عناصر الخطبة
1/من أوصاف القرآن العظيم 2/أدلة عزة القرآن الكريم 3/من وجوه إعجاز القرآن 4/أربعة مشاريع للمسلم نحو القرآن 5/شرف أهل القرآن وفضل صحبته.اقتباس
عِزَّةُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ كِتَابٌ مُعْجِزٌ، لَيْسَ فِي حُرُوفِهِ وَبَيَانِهِ فَقَطْ، بَلْ فِي مَضْمُونِهِ وَعُلُومِهِ، فَكَمْ فِي الْقُرْآنِ مِنْ عُلُومٍ لَا تَعْرِفُهَا الْبَشَرِيَّةُ، مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَنِهَايَةِ الْعَالَمِ، وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ بِتَفَاصِيلِهَا، نَاهِيكُمْ عَنْ عُلُومٍ دُنْيَوِيَّةٍ فِي الطِّبِّ وَالْفَلَكِ، وَعُلُومِ الأرض وَالْبِحَارِ، ذَكَرَهَا الْقُرْآنُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَشِفَهَا الْبَشَرُ، فَكَانَ هَذَا الْإِعْجَازُ الْمَسْطُورُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ سَبَبًا فِي هِدَايةِ مَنْ كَتَبَ اللهُ له الهِدَاية....
الخطبة الأولى:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله....
يَطِيْبُ الْحَدِيثُ عَنِ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ زمانٍ وَمَكَانٍ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ -سبحانه- كِتَابَهُ بِأَوْصَافٍ عَالِية سَامِقَةٍ، فَهُوَ كِتَابٌ كريم، ومصدِّقٌ حَكِيمٌ، ومُبَارَكٌ مُبِينٌ، ونُورٌ وَهُدًى، وشِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
بيد أن ثمة وصفاً شريفاً وصف الله به القرآن، جدير أن يُوقَف معه، وهو وصفه بأنه عزيز؛ حيث قال: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)[فصلت: 41].
فهذا الكتاب يا كرام موصوف بأنه عزيز، مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ عَزَّ، وَمَنِ اسْتَهْدَى بِهِ شَرُفَ، وَمَنْ خَدَمَهُ رَفَعَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وأَيُّ عِزَّةٍ أَعْظَمَ وَأَسْمَى من أَنْ يَعْجزَ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ إِنْسُهُمْ وَجِنُّهُمْ، حَتَّى وَلَوِ اجْتَمَعُوا وَكَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا أَنْ يَأْتُوا بسورة واحدة من مثله.
وَكُلُّ مَنْ تَجَاسَرَ فَأَتَى بِآيَاتٍ يَتَحَدَّى بِهَا الْقُرْآنَ، أَصْبَحَ كَلَامُهُ مِثَالًا لِلتَّنَدُّرِ وَالتَّسْخِيفِ وَالتَّخْرِيفِ.
عِزَّةُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ كِتَابٌ مُعْجِزٌ، لَيْسَ فِي حُرُوفِهِ وَبَيَانِهِ فَقَطْ، بَلْ فِي مَضْمُونِهِ وَعُلُومِهِ، فَكَمْ فِي الْقُرْآنِ مِنْ عُلُومٍ لَا تَعْرِفُهَا الْبَشَرِيَّةُ، مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَنِهَايَةِ الْعَالَمِ، وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ بِتَفَاصِيلِهَا، نَاهِيكُمْ عَنْ عُلُومٍ دُنْيَوِيَّةٍ فِي الطِّبِّ وَالْفَلَكِ، وَعُلُومِ الأرض وَالْبِحَارِ، ذَكَرَهَا الْقُرْآنُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَشِفَهَا الْبَشَرُ، فَكَانَ هَذَا الْإِعْجَازُ الْمَسْطُورُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ سَبَبًا فِي هِدَايةِ مَنْ كَتَبَ اللهُ له الهِدَاية.
عِزَّةُ الْقُرْآنِ تَتَجَلَّى فِي أَنَّهُ كِتَابٌ مُسْتَعْصٍ عَنِ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ، كَمَا كَانَ غَضًّا أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ، بَقِيَ قُرُونًا وَلَا يَزَالُ كَمَا نَزَلَ (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)[فصلت: 42].
كَمْ حَاوَلَ أَعْدَاءُ الْقُرْآنِ أَنْ يَمْحُوهُ مِنَ الْوُجُودِ، فَحَرَّقُوهُ، وحرفوه، وَقَتَلُوا أَهْلَهُ، فَبَقِيَ الْقُرْآنُ وَانْتَصَرَ، وَنُسِيَ أَعْدَاؤُهُ فَكَأَنَّهُمْ مَا وُجِدُوا وَمَا كَانُوا.
عِزَّةُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ كِتَابٌ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، فَهُوَ الْأَشْرَفُ وَالْأَعْلَى، وَالْأَبْقَى والأسمى، قالَ الحقُّ -سبحانه-: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)[المائدة: 48].
(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)، تَشَابَهَتْ آيَاتُهُ، وَتَكَرَّرَتْ بَعْضُ قِصَصِهِ وَعِظَاتِهِ، وفي كل سياق تجد فيه من الفوائد والدروس ما ليس في السياق الآخر (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)[الزمر: 23].
لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَعَارُضَ، وَلَا تَضَارُبَ بَيْنَ آيَاتِهِ وَلَا تَنَاقُضَ؛ (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)[النساء: 82].
(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)، قَوِيٌّ فِي حُجَجِهِ، مَنِيعٌ عَنْ مُقَارَعَتِهِ، فِيهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ مَا أَذْهَلَ عُقُولَ أَهْلِ الْعُقُولِ، مَنْ تَسَلَّحَ بِهِ انْتَصَرَ وَغَلَبَ، وَمَنْ نَابَذَهُ ذَلَّ وَعَطَبَ، فِيهِ مِنَ الْمُجَادَلَاتِ الْحَقَّةِ وَالدَّلَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الصَّحِيحَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)، إِذَا أَشْرَقَ الْقُرْآنُ فِي نَفْسِ الْعَبْدِ، أَشْرَقَ مَعَهُ الْخَيْرُ وَالْفَلَاحُ، وَالْأَخْلَاقُ وَالتَّوْفِيقُ وَالنَّجَاحُ.
تَرَى حَامِلَ هَذَا الْكِتَابِ عَزِيزًا فِي نَفْسِهِ، لَا يَرْكَنُ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يَطْلُبُ غَيْرَهُ، وَلَا يَطْرُقُ إِلَّا بَابَهُ.
تَرَى صاحب الْقُرْآنِ عَفِيفَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ، زَاهِدًا فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ لِأَنَّهُ بِاللَّهِ رَضِيَ وَاكْتَفَى، وَبِرِزْقِهِ قَنِعَ وَاسْتَكْفَى.
(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)، مَنْ شَغَلَهُ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فِي يَوْمِهِ تَالِيًا، وَفِي لَيْلِهِ مُصَلِّيًا، فَهُوَ الْعَبْدُ الْعَزِيزُ فِي دُنْيَا النَّاسِ.
عباد الله: وَحَامِلُ الْقُرْآنِ كذلك عَزِيْزٌ في حياتِهِ، "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ".
وعَزِيْزٌ عند مَمَاتِهِ، قَالَ -صلى الله عليه وسلم- عن الشُّهداءِ: قدِّموا للقبر أكثرهم قُرْآناً.
وَحَامِلُ الْقُرْآنِ عَزِيْزٌ بَعْدَ مَمَاتِهِ: "يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا".
وَمِنْ عِزَّةِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى إِلَّا فِي قَلْبِ مَنْ يَتَعَاهَدُهُ، وَيَتَفَلَّتُ عَمَّنْ يَهْجُرُهُ؛ وَلِذَا قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا"(رواه الْبُخَارِيُّ).
فيا طالباً للعزة: ها هو الكتاب العزيز بين يديك، بقدر عنايتك به تنال العزة، وإذا أرادت الأمة العزة فلتعط القرآن قدره في حياتها، ففيه عزتها وشرفها، وصدق ربنا إذا قال: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ)[الأنبياء: 10]؛ أَيْ: شَرَفُكُمْ.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده؛ أعظم كرامة للأمة أن جعل بين أيديها كتابه يتلونه ليلاً ونهاراً.
فيا أيها الموفق: ليكن لك في القرآن أربعة مشاريع:
أولها: مشروعٌ لحفظه أو حفظِ بعضه، فما تقرّب المتقربون إلى الله بحفظ شيءٍ أعظم وأولى مِن حفظ كلامه، فكم في صدرك منه، تنير به دربك، وتتلوه بعد ضعف بصرك، ويؤنسك حين توسد في قبرك؟
ولا تستطل الطريق، ولا تتعلل بالكِبَر، فالواقع يشهد أنه ليس أمام الحفظ كبير، وإذا كبرت الهمة صغر أمامها كل شيء وسهل.
وقد قال المصطفى لأصحابه يوماً، وقد رأى قدر النوق في القلوب "أيكم يجب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيعود منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟"، فكلٌّ قال: نعم. فقال: "أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل".
وأما المشروع الثاني: فمشروعٌ لتلاوته كل يوم، في رمضان وفي غيره، ولا يكفي أن يكون عند الفراغ، بل عُدَّه شُغلاً تخصص له وقتاً، فالقرآن عزيز إن زاحمتَه بالأشغال تركك، ويكفيك أن لك بكل آية عشرَ حسنات، فزد ما شئت أو أقلل.
وثالث المشاريع: مشروعٌ لتدبُّره، ولو بصفحة في كل يوم تتلوها بتفهم وتدبر، تحاول أن تفهم معناها، وأن تعيش هداياتها، وأن تستلهم منها الروح، فما أنزل القرآن إلا لذلك، وقد قال ابن القيم: فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها.
وأما المشروع الرابع: فهو مشروع حياة، لا مشروع يوم، وهو مشروع العمل به، فالقرآن أُنزل لنعمل به، ليكون دستورنا، ومنهج حياتنا، به نأتمر وبه ننتهي، فهو خطاب الله للأمة عن أرادت الاستقامة والسلامة.
وبعد أيها المسلمون: فالرفعة والقيادة، والكرامة والريادة، والعزة والسيادة، في الدنيا والآخرة، إنما هي لأهل القرآن، وعبر بوابة القرآن، فإذا أردت سعادة القلب وطمأنينة النفس ومضاعفة الأجر وجنة الخلد ورفعة الدرجات ومرضات رب البريات فها هو القرآن بين يديك، مدَّ يدك إليه، صحح العقد معه، وجدد العزم إليه، لتعمر به وقتك وقلبك وبيتك، فَمَنْ أَحْسَنَ صُحْبَةَ الْقُرْآنِ أَحْسَنَ اللَّهُ صُحْبَتَهُ.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن، واشرح به صدورنا، وارفع به أجورنا، واجعله شافعًا لنا وحجة لنا لا علينا.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم