خالد بن الوليد: سيرة السيف الذي لم ينكسر(3-3)

الشيخ شريف عبدالعزيز

2026-05-04 - 1447/11/17

مضى على إسلام خالد بن الوليد-رضي الله عنه-سنوات ليست بالطوال ولا بالقصار، ولكنها كانت عامرة بالفعال وشغل الأبطال. لم يعرف السيف راحة ولا سكوناً منذ إسلامه، فقد كان ينتقل من غزوة إلى سرية، من كمين إلى غارة، ومن ولاية إلى سفارة، ومن مبارزة إلى مناظرة، لم يعرف الكلل ولا الملل، قلبه يتقد حمية وحماساً، لم تنل منه السنون ولا الخطوب، وما خاف من عدوٍ ولا منون، يمتطي صهوة فرسه الأشقر، شاهراً سيفه الأبتر، من الصحراء إلى البوادي، من العراق إلى الشام، يقارع المرتدين والفرس والروم وكفار العرب، يحصد الرؤوس ويفتح الحصون ويهدم العروش وينكس رايات الشرك أينما كانت، حتى أتاه اليقين، وعاد السيف إلى غمده، ويلا العجب على فراشه مريضاً بداء الخوانيق!!

هناك إجماع على أن خالداً توفي في شهر رمضان عام 21هـ/ 642م، إلا أنه هناك خلاف على مكان وفاته. فقد ذكر ابن حجر العسقلاني في الإصابة قولين في وفاته، قول بأنه توفي بحمص وآخر أن وفاته في المدينة المنورة، وأن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-حضر جنازته. في حين ذهب أبو زرعة الدمشقي في تاريخه أن وفاته في المدينة. أما ابن عساكر فنقل في كتابه تاريخ دمشق الكبير عدَّة روايات ترجِّح وفاته بحمص. ونقل ابن كثير في البداية والنهاية قول الواقدي ومحمد بن سعد بأنه مات بقرية تبعد نحو ميل عن حمص، وكذلك نقل الرأي الآخر في وفاته بالمدينة، ولكنه رجَّح موته بحمص، وأيَّد الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء رأي ابن كثير بترجيح وفاته بحمص. رُوي أن خالدًا قال على فراش موته: "لقد شهدت مئة زحف أو زُهاءها، وما في بدني موضع شِبر، إلا وفيه ضربةٌ بسيف، أو رميةٌ بسهم، أو طعنةٌ برمح. وها أنا ذا أموت على فراشي حَتفَ أنفي، كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".

أهم الانتقادات والشبهات التي أثيرت عن سيرة خالد بن الوليد

قبل الخوض في الشبهات والأباطيل والانتقادات التي توجهت لسيرة الصحابي الكبير خالد بن الوليد-رضي الله عنه-يجب أن نقف عند شخصية هذا الصحابي الجليل ونتعرف على أهم ملامحها ومقوماتها التي ستكون مدخلاً لفهم سبب انتقاد العديد من الصحابة الكرام لبعض تصرفات خالد بن الوليد.

أهم ملمح في شخصية خالد بن الوليد أنه كان رجلاً عسكرياً من الطراز الأول. لم يكن فقهياً مثل علي وعمر ومعاذ بن جبل، ولم يكن محدثاً مثل أبي هريرة أو ابن عمر، ولم يكن قارئاً مثل أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وابن مسعود، ولم يكن شاعراً مثل حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة-رضي الله عنهم أجمعين-إنما كان جندياً عظيماً وقائداً عسكرياً منعدم النظير في الشجاعة والمهارة القتالية. وذاك راجع لأصل تنشئته وتربيته، فقد رباه أبوه ليكون فارس قريش الأوحد وقائدها الأبرز، وقد برع في ذلك وفاق الجميع، في الجاهلية والإسلام على حد السواء.

وشخصية العسكري شخصية تميل لاستعمال القوة والحسم والمبادرة، وتقديم الحلول العسكرية على غيرها من الحلول والأدوات، ولذلك شخصية العسكري لا تصلح للعب دور السياسي، والعكس صحيح. وهذا كان السبب الرئيسي لاختلاف وجهات نظر بعض الصحابة مع أساليب خالد بن الوليد، إذ كانوا يرون في سيفه رهقاً وشدة لا تناسب سماحة الإسلام، في حين أنه كان يرى ما يرون، ويشهد ما يغيبون عنه، ويجتهد كثيراً في قرارته، فيصيب ويخطئ كما هي عادة البشر. لذلك سوف نجد عند عرض هذه الانتقادات أن بعضها كان الحق فيها مع من انتقدوه، والبعض الآخر لم يكونوا محقين فيه، وأحياناً كان الانتقاد من باب الورع ومخالفة الأعراف.

الانتقاد الأول: قتله لأسرى بني جذيمة

في العام الثامن من الهجرة بعث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-خالد بن الوليد في سرية إلى بني جذيمة بن عامر بأرض تهامة يدعوهم إلى الإسلام. فلما وصل إليهم وجدهم مسلحين على أهبة القتال، فتوجس منهم خالد بن الوليد، وكان بنو جذيمة قوماً فاتكين يغيرون على القبائل والقوافل، ولذلك عرفوا بين العرب باسم "لعقة الدم". فدعاهم خالد بن الوليد للإسلام، فقالوا صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فلم يقبل منهم خالد بن الوليد هذا الكلام، فهجم عليه وأوقع فيهم قتلاً وأسراً، وفي اليوم التالي أمر بقتل الأسرى، فرفض المهاجرون والأنصار تنفيذ هذا الأمر، في حين نفذت بنو سليم الأمر وقتلت الأسرى، فغضب المهاجرون والأنصار، واتهم عبد الرحمن بن عوف خالداً بأنه فعل ذلك للثأر من بني جذيمة التي قتلت عمه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية، على الرغم من أن أبا عبد الرحمن بن عوف نفسه قد قتل مع الفاكه في نفس الوقعة.

وحين بلغ الرسول-عليه الصلاة والسلام-ما فعل خالد، غضب غضبًا شديدًا لفعل خالد، ورفع يديه داعيًا إلى الله قائلاً: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، وبعث عليا ليودي لهم قتلاهم حتى يئد أمر الجاهلية تحت قدميه.

وما فعله خالد بن الوليد كان اجتهاداً منه في التعامل مع الحادثة، فهو شك في إسلامهم وتوجس من غدرهم لسمعتهم المشهورة في الإغارة والفتك بالآخرين، ومما زاد من شكوكه عدم نطقهم للشهادة واستعمال لفظ حمّال أوجه مثل "صبأنا" للتعبير عن إسلامهم. وقد أخطأ في هذا الاجتهاد، ولم يقره عليه الرسول-صلى الله عليه وسلم-وتبرأ من فعلته، ومع ذلك لم ينزعه من ولاية العمل وقيادة السرايا، وأشركه في معركة حنين ثم معركة مؤتة، وكان أحد قادة الأولى، والقائد الفعلي للثانية، وقد أثنى الرسول على بلائه وجهاده، وعاده بنفسه بعد إصابته البالغة يوم حنين، ويقال أنه قد رقاه بنفسه حتى برئ من جراحه سريعاً. وأرسله أيضا في سرية إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، فصالحهم على الجزية، وهدم صنمهم «وُدّ». وفي عام 10 هـ، بعث الرسول خالد بن الوليد في شهر ربيع الأول في سرية من أربعمائة مقاتل إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابوا له يقبل منهم ويقيم فيهم ويعلمهم دينهم، وإن لم يفعلوا يقاتلهم. لبّى بنو الحارث بن كعب النداء وأسلموا، فأقام خالد فيهم يعلمهم الإسلام. ثم كتب خالد إلى الرسول بذلك، فأمره أن يقيم فيهم يعلمهم، ثم ليقبل معه وفدهم، فوفدوا عليه يعلنون إسلامهم.

والشاهد من كل هذه الولايات والتكليفات النبوية أن الرسول-صلى الله عليه وسلم-اعتبر أنه من فعله خالد بن الوليد مع بني جذيمة اجتهاد خاطئ أو زلة، لم يقر عليها وتبرأ من فعلته، ولكن لم يهدر طاقاته ومواهبه ويئد إمكانياته بسببها، ولم يحرم دولة الإسلام من مجهوداته بسبب تلك الزلة، وهذا من كمال حكمته-صلى الله عليه وسلم-وحسن سياسته.

الانتقاد الثاني: قتله لمالك بن نويرة

في حروب الردة ومانعي الزكاة أمر أبو بكر الصديق خالد بن الوليد بالتوجه إلى بني تميم. لم تكن بنو تميم على موقف واحد، فمنهم بقى على إسلامه، ومنهم من ارتد واتبع سجاح المدعية، وبقي فريق ثالث في حيرة من أمرهم. فلما وصل جيش خالد البطاح وهي منزل بنو يربوع، لم يجد بها أحدًا. كان سيدهم مالك بن نويرة ممن كانوا تحيروا في أمرهم، وكان قد أمر قومه بأن يتفرقوا. بثّ خالد السرايا، وأمرهم بأن يأتوه بكل من لم يجب داعية الإسلام، وإن امتنع أن يقتلوه. وكان قد أوصاهم أبو بكر أن يؤذّنوا إذا نزلوا منزلاً، فإن أذن القوم فكفوا عنهم وإن لم يؤذنوا فاقتلوا، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة، فإن أقروا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم. عندئذ، جاءه الجند بمالك بن نويرة في جماعة من قومه، اختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة الأنصاري أنهم أقاموا الصلاة، وقال آخرون: إنهم لم يؤذنوا ولم يصلوا. تم أسر مالك ابن النويرة وجيئ به إلى خالد، أمر خالد بقتل ابن نويرة، واختلف الرواة في سبب قتل خالد مالكًا، فمنهم من قال أن الأسرى قتلوا لأن الليلة كانت باردة، وقد أمر خالد بأن يدفئوا الأسرى، وكانت تعني في لغة كنانة القتل، فقتلهم الحراس. ومنهم من قال أنه دارت بين خالد ومالك حوارًا استنتج منه خالد أن مالكًا ينكر الزكاة، بعدما قال الأخير: «أنا آتي بالصلاة دون الزكاة»، ليرد خالد ويقول: «أما علمت أن الصلاة والزكاة معاً؟ لا تُقبل واحدة دون الأخرى؟»، فقال له ابن النويرة: «قد كان صاحبكم يقول ذلك» ولم يقل نبي الله أو رسول الله، فرد عليه خالد: «أو ما تراه صاحباً لك! والله لقد هممت أن أضرب عنقك بهذه الكلمة»، فقال ابن نويرة: «أو بذلك أمرك صاحبك؟» ليتضح لخالد بأن مالك ابن النويرة مرتد فعلاً، وذلك بتحذيره عدة مرات قبل أن يقوم بقتله بأن يدفع الزكاة وبأن لا يسمي النبي بهذه الصيغة التي تبين ردته عن الإسلام، إلى أن مالك أبى بكلا الأمرين، فقتله ضرار ابن الأزور بأمر من خالد. وفي نفس ليلة مقتل مالك، تزوج من أم تميم ليلى بنت المنهال زوجة مالك على أنها سبية، والسبي كان من الأمور المتعارف عليها في الحروب عند المسلمين والكفار، وهذا الزواج أنكره العديد من الصحابة، حتى أن أبو قتادة ترك الجيش وعاد إلى المدينة بسبب خلاف مع خالد، مقسمًا ألا يجمعه لواء مع خالد بن الوليد. استنكر الصحابة في المدينة فعل خالد، وأرسل أبو بكر في طلب خالد. كان عمر بن الخطاب ممن أغضبه فعل خالد، حتى أنه طلب من الخليفة أن يعزل هذا الأخير، إلا أن أبا بكر رفض ذلك، قائلاً: «ما كنت لأشيم سيفًا سلّه الله على الكافرين». عنّف أبو بكر خالدًا على فعله، ثم صرفه إلى جيشه، وودي مالكًا وردّ سبي بني يربوع.

قال ابن حجر الهيتمي: "على أن الحق ما فعله خالد؛ لأن مالكًا ارتد ورد على قومه صدقاتهم لما بلغه وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فعل أهل الردة، وقد اعترف أخو مالك لعمر بذلك، وتزوجه امرأته لعله لانقضاء عدتها بالوضع عقب موته، أو يحتمل أنها كانت محبوسة عنده بعد انقضاء عدتها عن الأزواج على عادة الجاهلية، وعلى كل حال فخالد أتقى لله من أن يظن به مثل هذه الرذالة التي لا تصدر من أدنى المؤمنين، فكيف بسيف الله المسلول على أعدائه؟ فالحق ما فعله أبو بكر، لا ما اعترض به عليه عمر-رضي الله تعالى عنهما-ويؤيد ذلك أن عمر لما أفضت إليه الخلافة لم يتعرض لخالد، ولم يعاتبه، ولا تنقّصه بكلمة في هذا الأمر قط، فعلم أنه ظهر له أحقية ما فعله أبو بكر، فرجع عن اعتراضه، وإلا لم يتركه عند استقلاله بالأمر؛ لأنه كان أتقى لله من أن يداهن في دين الله أحداً".

فغاية الأمر أن خالداً اجتهد في قتل مالك بن نويرة وكان محقاً في قتله. فمالك دفعه كبره ورئاسته لقومه في التعالي والترقي لمرتقى صعب أطاح برأسه المترفع عن الانقياد لخليفة رسول الله. وقد ثبت بعدة روايات أنه كان ممن اتبع سجاح وسار في ركابها.

أما زواج خالد بن الوليد من امرأة مالك بن نويرة فغاية ما فيه أنه خالف عرف العرب في كراهية الزواج أثناء القتال، وهو ما لامه عليه أبو بكر وعنفه عليه، ولكن لا يمكن أن يُتهم خالداً بأنه تزوج أم تميم فور وقوعها في يده لعدم صبره على جمالها، ولهواه السابق فيها، وبذلك يكون زواجه منها-حاشا لله-سفاحًا، فهذا القول ساقط مستحدث على يد المستشرقين أعداء التاريخ الإسلامي، لا يعتد به؛ إذ خلت المصادر القديمة من الإشارة إليه، بل هي على خلافه في نصوصها الصريحة. ويذكر الماوردي أن الذي جعل خالد يقوم على قتل مالك هو منعه للصدقة التي استحل بها دمه، وبذلك فسد عقد المناكحة بينه وبين أم تميم، وحكم نساء المرتدين إذا لحقن بدار الحرب أن يسبين ولا يقتلن، كما يشير إلى ذلك الإمام السرخسي، فلما صارت أم تميم في السبي اصطفاها خالد لنفسه، فلما حلت بنى بها.

الانتقاد الثالث: عزله من القيادة العامة لجيوش الشام

عندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة بعد وفاة أبي بكر الصديق-رضي الله عنهما-كان من أولى قرارته عزل بعض عمال وأمراء أبي بكر الصديق ومنهم خالد بن الوليد. والسبب وراء ذلك اختلاف وجهة نظر الرجلين في إدارة شئون الحكم. فالصديق كان من سنته مع عماله وأمرائه أن يترك لهم حرية التصرف كاملة في حدود الشرع، مشروطا ذلك بتحقيق العدل كاملاً بين الناس، ثم لا يبالي أن يكون لواء العدل منشوراً بيده، أو بيد عماله، وولاته، فللوالي حق يستمده من سلطان الخلافة في تدبير أمر ولايته من دون رجوع في الجزئيات إلى أمر الخليفة. وكان أبو بكر لا يرى أن يكسر على الولاة سلطانهم في مال، أو غيره ما دام قائماً في رعيتهم.

في حين أن الفاروق عمر كان يشتد على عماله وأمرائه ويشترط عليهم مناصفة أموالهم وأملاكهم بعد انتهاء ولايتهم، وألا يقطع منهم أمراً عاماً إلا بإذن الخليفة نفسه.

وبلغة العصر كان أبو بكر الصديق يؤمن بالا مركزية المرنة في إدارته لشئون الخلافة، في حين يؤمن عمر الفاروق بالمركزية الصارمة في إدارة شئون البلاد.

وكان الفاروق قد أشار على الصّديق بأن يكتب لخالد-رضي الله عنهم جميعا-"ألا يعطي شاة، ولا بعيرا إلا بأمره (أي أمر أبي بكر)"، فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك، فكتب إليه خالد: "إما أن تدعني وعملي، وإلا فشأنك، وعملك"، فأشار عليه بعزله، ولكن الصديق أقر خالداً على عمله.

 

ولما تولى الفاروق الخلافة أراد أن يعدل بولاة وأمراء أبي بكر-رضي الله عنه-إلى منهجه، وسيرته، فرضي بعضهم، وأبى آخرون، وكان ممن أبى عليه ذلك خالد بن الوليد فعزله عمر.

الانتقاد الرابع: العزل الثاني لخالد

في السنة السابعة عشرة، فقد بلغ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أن خالدا وعياض بن غنم أدربا في بلاد الروم، وتوغلا في دروبهما، ورجعا بغنائم عظيمة، فتغني الناس بفعاله، وفتنوا به أشد فتنة، وصار اسمه كفيلاً بإلقاء الرعب في قلوب أعدائه، فقصده الشعراء من أهل الآفاق لمدحه ونول جوائزه على عادة العرب، منهم الأشعث بن قيس الكندي الذي مدحه بقصيدة رائعة، فأجازه خالد بعشرة آلاف درهم، وكان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله، فكتب عمر إلى قائده العام أبي عبيدة يأمره بالتحقيق مع خالد في مصدر المال الذي أجاز منه الأشعث تلك الإجازة العامرة، فإن أقر أنها من مال المسلمين، فتلك خيانة أمانة، وإن أقر أنها ماله، فذاك إسراف، فكلا الأمرين يعزل عن العمل في الجيش إطلاقا، وأن يُؤخذ نصف ماله، ويتم استقدمه إلى المدينة.

تم استجواب خالد عن طريق أبي عبيدة، فأقر أن الجائزة من ماله الخاص، فحكم أبو عبيدة ببراءته من خيانة الأمانة، ولكنه أمره بالتوجه إلى المدينة، فذهب إليها خالد محتجاً على قرار الخليفة، ودارت نقاشات طويلة بينهما، وأصر عمر بن الخطاب على قراره. ولما كثر اللغط في الأمصار، وهمهم الناس بالكلام والتأويلات الفاسدة، قطع عمر بن الخطاب الظنون بسيف الحق، وأرسل منشوراً قرئ على الناس في الأمصار، جاء فيه: "إني لم أعزل خالدًا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه ويُبتلوا به. فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة."

فعمر-رضي الله عنه-كان يحمي جناب التوحيد، يقطع الطريق على الناس في تعلقهم بالأسباب، ونسيان رب الأسباب، فالله هو الذي يصنع، وهو الذي يأتي بالنصر، على يد من يشاء من عباده.

ومما يدلل على مكانة خالد بن الوليد عند الخليفة عمر بن الخطاب-رضي الله عمهنا-أنه لما مات خالد، حزن عليه عمر أشد الحزن ولكاه ونعاه، حتى إنه مرَّ بنسوة من بني مخزوم يبكينه، فقيل له: ألا تنهاهنَّ؟ فقال: "ما على نساء قريش أن يَبكِينَ أبا سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة، على مثله تبكي البواكي".

ومما يدل على محبة خالد لعمر، وتفهمه لشدته عليه، ما أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: "دخل أبو الدرداء على خالد في مرض موته، فقال له خالد: يا أبا الدرداء! لئن مات عمر؛ لترين أمورا تنكرها. فقال أبو الدرداء: وأنا والله أرى ذلك! فقال خالد: قد وجدت عليه في نفسي في أمور، لما تدبرتها في مرضي هذا، وحضرني من الله حاضر؛ عرفت: أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل، كنت وجدت عليه في نفسي حين بعث من يقاسمني مالي، حتى أخذ فرد نعل وأخذت فرد نعل، ولكنه فعل ذلك بغيري من أهل السابقة، وممن شهد بدرا، وكان يغلظ علي، وكانت غلظته على غيري نحوا من غلظته علي، وكنت أدل عليه بقرابته، فرأيته لا يبالي قريبا، ولا لوم لائم في غير الله، فذلك الذي ذهب عني ما كنت أجد عليه، وكان يكثر علي عنده، وما كان ذلك إلا على النظر؛ فقد كنت في حرب، ومكابدة، وكنت شاهدا، وكان غائبا، فكنت أعطي على ذلك، فخالفه ذلك في أمري".

 

 

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات