اقتباس
رمضان شهر الفطام: فمن أهم مقاصد فريضة الصيام؛ الاستعلاء القلبي والنفسي على أسلوب الحياة المعتاد، وكسر النمطية الرتيبة لأيام الناس طيلة العام والتي جعلت حياتهم أشبه ما يكون بالروتين الممل الذي يقتل كل إبداع ويعيق أي تغيير!!
أقبل رمضان، وتسارع الناس للاستعداد في استقباله والتهيؤ له بصنوف الأفكار والخطط التي تهدف لتحقيق أقصى استفادة من الشهر المبارك الذي لا يأتي إلا مرة واحدة في العام بخيراته ونفحاته وروحانياته.
وقبل قدوم الشهر علينا، لابد من وقفة حاسمة مع السؤال الأبرز، والمسكوت عنه أو بالأحرى المتهرب من إجابته عند الكثيرين: هل توجد خطة جديدة بأهداف جديدة وأفكار جديدة بدلاً من خطط كل عام التي لا يسأم الكثيرون من تكرارها وإعادة تدويرها، رغم التأكد من فشلها المتوالي في إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس؟!
وقد يأتي نفس السؤال بصيغ أخرى أوضح وأظهر:
لماذا نفشل في تحويل فورة الحماس التعبدي والتهذيب السلوكي الطارئ والمؤقت في شهر رمضان إلى تغيير حقيقي ودائم؟!
لماذا ننتكس بعد رمضان ويهوي مؤشر العبودية لنعود إلى ما كنا عليه قبل دخول الشهر؟!
لماذا لا يتحول السلوك التعبدي والرشد الأخلاقي في رمضان إلى أسلوب حياة ونمط مستمر طوال العام؟!
كلها أسئلة تدور في إطار وفكرة جامعة ومصيرية في حياة كل من أدرك رمضان أعوام كثيرة وسنين متتالية دون أدنى تغيير يذكر في حياته.
والحقيقة أن إجابة هذا السؤال المصيري تحتاج من الشخص جراءة كبيرة وعزم أكيد ونية خالصة، لأنها ستكون بمثابة ما يُعرف في علم التشغيل والإصلاح ب"استعادة ضبط المصنع" ونعني بالمصنع هنا منظومة التفكير التي انبثقت منها خطط شهر رمضان التي يسارع الناس فيها.
فغالب الناس ينتكسون بعد رمضان أو على أقل تقدير لا يستطيعون مواصلة نفس النمط التعبدي بسبب انصباب تركيزهم خلال شهر رمضان على تحسين أداء العبادة لا تأسيسها وتضمينها في نمط حياتهم، وإنما الخلل الحقيقي في ذات العبادة ولبها وأصل كيانها. فالاهتمام برفع مستوى العبادة والإكثار منها وتجويدها شيء، والاهتمام بتثبيتها والمداوة عليها وجعلها بند ثابت في حياة العبد شيء آخر يختلف تماماً. فتحسين الأداء إجراء، وتثبيت العبادة تأصيل. والتأصيل يحتاج إعادة التموضع وتغيير النظرة وتجديد الفكرة.
تلك الأمور لا يمكن تحصيلها والوصول لوضعية استعادة ضبط المصنع إلا من خلال التغلب على عوائق التغيير ومؤثرات التفكير وتصحيح النظرة الخاطئة عن شهر رمضان وعن معنى العبادة فيه. ومن أبرزها:
رمضان شهر عبادة لا عادة: فغالب الناس تتعامل مع شهر رمضان على أنها عادة اجتماعية جميلة توارثها الأجيال، فجمال الشهر عندهم في اجتماع الأسرة ولمّة العائلة وتبادل العزومات والتباري في الولائم، وفي السمر ليلاً أو عقد الدورات الرياضية والمسابقات الثقافية، ومن مكملات الجمال في هذا الشهر جماعية العبادة، مثل صلاة التراويح في المساجد، وحلق القرآن، وإطعام الصائمين، وعندما تختلط العادة بالعبادة تفسدها وتحولها إلى طقس موسمي يغلب عليها الجانب الفولكلوري.
ورمضان إذا تحول إلى عادة اجتماعية فقد فُرِّغ من محتواه الإيماني والتعبدي، وفقدت الطاعة مغزاها وأصبحت عبارة عن سلوكيات وممارسات خالية من فحوى العبادة، فإن كل عادة اجتماعية تكتسب مع الوقت صفات ملزمة يُضيِّق بها الناس على أنفسهم، فيصبح همّ الناس تحصيل هذا المعني المغلوط عن شهر رمضان، وإهمال حقائق الشهر التعبدية.
وإن من أصعب معوقات التغيير؛ كسر العادات واستعادة روح العبادات؛ لأن العادات تترسخ مع الوقت وتصيب لوثتها الكثيرين، حتى المتدينين منهم والمثقفين يعتبرون تلك العادات من قبيل العرف المجتمعي المعتبر عند أهل العلم، وهم لا يدركون فداحة هذه التحريف الخطير لمعنى العبودية.
رمضان شهر الفطام: فمن أهم مقاصد فريضة الصيام؛ الاستعلاء القلبي والنفسي على أسلوب الحياة المعتاد، وكسر النمطية الرتيبة لأيام الناس طيلة العام والتي جعلت حياتهم أشبه ما يكون بالروتين الممل الذي يقتل كل إبداع ويعيق أي تغيير!!
فرمضان شهر فطام ليس عن الشهوات والعادات السيئة والذنوب فحسب، بل الأهم من ذلك الفطام عن دنياك بكل تفاصيلها، وإحداث ثورة شاملة على المعتاد وطريقة التعامل مع وقتك وأيامك، فالخروج عن المألوف أهم خطوات التغيير والإبداع والتأصيل التعبدي.
وبالنظر إلى نمط الحياة المعاصرة، الذي يراد له أن يُعَوْلَمَ ويسود، يصح القول بأننا اليوم أحوج ما نكون إلى هذا الدرس الرمضاني على وجه الخصوص، حيث إن سياق الحياة الراهنة أدخل الإنسان في دوامة الاستهلاك وكبّله بحاجات زائفة؛ ذلك لأن المضمون الثقافي الذي يتخلل الأنماط التربوية المهيمنة مضمون مادي يختزل حاجات الإنسان في بهرج الأشياء وثقافة الصورة. وذاك جوهر الرؤية المادية التي يتأسس عليها نمط العيش المعاصر والتي يهدف شهر رمضان لكسرها وتصحيح مسارها.
ورمضان فرصة للتغيير لمن تعود على حياة المترفين، ونشأ على حب الدعة واللين، أن يأخذ من رمضان درساً في تربية النفس على المجاهدة والخشونة في أمر الحياة، فربما تسلب النعمة، وتحل النقمة فالدنيا غدارة غرارة مناحة مناعة، وإقبال الدنيا كإلمامة طيف، أو غمامة صيف، أو زيارة ضيف، عن أبي عثمان النهـدي قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "اخشوشنوا، واخشوشبوا واخلولقوا وتمعددوا كأنكم معد وإياكم والتنعم وزي العجم".
رمضان شهر التعافي: ونعني به التعافي النفسي والقلبي من آثار ولوثات نمط الحياة المعاصرة والتي تنخر نفسية الإنسان بسبب طغيان رغبات التملك والاستهلاك.
فنمط العيش المعاصر كبّل الإنسان برغبات زائفة تحولت بضغط العادة والمحاكاة إلى حاجات يظل الإنسان يلهث ليل نهار من أجل سدّها. وفي ظل هذا النمط الاستهلاكي يفقد الإنسان القدرة على ضبط اختياراته واستجاباته لمثيرات غرائزه. لذلك كان الإدمان بصوره الكثيرة من أكبر مشكلات الإنسان في العصر الحديث، إذ لا يتعافى منه إلا من رحم الله-عز وجل-.
وبإمعان النظر في عبادة الصوم والتأمل في كيفيتها الصحيحة، كما أوصى بها النبي-صلى الله عليه وسلم- في أحاديث الجميع يحفظها، يتضح لنا أنها بالفعل تدريب فاعل على التعافي النفسي والسلوكي، فهي ليست فقط ضبطاً لرغبة الاستهلاك، بل تتجاوزه إلى ضبط ميولات النفس وانفعالاتها.
رمضان وفك الاشتباك: ففي كل عام ومع دخول شهر رمضان يتناوش فريقان من الناس في أفضل سبيل لاستغلال الشهر المبارك، الفريق الأول يرى الإكثار من العبادة، والفريق الثاني يرى تجويدها وإتقانها، وكلاهما يتنازع في أفضلية سبيله، والحق أن لا تعارض بين الفريقين من حيث الغايات والأهداف، فقط في الوسائل والآليات، في حين أن لكل دوره ووظيفته، والإشكالات التي تنشأ في محاولة ضبطهما أو الجمع المتوازن بينهما في مختلف الخطط عامة وفي طموحات العبادة خاصة، سببها الرئيس آفة النظر للآخرين، والمقارنات المحمومة بالغير، والبحث عن الغنائم السهلة والذي يعتمد على مفهوم الاستعجال والسرعة من أجل الإنجاز، وحشد أكبر كمّ في أقصر زمن، وعلى لهفة الوصول لخط النهاية من أجل التخلص لا الإخلاص، ثم الانتقال لنقطة البداية مرة أخرى من أجل إعادة الكرة وتضخيم الإنجاز! وذلك يكون في النهاية على حساب الاستفادة والتأسيس للعبودية المستدامة.
فتجويد العبادة وإتقانها وتركيزها بتعظيم الإذعان، وشحذ القلوب بكثرة التدبر وإعمال النظر وتجديد التوبة، والاهتمام بالكيف على حساب الكمّ، كلها أمور تنشط القلوب من عقالها، وتحلق بالنفوس في مراقي العلا، فتخطو بها على درب السائرين، وتدخلها في زمرة المتنافسين، فإنها تحتاج قبل شهر رمضان للشحذ والتجلية، فالسير إلى الله تُقطع مسافاته بالقلوب المشحوذة، لا بالقلوب الصدأة المعلولة، ولعل تلك الغاية تبرزها حكمتها في حض الشارع على التهيؤ لشتى العبادات والتأهيل القلبي لها قبل الشروع فيها والتلبس بها.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم