اقتباس
والحق أن هناك فرقًا كبيرًا بين التسرع والتعجل بمعنى التهور وفقدان الحكمة والتريث، وبين المسارعة في الخيرات والمسابقة إليها، فالأولى مذمومة، وأما الثانية فهي ممدوحة ومستحبة ومرغب فيها، يقول الله -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)...
كلما مرت بنا الأزمان والأحداث أكدت لنا تلك الحقيقة الصادقة؛ وهي أن: "العجلة لا تأتي إلا بِشرٍ"؛ فحيثما وجدتَ التعجل والتسرع وجدتَ معهما الندامة والحسرة والخذلان!... فإذا تعجل الوارث موت مورثه فقتله ليرثه، عوقب بخلاف مراده؛ فحُرِم من الميراث، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "القاتل لا يرث"(رواه الترمذي، وصححه الألباني).
ومثله من تعجل التلذذ بالمحرمات في الدنيا حرمه الله منها في الجنة، فعن ابن عمر، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها حُرِمَهَا في الآخرة"(متفق عليه)... وقد وضعوا لذلك قاعدة نصها: "من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه".
وفي الدعاء كذلك -فمع أن الله -تعالى- أمر به وحث عليه- فإن من تعجل الإجابة ولم يتصبر لحكمة الله -عز وجل- عاقبه الله بعدم إجابة دعائه، فعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي"(متفق عليه)... وما فطن أن لله في تأخير الإجابة حكمة: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ)[يونس: 11]، "يعني: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشر بما لهم فيه مضرة ومكروه في نفس أو مال.
قال ابن عباس: هذا في قول الرجل لأهله وولده عند الغضب: لعنكم الله لا بارك الله فيكم.
وقال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وماله وأهله وولده بما يكره أن يستجاب له فيه"(تفسير الخازن).
وفي غزوة أحد يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- للرماة على الجبل: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"(رواه البخاري)، ومع ذلك فقد نعجلوا حين رأوا بوادر النصر، فخالفوا الأمر النبوي وتركوا أماكنهم، فكانت الهزيمة واشتد القتل في المسلمين... والسبب: التعجل والتسرع!
ولما تعجل نبي الله موسى -عليه السلام- ولم يصبر على ما فعله الخضر مع أنه أخذ عليه العهد: (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)[الكهف: 70]، أقول: لما تعجل حرم نفسه وحرمنا بعده من أن نطلع على مزيد من حكمة الله -تعالى- في أفعاله، وفي هذا يقول رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم-: "يرحم الله موسى، لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما"(متفق عليه).
لذلك جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التعجل من الشيطان قائلًا: "الأناة من الله، والعجلة من الشيطان"(رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
ولقد "كانت العرب تكني العجلة: أم الندامات"(روضة العقلاء، لابن حبان)، وهي كذلك بحق؛ فكم من قائد لسيارته تعجل وتسرع فوقعت الحادثة المروعة! و "رب عجلة أورثت ريثًا"، وكم من متسرع في النطق بكلمة كان فيها هلاكه؛ فعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب"(متفق عليه).
***
والتسرع والتعجل هي طبيعة الإنسان قبل أن يهذبه دين الإسلام: (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا)[الإسراء: 11]، فكأنه مخلوق من التعجل بدلًا من الطين: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ)[الأنبياء: 37].
لذلك تجد الإسلام يأمر أتباعه أن يكبحوا جماح استعجالهم ويتصبروا ويتأنوا؛ فهذا خباب بن الأرت يأتي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستبطئًا النصر ومتعجلًًا التمكين وهو يقول: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فأجابه -صلى الله عليه وسلم-: "قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"(رواه البخاري)، نعم؛ صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ولكنكم تستعجلون".
وبمثل ذلك أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسألة الرزق؛ فعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قام النبي -صلى الله عليه وسلم- فدعا الناس، فقال: "هلموا إلي"، فأقبلوا إليه فجلسوا فقال: "هذا رسول رب العالمين جبريل نفث في روعي أنه: لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وإن أبطأ عليها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته"(رواه البزار في مسنده، وصححه الألباني).
***
وإن كان ما سبق هو القاعدة، فإن لكل قاعدة استثناء: يقول حاتم الأصم: "كان يقال: العجلة من الشيطان إلا في خمس: إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب"(حلية الأولياء، لأبي نعيم).
والحق أن هناك فرقًا كبيرًا بين التسرع والتعجل بمعنى التهور وفقدان الحكمة والتريث والتدبر في الأمور، وبين المسارعة في الخيرات والمسابقة إليها، فالأولى مذمومة، وأما الثانية فهي ممدوحة ومستحبة ومرغب فيها، يقول الله -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)[آل عمران: 133]، ويقول -عز من قائل-: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)[المطففين: 26].
وقد نطق النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقول الفصل حين قال: "التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة"(رواه أبو داود، وصححه الألباني).
وفيما يلي عدد من الخطب المنبرية التي تنعى على التعجل والمتعجلين، وتمدح الأناة والمتأنين، فكن متأنيًا صبورًا وطالعها:
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم