عناصر الخطبة
1/فضائل عشر ذي الحجة 2/تنوع أبواب الخير والعمل الصالح 3/الإكثار من التكبير والتهليل والتحميد 4/سنن الأضحية وآدابها.اقتباس
تذكّر الحجاج واتجاههم إلى مولاهم مُهلّلين ومُكبّرين، حتى تنشط فتبادر إلى شيء من أعمالهم، فتكبّر الله معظّماً له، وتُهلّله لقصد إظهار محبتك له وميولك إليه، وتُمجِّده بالتحميد، فتظهر امتنانه عليك بنعمه الكثيرة، فما أعظمه من ذِكْر! وما أشرفه من وقت تكتسب فيه أحب الأعمال إلى الله....
الخطبةُ الأولَى:
الحمد لله مشرف بعض الأيام على بعض، وموقظ القلوب الغافلة بالتذكير والوعظ، أحمده -سبحانه- على ما أولاه علينا من نِعَمه العظيمة، وأشكره على جزيل برّه وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الإله العظيم الذي ذِكْرُه يجلي صدأ القلوب، ويزيل درنها، وخيرٌ من إنفاق الذهب والورق، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المفضل بأشرف الرسالة، وأوضح الدلالة، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وآله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله -تعالى-، وشمّروا لطلب الخيرات في أوقاتها، وإياكم والتفريط، فيا ذوي الهمم العالية، ويا طالبي التجارة الرابحة: اغتنموا الأعمال الصالحة، وخصوصاً في هذ الأيام العشر، فإنها ليست كسائر الأيام.
في الصحيح عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله -عز وجل- من هذه الأيام -يعني أيام العشر-؛ قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء".
ولفضل هذه الأيام وشرفها، فقد أقسم الله بها كما أقسم بغيرها من الأوقات الفاضلة والأعمال الصالحة، قال -تعالى-: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ)[الفجر: ١ – ٤]، فأكثروا فيها -رحمكم الله-، من التهليل والتكبير والصدقة والصيام، فهذه أوقات الإفاضات والنفحات، هذه أوقات يعج بالتلبية، وتقديم القرابين لأرحم الراحمين، هذه مواسم شريفة فما أولاها للاستقالة من الخطايا والسيئات، وإقالة العثرات، والتجاوز عن السيئات.
عباد الله: هذه مواسم الأرباح، من الباقيات الصالحات، هي الآن مُهيَّأة لنا، فهل منا من مكتسب فيها بالصدقة التي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار؟ إذ هي في وقت حاجة الفقراء لما يتطلبونه من النفقة والكسوة، والتوسعة على عائلاتهم، هل منا من صائم لهذه الأيام التسع لينال ثواب الصائم المُدّخر عند ربه الذي وعد به؟ بقوله: "الصوم لي وأنا أجزي به"؛ مع ما في هذه الأيام من مزية الفضل، وما للصائم من الفرحة عند فطره والفرحة عند لقاء ربه.
وهل من صائم ليوم عرفة طلباً لمحو الذنوب؟ لما روى مسلم عن أبي قتادة -رضي الله عنه-، قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صوم يوم عرفة؟ قال: "يكفّر السنة الماضية والباقية"، ولفظه عند الترمذي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي بعده والسنة التي قبله". فما أربحها من تجارة لمن وُفِّق إليها! وما أسهلها من طاعة لمن يريد الخير الكثير بالعمل القليل!
أيها المسلمون: يُستحب التكبير والتهليل والتحميد جهراً، في المساجد والأسواق والطُرق، في هذه الأيام فبادروا إليه -رحمكم الله-، وذكّروا الناس به، فإن الدال على الخير له أجره وأجر من عمل به، وقد كان ابن عمر وأبو هريرة -رضي الله عنهما- يخرجان إلى السوق فيكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما، حتى يكون للسوق ضجةٌ بالتكبير.
أخي المسلم: تذكّر الحجاج واتجاههم إلى مولاهم مُهلّلين ومُكبّرين، حتى تنشط فتبادر إلى شيء من أعمالهم، فتكبّر الله معظّماً له، وتُهلّله لقصد إظهار محبتك له وميولك إليه، وتُمجِّده بالتحميد، فتظهر امتنانه عليك بنعمه الكثيرة، فما أعظمه من ذِكْر! وما أشرفه من وقت تكتسب فيه أحب الأعمال إلى الله!
أيها المسلم: أحيي هذه السُنَّة التي تكاد أن تندثر، أحيي هذه الشعيرة العظيمة ليشهد لك السامع والحاضر، من إنسان وحيوان وجماد، أكثر الشهود بما تظهره من شعائر الإسلام، واحذر من الشهود بما تظهره من مخالفات، فحتماً ستقوم الأشهاد بين يدي الله يوم القيامة، على كل عامل بما عمل، من خير أو شر.
تذكّر صفات المؤمنين الموعودين بالمغفرة والأجر العظيم واعمل بها؛ قال -تعالى-: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[الأحزاب: ٣٥]، بارك الله...
الخطبة الثانية:
الحمد لله الواحد العظيم، الغني الحكيم، يغفر ذنب من أطاعه، ويذلّ مَن عصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحَكم العدل، مُيسِّر كلاً لما خُلِقَ له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فلا خير إلا ودلَّ الأُمَّة عليه، ولا شرّ إلا وحذّرها منه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله -تعالى-: واهتموا ببقية هذه الأيام الشريفة، بالمبادرة إلى الخيرات والمسابقة فيها، فحين ينحر الحاج هديه ويذبح قرابينه بمنى، فانحر أضحيتك واذبح قرابينك لله عند أهلك وذويك، فقد أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية؛ لقوله -تعالى-: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)[الكوثر: ٢]؛ قال المفسرون: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد، وقال ابن القيم -رحمه الله-: "القربان للخالق يقوم مقام الفدية، عن النفس المستحق للتلف".
فطيبوا بها نفساً -أيها المسلمون-، واختاروا أسمنها وأغلاها وأسلمها من العيوب، ولقد كان بعض السلف يسمّنون ضحاياهم رغبةً في عِظَم ثوابها.
أيها المسلمون: ومن أراد أن يضحي فلا يأخذن من أظفاره ولا من شعره شيئاً في الأيام العشر حتى يضحي، لما روى مسلم وغيره عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من كان له ذِبْح يذبحه فإذا أهلَّ هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي".
اللهم أعنا على ذِكْرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم وَفِّقنا للأعمال الصالحة ويَسِّرها لنا، اللهم لا تحرمنا أجرك ولا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، يا حي يا قيوم يا أرحم الراحمين.
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم