اقتباس
فكلما فار الدم في عروقه، وثارت ثائرة الانتقام في قلبه، وهاجت نفسه غضبًا، وامتلأت غيظًا وحنقًا.. كظم ذلك كله، وجاهد غيظه، وهادن غضبه؛ حتى يتسامى فوق نوازع انتقامه فيخرج ظافر منتصرًا يردد: إني امرؤ صائم.. إني امرؤ صائم...
ما فرض الله -عز وجل- علينا الصيام تعذيبًا ولا حرمانًا، وإنما فرضه لحكمة بالغة -علمناها أم لم نعلمها- والصيام -ككل فريضة فرضها الله علينا- ما فُرِض إلا لمصلحة العباد ومنفعتهم.
ومن تلك المنافع والمصالح التي يعلِّمنا الصيام إياها: قوة الإرادة وصلابة العزيمة وعلو الهمة، فبعد أن كان المسلم قبل رمضان يتضجر إن تأخرت وجبة غدائه أو عشائه، إذا به في رمضان يصبر ويتصبر على الجوع طوال نهاره، وبعد أن كان يعاني من جفاف حلقه إن افتقد الماء ساعة من الزمن، فها هو في رمضان يتحمل الظمأ كما تتحمله سفينة الصحراء، متدرعًا بالعزيمة والإرادة... لذا "يقول الله -عز وجل-: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي"(متفق عليه).
ويُعلِّم رمضانُ الصائمَ أن يكون حاكمًا فوق نفسه، كاظمًا لغيظه، متساميًا عن السفاسف، واستمع إلى ما أمر به نبينا -صلى الله عليه وسلم- من كان صائمًا، حين قال: "والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يسخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم"(متفق عليه).
فكلما فار الدم في عروقه، وثارت ثائرة الانتقام في قلبه، وهاجت نفسه غضبًا، وامتلأت غيظًا وحنقًا.. كظم ذلك كله، وجاهد غيظه، وهادن غضبه؛ حتى يتسامى فوق نوازع انتقامه فيخرج ظافر منتصرًا يردد: إني امرؤ صائم.. إني امرؤ صائم؛ أي: "إني صائم وصومي يمنعني من مجاوبتك.. ولولا ذلك لانتصرت لنفسي بمثل ما قلت لي" أو: "أن الصائم يقول في نفسه لنفسه: إني صائم يا نفسي؛ فلا سبيل إلى شفاء غيظك بالمشاتمة"(التمهيد، لابن عبد البر)، وتلك هي قوة الإرادة.
***
ويقرر القرآن الكريم أن ثمرة الصيام هي التقوى فيقول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183]، وما التقوى في حقيقتها إلا ضبط النفس بحملها على فعل المأمورات واجتناب المنهيات..
فمن المسلمين من اعتاد قبل رمضان أن يأكل متى شاء، ويشرب متى شاء، ويأتي زوجته متى شاء، ويفعل كل ما يشاء وقتما يشاء، فإذا به الآن يأكل في موعد محدد لا يسبقه بدقيقة، ويشرب في موعد محدد لا تحل له قبله قطرة ماء؛ ذلك هو غروب الشمس، ثم يتمتع بالمباحات ليله، فإذا أُذن للفجر امتنع عن الطعام وإن كان داخل فمه! ونبذ الماء وإن كان محتاجًا إليه! فأكله بميعاد وشربه بميعاد وامتناعه بميعاد وإتيانه لزوجه بميعاد: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)[البقرة: 187]، فيتعلم الدقة والانضباط في حياته كلها.
***
وكم للمرء من عادات يزعجه أن يفتقد شيئًا منها، فإذا جاء رمضان تحطمت تلك العادات كلها؛ فقد كانت له وجبات ثلاثة؛ أول النهار ووسطه وآخره، فأصبح الآن لا يأكل بالنهار أبدًا! وبدلًا من ذلك صار يأكل قبل الفجر في وقت السحر حيث لم يتعود أبدًا أن يطعم طعامًا!
وربما كانت عادته أن ينام فلا يقوم إلا على أذان الفجر، فها هو الآن يصلي التراويح قبل أن ينام، ثم يقوم من نومه قبل الفجر للسحور! فيعلِّمه الصيام كسر العادات وعدم الخضوع لها، وهذا من قوة الإرادة.
وصدق من قال: "إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلها"(فتح القدير، لابن الهمام)؛ إذ أن الصائم يكون بعزيمته ملكًا متوجًا فوق جوارحه وعاداته وانفعالاته ورغباته وشهواته.
***
ويمتنع الصائم في نهاره عن الحلال الطيب، فيعلمه ذلك قوة الإراة كي يستطيع الامتناع عن الحرام البين، خاصة وأنه يخل بصيامه: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(رواه البخاري).
ومن أراد العزيمة الصلبة ليتسامى عن الشهوات فلن يعينه على ذلك مثلُ الصوم؛ فلقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"(متفق عليه).
***
ويكون الصائم خاليًا لا يراه أحد، فتدعوه نفسه أن يلبي حاجة بطنه أو حاجة فرجه، فيجاهد نفسه ويردعها؛ تلك النفس الأمارة بالسوء، حتى يردها عن غيها، فرقًا من يوم الحساب، وتلك أيضًا من غايات التقوى: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ)[الأنبياء: 49].
والآن أقول: إن الأمر ما زال بحاجة إلى مزيد إيضاح وتبيين، لذا فقد جمعنا ها هنا عددًا من الخطب التي تركز على هذه المعاني وتزيدها جلاء ووضوحًا، فإليك:
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم