سلسلة الأخلاق المذمومة: العجلة والتسرع - خطب مختارة

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2024-04-22 - 1445/10/13
التصنيفات:

اقتباس

والحق أن هناك فرقًا كبيرًا بين التسرع والتعجل بمعنى التهور وفقدان الحكمة والتريث، وبين المسارعة في الخيرات والمسابقة إليها، فالأولى مذمومة، وأما الثانية فهي ممدوحة ومستحبة ومرغب فيها، يقول الله -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)...

كلما مرت بنا الأزمان والأحداث أكدت لنا تلك الحقيقة الصادقة؛ وهي أن: "العجلة لا تأتي إلا بِشرٍ"؛ فحيثما وجدتَ التعجل والتسرع وجدتَ معهما الندامة والحسرة والخذلان!... فإذا تعجل الوارث موت مورثه فقتله ليرثه، عوقب بخلاف مراده؛ فحُرِم من الميراث، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "القاتل لا يرث"(رواه الترمذي، وصححه الألباني).

 

ومثله من تعجل التلذذ بالمحرمات في الدنيا حرمه الله منها في الجنة، فعن ابن عمر، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها حُرِمَهَا في الآخرة"(متفق عليه)... وقد وضعوا لذلك قاعدة نصها: "من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه".

 

وفي الدعاء كذلك -فمع أن الله -تعالى- أمر به وحث عليه- فإن من تعجل الإجابة ولم يتصبر لحكمة الله -عز وجل- عاقبه الله بعدم إجابة دعائه، فعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي"(متفق عليه)... وما فطن أن لله في تأخير الإجابة حكمة: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ)[يونس: 11]، "يعني: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشر بما لهم فيه مضرة ومكروه في نفس أو مال. 

قال ابن عباس: هذا في قول الرجل لأهله وولده عند الغضب: لعنكم الله لا بارك الله فيكم. 

وقال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وماله وأهله وولده بما يكره أن يستجاب له فيه"(تفسير الخازن).

 

وفي غزوة أحد يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- للرماة على الجبل: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"(رواه البخاري)، ومع ذلك فقد نعجلوا حين رأوا بوادر النصر، فخالفوا الأمر النبوي وتركوا أماكنهم، فكانت الهزيمة واشتد القتل في المسلمين... والسبب: التعجل والتسرع! 

 

ولما تعجل نبي الله موسى -عليه السلام- ولم يصبر على ما فعله الخضر مع أنه أخذ عليه العهد: (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)[الكهف: 70]، أقول: لما تعجل حرم نفسه وحرمنا بعده من أن نطلع على مزيد من حكمة الله -تعالى- في أفعاله، وفي هذا يقول رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم-: "يرحم الله موسى، لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما"(متفق عليه).  

 

لذلك جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التعجل من الشيطان قائلًا: "الأناة من الله، والعجلة من الشيطان"(رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

 

ولقد "كانت العرب تكني العجلة: أم الندامات"(روضة العقلاء، لابن حبان)، وهي كذلك بحق؛ فكم من قائد لسيارته تعجل وتسرع فوقعت الحادثة المروعة! و "رب عجلة أورثت ريثًا"، وكم من متسرع في النطق بكلمة كان فيها هلاكه؛ فعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب"(متفق عليه).

 

***

 

والتسرع والتعجل هي طبيعة الإنسان قبل أن يهذبه دين الإسلام: (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا)[الإسراء: 11]، فكأنه مخلوق من التعجل بدلًا من الطين: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ)[الأنبياء: 37].

 

لذلك تجد الإسلام يأمر أتباعه أن يكبحوا جماح استعجالهم ويتصبروا ويتأنوا؛ فهذا خباب بن الأرت يأتي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستبطئًا النصر ومتعجلًًا التمكين وهو يقول: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فأجابه -صلى الله عليه وسلم-: "قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"(رواه البخاري)، نعم؛ صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ولكنكم تستعجلون".

 

وبمثل ذلك أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسألة الرزق؛ فعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قام النبي -صلى الله عليه وسلم- فدعا الناس، فقال: "هلموا إلي"، فأقبلوا إليه فجلسوا فقال: "هذا رسول رب العالمين جبريل نفث في روعي أنه: لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وإن أبطأ عليها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته"(رواه البزار في مسنده، وصححه الألباني).

 

***

 

وإن كان ما سبق هو القاعدة، فإن لكل قاعدة استثناء: يقول حاتم الأصم: "كان يقال: العجلة من الشيطان إلا في خمس: إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب"(حلية الأولياء، لأبي نعيم).

 

والحق أن هناك فرقًا كبيرًا بين التسرع والتعجل بمعنى التهور وفقدان الحكمة والتريث والتدبر في الأمور، وبين المسارعة في الخيرات والمسابقة إليها، فالأولى مذمومة، وأما الثانية فهي ممدوحة ومستحبة ومرغب فيها، يقول الله -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)[آل عمران: 133]، ويقول -عز من قائل-: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)[المطففين: 26].

 

وقد نطق النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقول الفصل حين قال: "التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة"(رواه أبو داود، وصححه الألباني).

 

وفيما يلي عدد من الخطب المنبرية التي تنعى على التعجل والمتعجلين، وتمدح الأناة والمتأنين، فكن متأنيًا صبورًا وطالعها: 

 

العنوان

الاستعجال المذموم

2024/10/19 4055 1334 38

هناك أمورٌ لا تَدخُل في العجلة المذمومة، بل مطلوبٌ أن يبادرَ المرءُ بفعلها، ويسارعَ إلى اغتنامها، فمِمَّا لا يحتمل التأخيرَ أو التأجيلَ: الإقلاعُ عن الذنوب والمعاصي، وسرعةُ التوبة والإنابة إلى الله، والمبادَرةُ إلى فِعْلِ الطاعاتِ، وانتهازُ الفرصِ إذا حانَتْ...

المرفقات

الاستعجال المذموم.doc

الاستعجال المذموم.pdf


العنوان

الاستعجال وصوره

2016/03/27 8612 756 16

صاحب العجلة -يا كرام- إن أصاب فرصته لم يكن محمودًا، وإن أخطأها كان مذمومًا، والعجِل لا يسير إلّا مناكبًا للقصد، منحرفًا عن الجادّة، يلتمس ما هو أنكد وأوعر وأخفى مسارًا، كي يصل بأخصر الطرق...

المرفقات

وصوره


العنوان

الاستعجال

2016/05/30 10080 912 3

العجلة في غير موضعها تدل على خفة العقل، وقلة رزانته، وغلبة الشهوة عليه؛ ولهذا قال ابن القيم: "لا حكمة لجاهل، ولا طائش، ولا عجول"، وجاء في الحديث: "التأني من الله، والعجلة من الشيطان".

المرفقات

العنوان

ولكنكم تستعجلون

2016/12/18 13414 857 22

أين هذه الصورُ من النصرِ للمؤمنينَ، وما نراه اليومَ من خذلانِنا لهم؟ فها هي وسائلُ الإعلامِ تنقلُ يومياً وعلى الهواءِ مباشرةً، أحداثاً تُدمي القلوبَ، ووقائعَ تُبكي العيونَ، هناك يُقتلونَ حَرقاً، وهناك يموتون غَرقاً، هناك هدموا البيوتَ فأصبحت خرابا، وهناك قتلوا الطفلَ والكبيرَ والعجوزَ والشابَ، هناك أعراضُ الحرائرِ تُستباحُ، وهناك تُهدمُ مآذنُ تدعو إلى الفلاحِ، نساءٌ ترملت، وأطفالٌ تيتّمت، صوتُ صواريخَ ومدافعَ، دموع وآهات ومواجع، دماءٌ تسيلُ، من مذبوحٍ ومشنوقٍ وقتيلٍ، في سوريا ظلمٌ للعبادِ، في بورما تشريدٌ من البلادِ، وأما القدسُ فوصمةُ عارٍ في جبينِ التاريخِ، كل ذلك على مرأى ومسمعٍ من العالمِ كلِه...

المرفقات

تستعجلون3


العنوان

ولكنكم تستعجلون

2012/03/12 16863 1160 70

على أرباب الاستعجال أن يعلموا أن لله في خلقه سننًا لا تتبدل، وأن لكل شيء أجلاً مسمى، وأن الله لا يعجل بعجلة أحد من الناس، وأن لكل ثمرة أوانًا تنضج فيه، فيحسن عندئذ قطافها، والاستعجال لا ينضجها قبل وقتها، فهو لا يملك ذلك وهي لا تملكه ولا الشجرة التي تحملها، إنها خاضعة للسنن الكونية التي تحكمها وتجري عليها بحساب ومقدار.. إن العجلة في غير موضعها تدل على خطل العقل وقلة رزانته وغلبة الشهوة عليه ..

المرفقات

تستعجلون


العنوان

العجلة وآثارها

2018/03/04 5370 761 17

إنّ من الصفاتِ المذمومةِ التي جاءتْ الشريعةُ بالنهيِ عنها: صفةَ العجلةِ وعدمَ التروي في المواقفِ وأخذِ القراراتِ. يقولُ اللهُ -سبحانه-: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ)، وقالَ سبحانه: (وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا)؛ ففي هذهِ الآيتين وَصَفَ اللهُ الإنسانَ بأنّ فيهِ عجلةً في أمورهِ وتسرُّعًا في أحوالهِ، وما كان ذلك...

المرفقات

العجلة وآثارها


العنوان

التحذير من العجلة

2016/03/26 8565 961 53

وقد تُفضِي العجَلَةُ إلى الطيشِ، ووضعِ الأشياءِ في غير موضعِها، فيجنِي الإنسانُ على نفسِه ومُجتمعِه وأمَّتِه، ومن كان ديدَنُه الاستِعجال أسَرَتْه الظُّنون والشُّكوك، وأُصيبَ بداءِ تتبُّع عورات الآخرين وترصُّد الزلاَّت. التجرُّؤُ على الفُتيا، واستِعجالُ التصدُّر قبل النُّضوج والرُّسُوخ في العلمِ سُوءُ سيرةٍ، ومزلَقٌ ومهلَكةٌ، وأيسرُ الناسِ على الفُتيا أقلُّهم علمًا. يقولُ بعضُ السلَف في زمانِه: "ولبَعضُ من يُفتِي ها هنا أحقُّ بالسَّجن من السُّرَّاق".

المرفقات

من العجلة


العنوان

التحذير من العجلة

2018/03/02 22615 1058 73

فالعَجُول أموره مُدْبِرَة، وبضاعته كاسدة، ويندفع بلا عقل ولا روية، وكلما لاح له طمع بادَر إليه مما قد يُوَرِّطُهُ في الولوغ في دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم وتكفير المسلمين واتهامهم في نياتهم، فأنى يوفَّق هذا العَجُول المتكايس؟ وكيف يسدَّد هذا المستعجل المتحامق؟

المرفقات

التحذير من العجلة


العنوان

العجلة المحمودة والمذمومة في حياة المسلم (1)

2020/09/14 3091 860 9

إنَّ للصَّلاة مكانة عظيمة في هذا الدين؛ فهي عموده، وثاني أركانه بعد الشهادتين، وآخر ما يذهب من هذا الدين، وآخر وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل موته، وأول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، وهي قرة عين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومفزعه عند الشدائد، فبادروا في أداءها في وقتها ومع الجماعة، واحذروا الاستعجال في أداءها، والإخلال في...

المرفقات

العجلة المحمودة والمذمومة في حياة المسلم (1)


العنوان

العجلة المحمودة والمذمومة في حياة المسلم (2) (استعجال إجابة الدعاء)

2020/08/04 5692 785 22

واعلموا أن الله -تعالى- قد يؤخر إجابة الداعي؛ لأنه يحب الملحين في الدعاء ويحب المتضرعين، فقد يبتلي الرب -جل وعلا- عبده بل قد يبتلي شعباً كاملاً؛ لأنه يريد منه الدعاء والتضرع،...

المرفقات

العجلة المحمودة والمذمومة في حياة المسلم (2) (استعجال إجابة الدعاء)


العنوان

بين التؤدة والاستعجال

2016/04/21 10387 751 14

الاستعجال في العموم مذموم في الإسلام، والعجلة من الشيطان؛ لأن الشيطان يستغل العجلة في ابن ادم، ويسهل عليه ترويج الشر من حيث لا يشعر ذلك المستعجل، فمن فرط الاستعجال قد يقسم ويحلف كذبًا وظلما استعجل، ومن فرط الاستعجال قد يطلق امرأته بلا تفكير، ومن فرط الاستعجال قد يثق الإنسان فيمن لا يوثق فيه، وقد يكشف أسراره لمن لا يؤتمن بسر بأن يستعجل، وبسبب الاستعجال قد يقرر الإنسان قرارًا خطأ فيندم والأمثلة كثيرة كلها بسبب الاستعجال أحد المنافذ الكبيرة للشيطان على الإنسان. بخلاف من تمهل وتروى عند الإقدام على عمل يريده؛ فإنه بالتأني تحصل له بصيرة بالعمل قبل العمل...

المرفقات

التؤدة والاستعجال


العنوان

الاستعجال

2013/03/05 7539 1739 16

لقد خلق الله هذا الإنسان وأودع في نفسه كوامن للخير والشر، وأكثر في نفسه طبع الاستعجال، وهو يعني طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وأمْرُ هذا الإنسان كما قال تعالى: (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً)، أي إن الإنسان يدعو أحيانًا على نفسه وولده أو ماله بالشر عند الغضب، ويبادر بالدعاء لذلك كما يبادر بالدعاء بالخير، ولكن الله...

المرفقات

2


إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
11-10-2024

السلام عليكم ورحمة الله