اقتباس
إذا استطاع سيف الله خالد بن الوليد بجيش يقدر بثمانية عشر ألف مقاتل فقط أن يفتح ثلثي العراق في أربعين يوماً فقط!! وانتصر على مئات الألاف من الفرس ومعهم حلفاؤهم من نصارى العرب ومشركيها، وأطاح بعشرات القادة الفرس الكبار...
خالد وملاحم العراق
لم يكد سيف الله يستقر في أحد أودية اليمامة، ويلتقط أنفاسه بعد سلسلة متواصلة من الحروب ضد المرتدين حتى صدرت إليه الأوامر من القائد الأعلى للدولة الإسلامية؛ الخليفة الراشد أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- بالتوجه إلى بلاد العراق في تدشين لعجلة الفتوحات الإسلامية والتي تعتبر الصفحة الأبرز في التاريخ الإسلامي؛ فمن على أرض العراق ستبدأ فصول المجد الأسمى والفتح الأعظم لتوسيع حدود الدولة ونشر الإسلام في ربوع الأرض تصديقاً للموعود النبي المقدس بدخول هذا الدين في كل بيت بعز عزيز أو بذل ذليل.
البداية كانت مع المحاولة الجريئة التي قام بها المثني بن حارثة الشيباني -رضي الله عنه- بغزو أرض العراق وكانت من ضمن أملاك الدولة الساسانية الكسروية. وبالفعل نجح المثنى في اختراق أراضي العراق حتى وصلى لمصب نهري الفرات ودجلة، وكشف في هجمته الجريئة عن إمكانية فتح تلك البلاد ونشر الإسلام فيها. فلما وصلت الأخبار للخليفة أبي بكر سرّ بها وأقر على المثنى قيادته وتحركاته وأذن له بالتوغل أكثر.
رأى أبو بكر بأن يمدّ المثنى بمدد ليتابع غزواته، لذا أمر خالد بن الوليد بأن يجمع جنده في اليمامة، وألا يستكره أحدًا منهم، ويتوجه بهم إلى العراق. كما أمر بطلاً آخراً من أبطال الإسلام، ولكن ذكره ليس مشتهراً بين الناس رغم أنه لا يقل شجاعة وفروسية عن خالد بن الوليد، وهو الصحابي عياض بن غنم الفهري -رضي الله عنه- أمره بأن يتوجه إلى دومة الجندل ليخضع أهلها، ثم يتوجه إلى الحيرة، وأيهما بلغ الحيرة أولاً تكون له القيادة. وأبو بكر بذلك الإجراء الذكي أوجد نوعاً من المنافسة الشريفة وحامية الوطيس بين الفريقين لخدمة الدين.
وصل خالد إلى المثنى قبل عياض الذي وقع في كمين لأهل دومة الجندل فحاصرهم عدة شهور. خالد وصل بعشرة آلاف مقاتل وانضم إلى جيش المثنى وكان فيه ثمانية آلاف مقاتل. لتبدأ فصول ملحمة عسكرية غير مسبوقة في التاريخ!! إذا استطاع سيف الله خالد بن الوليد بجيش يقدر بثمانية عشر ألف مقاتل فقط أن يفتح ثلثي العراق في أربعين يوماً فقط!! وانتصر على مئات الألاف من الفرس ومعهم حلفاؤهم من نصارى العرب ومشركيها، وأطاح بعشرات القادة الفرس الكبار.
كانت أولى معارك خالد في العراق أمام جيش فارسي بقيادة "هرمز" المشهور بالغدر والكبر في معركة ذات السلاسل. في بداية المعركة، طالب هرمز أن يبارز خالداً، وكان قد دبّر مكيدة بأن يتكاثر عليه جنده فيقتلوه، فيفتّ ذلك في عضد المسلمين فينهزموا. ولكن هرمز الأحمق لم يدر من سيبارز ومع من سيتقاتل، حيث لم يمهله خالد لدقيقة واحدة حتى فتك به. بعد ذلك، شدّ المسلمون على الفرس وهزموهم، وأمر خالد المثنى بمطاردة الفلول. استمر المثنى يطارد الفلول، إلى أن ترامى إلى أذنه زحف جيش آخر جرار بقيادة "قارن بن قريانس". فأرسل المثنى إلى خالد، فلحقه خالد بالجيش، والتحم الجيشان في معركة المذار، وللمرة الثانية يهزم جيش خالد جيشًا فارسيًا جراراً، وأيضا قتل خالد قائده "قارن بن قريانس".
أدرك الفرس صعوبة موقفهم، فقرروا أن يستعينوا بأوليائهم من نصارى العرب من بني بكر بن وائل، والتقى الجيشان في معركة الولجة والتي استخدم فيها خالد نسخة مطورة من تكتيك الكماشة، حيث استخدم مجموعتين من الجند ليكمنوا للفرس. وهو التكتيك الذي أبهر علماء الاستراتيجية العسكرية وأقروا بأسبقية خالد في استخدام هذا التكتيك وبراعته العسكرية.
استثارت الهزيمة غضب الفرس وأوليائهم من العرب، فاجتمعوا في منطقة أُلّيس بجيش عظيم، واشتبك معهم جيش المسلمين في معركة عظيمة تأرجحت وطالت بين الفريقين، فتوجه خالد بالدعاء إلى ربه، ونذر أن يجري النهر بدماء أعدائه إن انتصر المسلمون. في النهاية انتصر المسلمون وفر الفرس والعرب، وأمر خالد بأسرهم، ليبرّ بنذره. ثم أمر بحبس النهر، وضرب رقاب الأسرى ثم أجرى النهر فتحوّل دمًا، في مشهد ربما يراه البعض دموياً ولكنه كان جزاء وفاقاً فقد قتلوا أسرى المسلمين من قبل، حتى يرتدع كل من تسول له نفسه التآمر على المسلمين، أو التنكيل بأسراهم.
كان فتح الحيرة عاصمة العراق العربي الخطوة التالية لسيف الله، فتوجه بجيشه إليها وحاصرها، ولما لم يجدوا مهربًا قبلوا بأن يؤدوا الجزية، فكانت أول جزية في الإسلام. وبعد أن أراح جيشه، سار خالد على تعبئته إلى الأنبار وعلى مقدمته الأقرع بن حابس، فحاصرها وقد تحصن أهل الأنبار وخندقوا حولهم، فطاف خالد بالخندق بحثًا عن أضيق مكان فيه، ثم أمر بنحر ضعاف الإبل وإلقائها في ذلك الموضع، وعبر عليها جيشه ففتح بذلك الحصن. اتجه خالد بعد ذلك إلى عين التمر، حيث واجه جيشًا من الفرس والعرب من قبائل بني النمر بن قاسط وتغلب وإياد بقيادة قائد مغرور اسمه "عقة بن أبي عقة" في معركة عين التمر وانتصر عليهم، بحيلة ذكية، فقد اختطف قائدهم "عقة بن أبي عقة" من بين جنوده، فدب فيهم الفزع وفروا من أرض المعركة من غير قتال. وبذلك أصبح معظم العراق العربي تحت سيطرة المسلمين.
بعد ذلك توجه خالد بن الوليد بجنده لفك الحصار عن عياض بن غنم وجنوده في دومة الجندل، وكان عياض بن غنم ما زال في حربه في دومة الجندل منذ بعثه الخليفة لقتالهم، فيئسَ الخليفة من الموقف، فأمده بالوليد بن عقبة، وحين وصل إليه الوليد أيقن صعوبة موقف عياض، فأشار عليه بأن يرسل إلى خالد بن الوليد يستنصره. لم يتردد عياض فأرسل لخالد، فتوجه خالد إليه بجيشه، فجعل دومة الجندل بينه وبين جند عياض، ونجح في افتضاض الحصن في معركة دومة الجندل.
انتهز أهل العراق فرصة غياب خالد، فثاروا على الحاميات الإسلامية، ووصل الخبر لخالد في دومة الجندل، فلم يطق البقاء وعاد واستطاع اخضاعهم مرة أخرى في معارك المصّيخ والثني والزميل. بعدها واصل خالد زحفه شمالاً حتى بلغ أرض الفراض، وهي موقع على تخوم العراق والشام، بعد أن بلغه أن الروم قد احتشدوا هناك من أجل محاربة المسلمين، وأقدموا على خطوة غير مسبوقة بالتحالف مع الفرس أعدائهم التاريخيين، فأقام خالد والمسلمون فيها شهرًا لا يفصله عن الروم سوى مجرى الفرات. أرسل قائد الروم لخالد يطالبه بالاستسلام، إلا أن خالد قال له أنه ينتظره في أرض المعركة. ثم بعث إليه الروم يخيرونه إما أن يعبر إليهم أو يعبروا إليه، فطالبهم بالعبور. استغل خالد عبور الروم إليه، وحاصرهم بجناحيه مستغلاً وجود النهر خلفهم، وهزمهم هزيمة ساحقة. كانت معركة الفراض آخر معارك خالد بن الوليد في العراق. أمر خالد جيشه بالعودة إلى الحيرة، وقرر أن يؤدي فريضة الحج في سرّية تامة دون حتى أن يستأذن الخليفة. وبعد أن أتم حجه علم الخليفة أبو بكر فلامه ونهاه عن تكرار فعله مرة أخرى.
خالد وملاحم الشام
أغرت فتوحات العراق الباهرة خليفة المسلمين أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- في فتح جبهة جديدة لنشر الدعوة الإسلامية وتوسيع رقعة دولة الخلافة، فقرر توجيه الجيوش الإسلامية نحو بلاد الشام التي كانت وقتها خاضعة للحكم الروماني البيزنطي.
جس نبض الجبهة الشامية كان غير مبشر، بعد أن تعرض جيش المسلمين بقيادة خالد بن سعيد -رضي الله عنه- لهزيمة طارئة، فقرر أبو بكر الصديق توجيه أربعة جيوش دفعة واحدة إلى عدة جبهات بأرض الشام. فاستعد الروم لمواجهة المسلمين وحشدوا جيوشاً تفوق جيوش المسلمين عدداً وعتاداً، وقد علمتهم تجربة الصدام مع المسلمين يوم مؤتة أن قتال المسلمين في غاية الضراوة.
وجد قادة الجيوش الإسلامية أنهم إن قاتلوا منفردين فسيهزمون لا محالة، لذا أرسل أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- إلى الخليفة أبي بكر يطلب المدد، فضاق أبو بكر بالموقف، فقرر أن يرسل إلى خالد بن الوليد يأمره أن يستخلف المثنى بن حارثة الشيباني في نصف الجند، ويسير بالنصف الآخر إلى الشام ليمدّ جيوش المسلمين، وكان خالد معسكراً بجيشه في دومة الجندل، يخطط لمواصلة فتح العراق، ولكنه امتثل لأمر الخليفة خاصة وأن الأمر بالجبهة الشامية قد أصبح خطيراً.
هنا تتجلى العبقرية والشجاعة الخالدية. حيث قرر أن يسلك طريقاً مختصراً للوصول إلى الشام ونجدة المسلمين، ولكنه كان طريقاً خطيراً موحشاً مهجوراً لا تسلكه القوافل ولا الجيوش بسبب وعرته الشديدة وندرة الماء فيه، ومع ذلك اخترق خالد بجنوده بادية السماوة القاحلة بمنتهى الشجاعة والتضحية، وحقق انجازاً غير مسبوق بأن اجتازها في عشرة أيام فقط!! وصدقت فراسة أبي بكر الصديق في السيف عندما قال: "والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد". كان وصول المسلمين بقيادة خالد بن الوليد مفاجئة صادمة لأعدائه، حيث انحدر على الغساسنة حلفاء الروم بمرج راهط فهزمهم، ثم اقتحم مدينة بصرى فهزم حاميتها الرومية.
بدأ خالد بن الوليد سلسلة فتوحاته بأرض الشام بمعركة أجنادين الأولى سنة في جمادى سنة 13 هجرية، فراسل قادة الجيوش الأخرى بموافاته في أجنادين. ولما تم اجتماعهم هناك، جعل أبو عبيدة بن الجراح على المشاة في القلب، ومعاذ بن جبل على الميمنة، وسعيد بن عامر على الميسرة، وسعيد بن زيد على الخيل. بدأت المعركة بمهاجمة ميسرة الروم لميمنة المسلمين، ولكن معاذ بن جبل ورجاله صمدوا أمام الهجوم، ثم شنت ميمنة الروم هجومًا على ميسرة المسلمين، فثبتوا كذلك. فالصحابة كانوا في القتال مثل السندان لا تزيده الضربات إلا ثباتاً وصلابة. عند ذلك أمر قائد الروم برمي الأسهم، عندئذ بدأ هجوم المسلمين، واستبسلوا ففر الروم منهزمين.
بعد أجنادين بأيام تُوفي الخليفة أبو بكر الصديق وخلفه عمر بن الخطاب الذي قرر عزل خالد بن الوليد عن القيادة العامة للجيوش الإسلامية بالشام وتولية أبي عبيدة بن الجراح مكانه لأسباب سنعرض لها عند الحديث عن الشبهات التي آُثيرت عن سيرة خالد بن الوليد. فامتثل خالد بن الوليد للقرار بيسر وسهولة، ودون أدنى غضاضة وفي إخلاص قلما يوجد إلا عند جيل الصحابة الأفذاذ، انتقل خالد إلى صفوف الجنود دون إثارة أدنى جدل. ورغم هذا القرار إلا إن القائد الجديد أبا عبيدة كان يعرف قدر خالد بن الوليد وأنه لا غنى عن مواهبه العسكرية الفذة، فجعله على رأس أهم سلاح في الجيش الإسلامي؛ سلاح الفرسان.
بعد أجنادين توجَّه أبو عبيدة مع خالد لحصار دمشق حاضرة الشام، وتمكّنا من فتحها أخيراً بعد أن كانت قد حوصرت عدة مرات قبل ذلك. وكانت للبطولة الأسطورية التي قام بها خالد بن الوليد ومعه مذعور بن عدي وكتيبة الفدائيين دور كبير في الفتح، حيث تسلقوا أسوار المدينة بالحبال والخطاطيف، ثم اشتبكوا مع حراس الأبراج، ثم هبطوا وفتحوا أبواب المدينة، في مشهد سينمائي شديد الإبهار، ولكنه حقيقي لا تمثيل فيه ولا خيال.
بعد فتح دمشق وصلتهما أنباء عن تجمُّع جيش كبير من الروم في مدينة بعلبك، وأنه يسير جنوباً إلى فلسطين للقاء جيش عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة المؤلف من 5,300 جندي. فقرر أبو عبيدة وخالد السير إليهما بسرعة بجيشهما المؤلف من 27,000 مقاتل، وسبق خالد أبو عبيدة على رأس 1,500 فارس لضرورة السرعة. اجتمعت جيوش المسلمين وجيوش الروم قرب موقع فحل جنوبي الشام، فدارت بعض المفاوضات قبل المعركة، غير أنه لم تؤدّي إلى شيء. والتقى الجيشان في 28 من ذي القعدة سنة 13 هـ، حوالي 32,000 من المسلمين ضد 50,000 إلى 80,000 من الروم، وانتصر المسلمون نصراً كبيراً، وقال ابن الأثير عن المعركة: "فأصيب الروم وهم ثمانون ألفاً لم يفلت منهم إلا الشريد". وبعد ذلك ولَّى أبو عبيدة بعض قادته على دمشق وفلسطين والأردن، وسار مع خالد نحو حمص ففتحاها، ثم إلى سهل البقاع، وفتحا خلال ذلك مدينة بعلبك صلحاً.
خالد بطل اليرموك
كان لسقوط حمص وبعلبك سريعاً بعد فتح دمشق وقع كبير في القسطنطينية، حيث بدأ هرقل بحشد كل قواته في منطقة أنطاكية وشمال الشام استعداداً لمعركة حاسمة مع المسلمين، بعد أن تمركز في مدينة أنطاكية على أطراف الشام الشمالية لإدارة الحرب من هناك. وقد بدأ حركة تجنيد إجباري في كل أنحاء الإمبراطورية البيزنطية، فأرسل الأوامر إلى عماله على الولايات بتجنيد كل رجل بلغ الحلم في الإمبراطورية. ويقول الرواة في وصف الجيوش البيزنطية السائرة إلى معركة اليرموك: "فأقبل إليه من الجموع ما لا تحمله الأرض" مما يبين مدى ضخامة الجيوش البيزنطية. ضمَّت جيوش البيزنطيين في معركة اليرموك عرقيات كثيرة، بينها الروس والسلاف والفرنجة والروم والإغريق والجورجيون والأرمن والعرب النصارى. ووزعت قواتهم هذه على خمسة جيوش متساوية الأعداد.
بعد مناوشات مبدئية مع الروم اتضح أن خطط السيف خالد وتكتيكاته العسكرية هي الأفضل في مواجهة الجيوش الرومي الضخم، فقرر أبو عبيدة بن الجراح إسناد قيادة الجيوش إلى خالد بن الوليد، فأعاد خالد تنظيم الجيش بعد توليه لقيادة الجيش، فجعل ربع جيش المسلمين من الخيالة، وكانوا حوالي 10 آلاف فارس، وقسم الجيش إلى 36-40 (كردوسا) أي كتيبة من المشاة (كردوساً) وزعت على أربعة ألوية مشاة وكان قادة الأرباع (أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص). وعلى الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيالة خالد بن الوليد، وتشكل كل لواء منهم من تسعة سرايا كانت منظمة على أساس التجمع القبلي أو العشائري، بحيث يقاتل كل واحد إلى جانب أخيه المسلم من عشيرته أو قبيلته، ومن أمراء الكراديس يومئذ: الزبير بن العوام، مذعور بن عدي، عياض بن غنم، هاشم بن عتبة، حبيب بن مسلمة، سهيل بن عمرو، عكرمة بن أبي جهل، وغيرهم من شجعان قريش وفرسانها الكبار.
دامت المعركة ستة أيام، كان المسلمون فيها يردون هجمات الروم في كل يوم، حيث كان خالد بن الوليد يستخدم "سرية الخيالة المتحركة السريعة" التي يقودها بنفسه ليتحرك بسرعة خاطفة من مكان إلى آخر حيث يكون جيش المسلمين في تراجع تحت ضغط الروم، ويعود كل من الجانبين في نهاية النهار إلى صفوفه الأولية قبل القتال أو إلى معسكراته. وجرى الأمر كذلك خلال الأربعة أيام الأولى كانت فيها خسائر الروم بالأعداد أكبر بكثير من خسائر جيش المسلمين، وفي اليوم الخامس لم يحدث الشيء الكثير بعد رفض خالد "هدنة ثلاثة أيام" التي عرضها الروم بقوله المشهور لرسول الروم "نحن مستعجلون لإنهاء عملنا هذا". وفي اليوم السادس تحولت استراتيجية خالد من الدفاع إلى الهجوم، وتمكن بعبقريته الفذة من شن الهجوم الجريء على الروم واستخدام الأسلوب العسكري الفريد من نوعه آنذاك وهو الاستفادة الصحيحة من إمكانيات «سرية الفرسان سريعة التنقل» بالتحول من قوة إسناد ودعم إلى قوة هجومية ضاربة، لتنقلب الهزيمة الموشكة للمسلمين إلى نصر مؤزر لهم.
في معركة اليرموك تجلت بطولة الصحابة وخاصة البدريين الذين اشترك منهم مائة في هذه المعركة، وحفلت أرض المعركة بمشاهد أسطورية رهيبة من شدة روعتها، خاصة عندما قام عكرمة بن أبي جهل ومعه أربعمائة من وجوه المسلمين بمبايعته على الموت من أجل صدّ الهجوم البيزنطي العنيف على ميسرة المسلمين، واستشهد الأربعمائة جميعاً بعد أن صدوا الروم وكسروهم.
ومنها مشهد إسلام جورج تيودور أحد قادة الجيش البيزنطي والمعروف في المراجع العربية باسم "جرجة" على يد خالد بن الوليد بعد حوار مؤثر بين الرجلين قبل الصدام، اقتنع فيه جورج بالإسلام، والأكثر من ذلك أنه انضم إلى جيش المسلمين ونال الشهادة في اليوم الرابع للقتال، في آية عجيبة من آيات الله تعالى على تحول المصير في لحظة.
كانت معركة اليرموك من أعظم المعارك الإسلامية، وأبعدها أثرا في حركة الفتح الإسلامي، فقد لقي جيش الروم (أقوى جيوش العالم يومئذ) هزيمة قاسية، وفقد زهرة جنده، وقد أدرك هرقل الذي كان في حمص حجم الكارثة التي حلت به وبدولته، فغادر سوريا نهائيا وقلبه ينفطر حزناً، وقد قال كلمته الشهيرة وهو يهم بالمغادرة: "سلام عليك يا سوريا، سلام أخير لا رجوع بعده". وقد ترتب على هذا النصر العظيم أن استقر المسلمون في بلاد الشام، واستكملوا فتح مدنه جميعاً. وقد وصف الباحث والمؤرخ العسكري الأمريكي جورج نافزيكر في كتابه الإسلام في الحرب المعركة، قائلاً: "بالرغم من أن معركة اليرموك لا تحظى بشهرة كبيرة اليوم، إلا أنها واحدة من أكثر المعارك الحاسمة في تاريخ البشرية، ولو حققت قوات هرقل النصر، لكان العالم الحديث مختلفاً جداً وغير محدد المعالم".
يتبع ....
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم