بر الوالدين

هاني المطرفي

2026-01-09 - 1447/07/20 2026-03-25 - 1447/10/06
عناصر الخطبة
1/حث القرآن على البر بالوالدين 2/تعريف البر ومعناه 3/فضل بر الوالدين 4/من ثمرات بر الوالدين 5/قصة فيها فضل بر الوالدين

اقتباس

ومن البر: التلطف بلين القول، ويجعل نفسه مع أبويه في كلامه وسكناته ونظراته في موقف الذليل، فلا يحدّ بصره إليهما كنظر المغضَب أو الخانق، ولا يرفع صوته، ولا يعرض عن إجابتهما، ويطيعهما فيما أمراه...

الخُطْبَةُ الأُولَى: 

 

إن الحمد لله، نحمده ونسّتعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسَلّم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: فقد أمر الله -تعالى- بالإحسان إلى الوالدين فقال: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)[النساء: 36]، وقال: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)[الإسراء: 23]، وقال: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا)[الأحقاف: 15].

 

ووصف الله أنبياءه ببر الوالدين؛ فقال -تعالى-: (يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)[مريم: 12 - 14]، وقال عن عيسى بن مريم: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)[مريم: 32].

 

والبر: هو الإحسان إلى الوالدين، والتعطّف عليهما، والرفق بهما والرعاية لأحوالهما، وعدم الإساءة إليهما، وإكرام صديقهما من بعدهما.

 

وهو من الأعمال العظيمة الأجر، والواجبة على العبد وجوباً متأكداً، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم-: أي العمل أحب إلى الله -عز وجل-؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قال ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قال: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"(متفق عليه)، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كَذَلِكُمُ الْبِرُّ كَذَلِكُمُ الْبِرُّ"(رواه الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي)، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رضى الله في رضى الوالد، وسخط الله في سخط الوالد"(رواه الترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).

 

لقد كان في حياة صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسلف هذه الأمة -الذين هم خير الأمة وأزكاها- المثل التطبيقي للبر والإشادة بفضله، فقد كان أبو هريرة -رضي الله عنه- إذا أراد أن يخرج من داره وقف على باب أمّه وقال: "السلام عليكم يا أمّاه ورحمة الله وبركاته"، فتقول: "وعليك يا بني السلام ورحمة الله وبركاته"، فيقول: "رحمك الله كما ربيتني صغيراً"، فتقول: "رحمك الله كما بررتني كبيراً"(في الأدب المفرد).

 

ونقل أيضاً: أن بن عمر -رضي الله عنهما- لقي رجلاً يمانياً يطوف بالبيت وقد حمل أمّه وراء ظهره يقول:

إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلْ *** إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرْ الغَضَبُ

ثم قال: يا ابن عمر أتراني جزيتها؟ قال: "لا، ولا بزفرة واحدة".

 

ونقل أيضاً عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "ما من مسلم له والدان مسلمان، يُصبح إليهما محسناً؛ إلا فتح الله لهما بابين من الجنّة، وإن كان واحداً فواحد، وإن أغضب أحدهما لم يرضَ الله عنه حتى يرضى عنه".

 

بل إن لنبينا -صلى الله عليه وسلم- موقفاً مؤثراً نشهد فيه عاطفة الابن الجياشة تجاه أمه التي فقد حنانها صغيراً، روي مسلم فيه صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: زار النبي -صلى الله عليه وسلم- قبر أُمّه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي أن أستغفر لهما فلم يؤذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي".

 

ويمتد بر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بر أمه من الرضاعة، فروي أبو الطفيل -رضي الله عنه- قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقسّم لحماً بالجعرانة -وأنا غلام-، فأقبلت امرأة، فلما رآها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسط لها رداءه فقعدت عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا: أمّه التي أرضعته، يعنون حليمة السعديّة، قال الحافظ ابن حجر: "هذا الحديث أخرجه أبو داود وأبو يعلي وبن حيان في صحيحه، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي".

 

إن من ثمرات بر الوالدين: أن يبر الإنسان أولاده؛ فالجزاء من جنس العمل، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفّوا تعفّ نساؤكم"(رواه الطبراني والحاكم وصححه، وحسنه المنذري في الترغيب).

 

وإن من ثمراته العاجلة أيضاً: الزيادة في العمر والبركة فيه، فعن ثوبان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يزيد في العمر إلا البر"(رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وحسنه العلامة الألباني)، وروى أبو يعلي والطبراني بسند صحيح عن سهل بن معاذ -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من بَرّ والديه طوبي له زاد الله في عمره"، ونقل السيوطي في الدرر المنثور عن وهب بن منّبه أنه قال: "بر الوالدين يزيد في العمر".

 

ومن ثمرات بر الوالدين أيضاً: أنه مكفّر للسيئات، وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "بر الوالدين كفارة الكبائر"، وجاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنباً عظيماً، فهل لي توبة؟ قال: "هل لك من أم؟"، قال: لا، قال: "هل لك من خاله؟"، قال: نعم، قال: "فبّرها"(رواه الترمذي وصححه الألباني).

 

إن من البر بالوالدين: الإحسان إليهما وعدم مخالفتهما في أغراضهما، وألا يقول لهما ما يكون فيه أدنى تبرّم؛ يقول الله -تعالى-: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)[الإسراء: 23].

 

ومن البر: التلطف بلين القول، ويجعل نفسه مع أبويه في كلامه وسكناته ونظراته في موقف الذليل، فلا يحدّ بصره إليهما كنظر المغضَب أو الخانق، ولا يرفع صوته، ولا يعرض عن إجابتهما، ويطيعهما فيما أمراه.

 

كما أن من البر بهما: الترحم عليهما والدعاء لهم؛ فإنهما قد آثراك على أنفسهم ورفقا بك، إذ كنت جاهلاً صغيراً ضعيفاً محتاجاً؛ فأسهرا ليلهما وأشبعاك وكسواك، وربما ضيقا على أنفسهم لأجلك، فلا تجزهما إلا ببرهما وطاعتهما.

 

وكما أن البر واجب فهو متأكد أكثر حال الكبر؛ لأنها الحال التي يحتاجان فيها إلى البر، لتغيّر الحال عليهما بالضعف، فعليك أن تتولى منهما ما تولياه منك حال الصّغر، مع أن لهما الفضل عليك بالسَّبْق والتقدّم.

 

وإن البر لا ينقطع حتى بعد موتهما، فقد سأل رجل النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبويّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما"(رواه أبوداود وابن ماجه وأحمد بسند صحيح).

 

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من الهدى والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

إن من عظيم فضل بر الوالدين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن رجلاً توسّل إلى الله -تعالى- به؛ ليفرج عنه كربة نزلت به، ففرج الله عنه واستجاب دعاءه ببره لوالديه، وهذا شاهد لأثر البر في تفريج الكرب وإجابة الدعاء، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "بَيْنَا نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ يَمْشُونَ أَخَذَهُمْ مَطَرٌ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً، فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدِانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي وَصِبْيَةٌ صِغَارٌ فَكُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ صِبْيَتِي وَأَهِلِّي، وَإِنِّي أُحْتُبِسْتُ يَوْمًا فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، وَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ، حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ؛ فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوُا السَّمَاءَ"(متفق عليه)، ثم دعا صاحباه بأعمالهما؛ ففرج الله ما بقي وخرجوا يمشون.

 

اللهم ارزقنا بر والدينا أحياء وأمواتاً، واجعلنا ممن أحسن لهما، وأوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحاً ترضاه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

 

المرفقات

بر الوالدين.doc

بر الوالدين.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات