارها إلى الجسد؛ فتورث التعب والإرهاق، وتضعف النشاط، وربما قادت إلى الانعزال وسوء المعاملة.

 

دعِ الهمَّ عنكَ ما استطعتَ فإنَّهُ *** إذا حلَّ لم يتركْ فؤادًا ولا لُبّا

 

ومن أخطر آثارها: أنها تُنسي العبد نعم الله، وتضعف ثقته بربه؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر من الاستعاذة منها؛ فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن..."(رواه البخاري)؛ وفي هذا إشارة إلى أن الهم إذا تُرك بلا علاج تحوّل إلى عبء يثقل الحياة.

 

ومن آثارها كذلك: تعطيل الطاقات؛ فكم من إنسان كان قادرًا على العمل؛ فأقعده الهم، وكم من فرصة ضاعت بسبب الانشغال بالخوف؛ وفي معنى ذلك يقول الشاعر:

دعِ الهمَّ ما استطعتَ فإنَّهُ *** إذا حلَّ لم يتركْ فؤادًا ولا لبّا

 

فالهم -أيها الإخوة- ضيف ثقيل إن لم يُدفع في بدايته استقر وأفسد، وما أجمل ما قاله ذلك الحكيم:

إذا طالَ همُّ المرءِ أفسد عيشَهُ *** ولم يَبقَ من لذّاتِه غيرُ طيفِ

 

أيها المؤمنون: عرفتم حقيقة الهموم وأنواعها وأسبابها وآثارها الفاتكة في الأرواح والأبدان؛ لكن هذه لا يكفي؛ فلابد من معرفة سبل العلاج ووسائل تفريج الهم حتى نحيا بسلام وننشغل بما يسعدنا يوم الزحام؛ وأولها: صدق اللجوء إلى الله؛ فالقلب إذا اتصل بربه سكن، وإذا فوّض أمره إليه اطمأن، قال الله -عز وجل-: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[التالين: 3].

 

إذا ضاقَ صدرُ المرءِ من همِّ حادثٍ *** ففي اللهِ للشكوى ملاذٌ ومفزعُ

وما الهمُّ إلا غيمةٌ عابرةٌ *** سرعانَ ما تنقشعُ إن تُدفعُ

 

وثانيها: دوام الذكر والدعاء؛ فالذكر حياة للقلوب، ومفتاح للسكينة، قال الله -عز وجل-: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرعد: 28]، وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو عند الكرب، مما يدل على أن الدعاء باب عظيم لتفريج الهم.

وروي أن رجلًا أثقلته الديون وضاقت به السبل حتى أصبح لا ينام من شدة التفكير؛ فجاء إلى أحد الصالحين يشكو حاله، فقال له: "هل جرّبت أن تُكثر من قول: "حسبي الله ونعم الوكيل؟" فأخذ بها أيامًا وهو موقن، يرددها بقلب حاضر، ولم تمض مدة حتى يسّر الله له من يقضي دينه، وفتح له باب رزق لم يحتسبه؛ فلما عاد إلى ذلك الصالح، قال له: "والله ما تغيّر شيء في الأسباب، ولكن تغيّر قلبي؛ فجاء الفرج"، وهكذا الفرج يبدأ من الداخل قبل الخارج.

 

وثالثها: الصبر وحسن الظن بالله؛ فالمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الفرج قريب، قال الله -عز وجل-: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)[الشرح: 6].

 

ورابعها: الانشغال بما ينفع؛ فالعمل الصالح والسعي في مصالح الحياة يقطع على النفس استرسالها مع الهموم.

 

وخامسها: الإحسان إلى الآخرين؛ فإن تفريج كرب الناس سبب لتفريج الكرب عن العبد، وقد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة"(رواه مسلم)؛ فبالإحسان للخلق تفتح أبواب الفرج لكل مهموم، وتخف الهموم عن القلوب؛ كما ينجلي الغيم بعد العسر.

 

أيها المسلمون: تلكم -بعضا- من وسائل طرد الهموم وعلاجها بإذن الله؛ فينبغي على المسلم ألا يُفْرِطَ في الهموم -لا سيما- المذموم منها، وأن يحسن الظن بربه ويتوكل عليه، ويثق بوعوده بما يصلح حال الدنيا والآخرة، وأن يعمل بالأسباب الشرعية؛ فإنه إن فعل ذلك عاش في هناء وذهب عنه كل عناء بإذن رب الأرض والسماء.

 

وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى *** ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ

ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها *** فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

 

عباد الله: إن المتأمل في سنن الله يرى أن الفرج مقرون بالكرب، وأن الشدة يعقبها التيسير؛ فهذا نبي الله يوسف -عليه السلام-، انتقل من ضيق الجب إلى سعة الملك بعد صبر طويل؛ ليكون شاهدًا على أن العاقبة للصابرين، وهذه أم موسى -عليها السلام-، بلغ بها الخوف مبلغًا عظيمًا؛ فرد الله إليها ولدها؛ ليعلم الناس أن الفرج قد يأتي من حيث لا يُتوقع.

 

وفي سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، حين اشتد عليه الأذى، جاءه الفرج والنصر، وقال لأصحابه موقنًا: "واعلم أن الفرج مع الكرب"(رواه البخاري).

 

وفي واقع الناس شواهد كثيرة؛ كم من مهموم ضاقت به السبل، فلما أحسن ظنه بربه وصدق في رجائه، تبدلت حاله وانشرح صدره.

 

عباد الله: إن الهموم ليست نهاية المطاف، بل هي مرحلة عابرة، يمتحن الله بها القلوب، ويرفع بها الدرجات، ويُظهر بها صدق الإيمان؛ فأحسنوا الظن بربكم، وعلّقوا قلوبكم به، وخذوا بالأسباب، واعلموا أن مع العسر يسرًا، وأن بعد الليل فجرًا.

 

اللهم فرّج هم المهمومين، ونفّس كرب المكروبين، واجعل لنا من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، إنك على كل شيء قدير.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل أعداءك أعداء الدين.

 

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة.

 

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، واجمع على الحق كلمتهم.

 

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا ووالدينا عذاب القبر والنار.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى البشير النذير والسراج المنير؛ حيث أمركم بذلك العليم الخبير؛ فقال الله -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

الهموم وتفريجها.pdf

الهموم وتفريجها.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
03-04-2026

‏لاتحبس حديثاً جميلاً في صدرك لاتقفل على كلمة صالحة مهما بدت صغيرة لن تتخيل كيف تضيء وتؤثر كلماتك في أحدهم وترحل أنت وتظل هي معه .

عضو نشط
زائر
03-04-2026

قلتُ يا رسولَ اللهِ ! إني أُكثِرُ الصلاةَ عليك،فكم أجعلُ لك من صلاتي ؟ فقال : ما شئتَ، قلت :الربعَ ؟ قال :ما شئتَ،فإن زدتَ فهو خيرٌ لك،قلتُ : النصفَ ؟ !قال : ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خيرٌ لك، قلت : فالثُّلُثَيْنِ ؟ قال : ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خيرٌ لك، قلتُ : أجعلُ لك صلاتي كلَّها ؟ ! قال : إذًا تُكْفَى همَّك، ويُكَفَّرُ لك ذنبَك الراوي: أبي بن كعب المحدث: الألباني ْ- المصدر: تخريج مشكاة المصابيح - الصفحة أو الرقم: 889 خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن.

عضو نشط
زائر
03-04-2026

دعاء الهم والحزن " اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك،ماضِ في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ،وجلاء حزني وذهاب همي "[1] " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، والعجز والكسل والبخل والجبن ، وضلع الدين وغلبة الرجال "[2]. 1- أحمد 1/391وصححه الألباني 2- البخاري 7/158 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من هذا الدعاء.

عضو نشط
زائر
03-04-2026

‏من أسباب انشراح الصدر وزوال الهم : التسبيح والصلاة ..قال تعالى ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون .فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين...)

عضو نشط
زائر
03-04-2026

اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت