عناصر الخطبة
1/مراعاة الإسلام لمصالح الناس بالعدل 2/مشروعية الوصية وأقسامها 3/الوصية المحرمة 4/مخالفات شرعية في الوصية.اقتباس
إن الوصية تنظيمٌ لشأنك، واستعدادٌ لرحيلك إلى دار آخرتك، وهي وصاةٌ لك لمن وراءك، ويُستحب أن تقيم عليها ناظرًا ممن تثق به وتُحسن به الظن، إن كان من ولدك فهو أولى، وإلا فمن أوليائك وأحبابك...
الخطبة الأولى:
الحَمْدُ للهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شهادةً نرجو بها النجاة من عذابه، ونرجو بها الفلاح في الدنيا والآخرة، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من دينكم الإسلام بالعروة الوثقى، فإن أجسادنا على النار لا تقوى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].
أيها المؤمنون: إن دينكم دين الإسلام دينٌ عظيم، اشتمل على مصالح الناس في هذه الدنيا وفي الآخرة، وأقام فيهم العدل، وأقامهم على السوية البيضاء التي مَن استمسك بها فقد نجا، ومن ضل عنها فقد غوى، ولا يهلك على الله إلا هالك.
ومن ذلكم -يا عباد الله- فيما يتعلق بحقوق العباد، وفي وصاياهم، وما يكتبونه في حياتهم في حال صحةٍ من أذهانهم وسلامةٍ من أدواتهم وعقولهم، ولم يتجاوزوا فيها الحد الشرعي، وهي ما تسمى بالوصية التي يوصي بها الأحياء أولادهم بعد مماتهم.
نبَّه الله عنها ونوَّه عنها في آيات سورة النساء، في قول الله -جَلَّ وَعَلا- في غير موضع: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ)[النساء: 12]، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قال: قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "ما حق امرئٍ مسلم عنده شيءٌ يوصي به يبيتُ ليلتين إلا ووصيته مكتوبةٌ عند رأسه".
أخذ منها العلماء أن من ترك وراءه شيئًا يوصي به من حقوقٍ له على الناس، أو ديونٍ له أو عليه فإنه لا بد من توثيقها وكتابتها، والوصية بها، وهذه الوصيةُ والحالة هذه واجبة، فإن لم يكن عنده شيء بأن كان فقيرًا معدمًا ليس عليه دينٌ عند الناس، وليس للناس عليه حقوقٌ أوديون فإن كتابة الوصية منه لمن بعده سنةٌ مؤكدة ليست واجبةً في حقه.
وتكون الوصية -يا عباد الله- وصيةً محرمة في أنواعٍ عديدة، ومنها أن يوصي بأن يُعمَل له مأتمًا بعد موته، أو يوصي بماله أن تذهب إلى المقامات والقبور والأضرحة وأوقاف البدع، فهذه من الوصايا المحرمة، وكذلك لو كان له من كتب أهل البدع والأهواء وكتب الضلال فإن الوصية بها والحالةُ هذه محرمة.
عباد الله: إن الوصية تنظيمٌ لشأنك، واستعدادٌ لرحيلك إلى دار آخرتك، وهي وصاةٌ لك لمن وراءك، ويُستحب أن تقيم عليها ناظرًا ممن تثق به وتُحسن به الظن، إن كان من ولدك فهو أولى، وإلا فمن أوليائك وأحبابك.
واعلموا -عباد الله- أن الوصية لا يجوز أن تتجاوز الثلث فيما توصي به إلى أحدٍ من الناس؛ قال -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وقد عاد سعد بن أبي وقاص ولم يكن له إلا بنتٌ واحدة، وأراد أن يُوصِي بجميع ماله، قال: "لا يا سعدُ، قال: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا يا سعد، ثم قال: الثلث والثلث كثير"، أي: لا يجوز أن تزيد على ثلث مالك أن تُوصي به فيما أردتَ من أعمال الخير وغير ذلك؛ والحديث أخرجاه في الصحيحين.
أتدرون لِمَ؟ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قال: "لأن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس"، ولهذا الوصية بالثلث جائزة، فأقل، وأفضل من ذلك ما هو أقل من الثلث؛ لقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "الثلث والثلث كثير"؛ فدل على أن ما هو أقل من الثلث فهو أفضل.
ولقد اختار أبو بكرٍ الصديق -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن يُوصِي بالخمس من ماله، فسُئل عن ذلك فقال: "أرضى بما رضيه الله -عَزَّ وَجَلَّ- لنفسه"؛ يشير إلى قول الله -جَلَّ وَعَلا- في آية الأنفال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ....) الآية [الأنفال: 41].
نفعني الله وَإِيَّاكُمْ بالقرآن العظيم، وما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية:
الحمد لله، الحمد لله الذي أعاد مواسم الخيرات على عباده، وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادةً نرجو بها النجاة والفلاح في هذه الدنيا وفي تلكم الدار الأخرى، وأشهد أن نبيه محمدًا عبده المصطفى ونبيه المرتضى صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه أولي الفضل والمكانة والنهى، وسلم تسليمًا كثيرًا أبدًا دائمًا.
أما بعد: عباد الله: فاتقوا الله -جَلَّ وَعَلا-، واحذروا الظلم، بأن تميزوا بعض أولادكم على بعض، واعلموا أنه لا يجوز لأحدٍ أن يوصي لوارثٍ يرث من بعده، فلا تنعقد الوصية لورثتك إلا إذا رضي بها جميع الورثة؛ لأن المال بمجرد موتك ينتقل إلى ورثتك الذين ورَّثهم الله مالك، فلا تصح الوصية لوارث، قال نبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لا وصية لوارث".
واعلموا -عباد الله- أن في باب الوصايا مخالفات عديدة وأمورًا منكرة، ومنها ما ينتشر عند بعض الناس في كثيرٍ من الجهات أنهم يحرمون البنات من وصايا آبائهم، ومن ميراث آبائهم في العقار والمزارع والدور، وربما ورثوها في الأموال المنقولة، وهذا ظلم؛ لأن الله -جَلَّ وَعَلا- يقول: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ)[النساء: 11]، فلا يجوز حرمان المرأة بدعوى وزعم أن لها زوجًا، فكيف يشاركنا زوجها وأولادها في أموالنا وهم ليسوا منا، أو ليسوا من قبائلنا؟
ومن الظلم -يا عباد الله- تمييز بعض الأولاد على بعض؛ ففي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير بن سعدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهم- عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، فلما استشهد بشير بن سعد رسول الله على نِحْلةٍ نحلها ابنه النعمان، قال: "أكل ولدك نحلته كذلك؟ قال: لا، يا رسول الله، قال: أشهد على هذا غيري؛ فإني لا أشهد على جورٍ، ألا تحب أن يكون ولدك لك بالبر سواء؟ اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم".
واعلموا معاشر الورثة أنه لا يجوز لكم العبث في وصية آبائكم وأجدادكم، وتغييرها، فإن من فعل ذلك فإنه وقع في إثمٍ عظيم، ولهذا قال -جَلَّ وَعَلا- في آخر آيات الوصايا: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ)[البقرة: 181].
وانتبهوا -يا عباد الله- فيما أوصى آباؤكم في أثلاث أموالهم، أو في أوقافهم، فلا بد من إمضائها، ولا بد من العناية والحفاوة بها، ولا يجوز تعطيلها، فإن خشي الخاشي من تعطيل أولاده وأحفاده لها فيجيِّرها ويسيِّرها، ويجعلها في أوقافٍ عامة كبناء المساجد، ومنافع الناس العامة، فيبقى أجرها عندئذٍ مستمرًّا لأمواته، ولمن تسبَّب بها من أولاده في حياته.
ثُمَّ اعلموا -عباد الله- أنَّ أصدق الحديث كلام الله، وَخِيرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثة بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وعليكم عباد الله بالجماعة؛ فإنَّ يد الله عَلَى الجماعة، ومن شذَّ؛ شذَّ في النَّار، ولا يأكل الذئب إِلَّا من الغنم القاصية.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَسَلَّمَ اللهمَّ تَسْلِيمًا.
اللهم عِزًّا تعزّ به الإسلام وَالسُّنَّة وأهلها، وذِلًّا تذل به الكفر والبدعة وَالشِّرْك والانحلال وأهله، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عزًّا تعزُّ به أولياءك، وذِلًّا تذل به أعداءك، يا ذا الجلال والإكرام.
اللَّهُمَّ احفظ علينا ديننا الَّذِي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا الَّتِي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا الَّتِي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللَّهُمَّ وفق ولي أمرنا بتوفيقك، اللهم اجعله عزًّا للإسلام، ونصرةً لعبادك وأوليائك المؤمنين، اللَّهُمَّ اجعله عزًّا لِلسُّنَّةِ، وكفًّا عَلَى عبادك المسلمين، يا ذا الجلال والإكرام.
اللَّهُمَّ أنت الله لا إله إِلَّا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللَّهُمَّ غيثًا مغيثًا، هنيئًا مريئًا، سحًّا طبقًا مجللاً، اللَّهُمَّ سُقيا رحمة، اللَّهُمَّ سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ ولا نصب.
اللهم أغث بلادنا بالأمن والأمطار والخيرات، وأغث قلوبنا بمخافتك وتعظيمك، وتوحيدك يا رب العالمين، اللهمَّ إنك ترى ما بنا من الحاجة واللأواء، ولا غنى لنا عن فضلك، اللَّهُمَّ فأنزل علينا من بركات السماء.
اللَّهُمَّ ارحمنا برحمتك الَّتِي وسعت كل شيء، نستغفرك اللَّهُمَّ إنك كنت غفَّارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا، نستغفر الله العظيم، نستغفر الله العظيم من ذنوبنا، ونستغر الله العظيم من شر سفهائنا، ونستغفر الله العظيم الَّذِي لا إله هو الحي القيوم ونتوب إليه.
اللهم أغثنا، اللهم ارحم هؤلاء الشيوخ الرُّكَّع، وهؤلاء البهائم الرُّتَّع، وهؤلاء الأطفال الرُّضَّع، ولا غنى لنا عن فضلك يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، أحيائهم وأمواتهم يا رب العالمين.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم