قطوف من سيرة ذي النورين

د. محمود بن أحمد الدوسري

2026-02-06 - 1447/08/18 2026-02-18 - 1447/09/01
التصنيفات: شخصيات مؤثرة
عناصر الخطبة
1/نبذة عن سيرة عثمان رضي الله عنه وخلافته 2/بعض مناقب عثمان رضي الله عنه التي لا يشاركه فيها أحد 3/بشارة النبي له ومقتله رضي الله عنه

اقتباس

كَانَ -رضي الله عنه- رَجُلًا شَرِيفًا عَظِيمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، عِصَامِيًّا تَاجِرًا، ذَا مَالٍ وَخَيْرٍ وَفِيرٍ، وَخُلُقٍ كَرِيمٍ، وَإِحْسَانٍ كَبِيرٍ، يَقْضِي الْحَاجَاتِ، حَتَّى عَلَا كَعْبُهُ، وَازْدَادَ حُبُّهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ؛ وَلَمَّا ظَهَرَتْ...

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أيها المسلمون: فَبَيْنَ أَيْدِينَا قُطُوفٌ مِنْ سِيرَةِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ، وَالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ، وَالتَّوَاضُعِ وَالْكَرَمِ، كَانَ أَحَدَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، صَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَقَامَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ؛ إِنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -رضي الله عنه-، ثَالِثُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَخَامِسُ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ.

 

كَانَ -رضي الله عنه- رَجُلًا شَرِيفًا عَظِيمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، عِصَامِيًّا تَاجِرًا، ذَا مَالٍ وَخَيْرٍ وَفِيرٍ، وَخُلُقٍ كَرِيمٍ، وَإِحْسَانٍ كَبِيرٍ، يَقْضِي الْحَاجَاتِ، حَتَّى عَلَا كَعْبُهُ، وَازْدَادَ حُبُّهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ؛ وَلَمَّا ظَهَرَتْ تَبَاشِيرُ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ أَسْلَمَ لِلَّهِ طَائِعًا رَاغِبًا فِي السَّاعَاتِ الْأُولَى لِلدَّعْوَةِ عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضي الله عنه-، وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي خِدْمَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَدَعْوَتِهِ، وَنُصْرَةِ الْحَقِّ وَالْمُسْلِمِينَ؛ وَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ؛ كَانَ عُثْمَانُ أَوَّلَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهَا، مُضَحِّيًا بِمَصَالِحِهِ وَأَقَارِبِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -تعالى-، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-، شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، إِلَّا بَدْرًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِتَمْرِيضِ زَوْجِهِ رُقَيَّةَ؛ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي التَّخَلُّفِ عَنْ بَدْرٍ، وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ مِنْهَا، وَأَجْرِهِ فِيهَا.

 

كَانَتْ خِلَافَتُهُ خَيْرًا وَرَحْمَةً عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ؛ فَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى أُمَّةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالْفُتُوحَاتِ مَا لَمْ يَفْتَحْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ، قَالَ -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)[النور: 55].

 

فَاسْتَكْمَلَ الْمُسْلِمُونَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ فَتْحَ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَفَتَحُوا قُبْرُصَ، وَإِفْرِيقِيَةَ، وَمَا وَرَاءَ الْعِرَاقِ مِنْ بِلَادِ فَارِسَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَخُرَاسَانَ وَبُخَارَى وَمَا جَاوَرَهَا.

 

ومن أهم المميزات العظام التي لم يشاركه فيها أحد من الصحابة:

مصاهرته النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- بابنتيه فزوجه رقية؛ فلما ماتت زوجه أختها أم كلثوم، ولهذا لقب بذي النورين، ولم يُعرف أحد منذ آدم -عليه السلام- تزوج ابنتي نبي غيره.

 

الحياء الذي تميز به في الجاهلية والإسلام، فقد شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله:

"أشد أمتي حياءً عثمان"، وفي رواية: "أصدقهم حياءً عثمان"(رواه أحمد والترمذي)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"(رواه مسلم).

 

كثرة عبادته لله -تعالى-؛ فقد كان -رضي الله عنه- قانتًا لله ليلًا ونهارًا، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)[الزمر: 9]، قال: "ذاك عثمان بن عفان".

 

وقال عثمان -رضي الله عنه-: "لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله -عز وجل-".

 

ووصفه حسان بن ثابت حين قتل:

ضحّوا بأشْمَطَ عنوانُ السجودِ به *** يقطّعُ الليلَ تسبيحًا وقرآنًا

 

وكان أول من جمع الناس على قراءة واحدة للقرآن؛ فحفظ الله به كتابه، وكان من أعظم الناس كرمًا وإنفاقًا في سبيل الله، فاشترى بئر رومة، ووسع المسجد النبوي، وجهز جيش العسرة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من جهز جيش العسرة فله الجنة"(رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم"(رواه الترمذي).

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ..

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: بَشَّرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عُثْمَانَ بِالشَّهَادَةِ وَبِالْجَنَّةِ، عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ، وَأَخْبَرَهُ بِالْفِتْنَةِ الَّتِي سَتَكُونُ، وَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ فِيهَا، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى.

 

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ فَكَانَ مِنْ آخِرِ كَلَامٍ كَلَّمَهُ أَنْ ضَرَبَ مَنْكِبَهُ، وَقَالَ: "يَا عُثْمَانُ! إِنَّ اللَّهَ -عز وجل- عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ؛ فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي" يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثًا (رواه أحمد).

 

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنها-: فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَانُ قَالَ: "تَنَحَّيْ"؛ فَجَعَلَ يُسَارُّهُ، وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ وَحُصِرَ فِيهَا، قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا تُقَاتِلُ؟ قَالَ: لَا؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، وَإِنِّي صَابِرٌ نَفْسِي عَلَيْهِ"(رواه أحمد وابن ماجه).

 

فَكَانَ عُثْمَانُ -رضي الله عنه- يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُقْتَلُ مَظْلُومًا، وَأَنَّهُ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَيْهِ، وَاسْتَحَلُّوا دَمَهُ، هُمْ مِنَ الظَّلَمَةِ الْمُنَافِقِينَ الْبُغَاةِ.

 

وَقُبَيْلَ مَقْتَلِهِ -رضي الله عنه- رَأَى فِي الْمَنَامِ اقْتِرَابَ أَجَلِهِ؛ فَاسْتَسْلَمَ لِأَمْرِ اللَّهِ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أَنَّ عُثْمَانَ أَصْبَحَ فَحَدَّثَ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْمَنَامِ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ: "يَا عُثْمَانُ، أَفْطِرْ عِنْدَنَا"، فَأَصْبَحَ عُثْمَانُ صَائِمًا، فَقُتِلَ مِنْ يَوْمِهِ"(رواه الحاكم).

 

وَيَتَسَوَّرُ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ دَارَهُ، وَتَتَوَزَّعُ سُيُوفُهُمْ دِمَاءَهُ الطَّاهِرَةَ، وَهُوَ يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ، فَكَانَتْ أَوَّلُ قَطْرَةٍ قَطَرَتْ مِنْ دَمِهِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[البقرة: 137].

 

فَمَا مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ سَوِيًّا، وَقَدْ رَثَاهُ النَّاسُ رِثَاءً عَظِيمًا، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-:

فَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ *** وَأَيْقَنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ

وَقَالَ لِأَهْلِ الدَّارِ: لَا تَقْتُلُوهُمُ *** عَفَا اللَّهُ عَنْ كُلِّ امْرِئٍ لَمْ يُقَاتِلِ

فَكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّهَ صَبَّ عَلَيْهِمُ *** الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَعْدَ التَّوَاصُلِ

وَكَيْفَ رَأَيْتَ الْخَيْرَ أَدْبَرَ بَعْدَهُ *** عَنِ النَّاسِ إِدْبَارَ النَّعَامِ الْجَوَافِلِ

 

وَلَا زَالَتْ آثَارُ فِتْنَةِ الْخَوَارِجِ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُثْمَانَ -رضي الله عنه-، وَقَتْلِهِ سُنَّةً سَيِّئَةً لِلْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ إِلَى الْآنَ، وَلَا زَالَتْ أُمَّةُ الْإِسْلَامِ تَتَجَرَّعُ آثَارَهَا، وَتَكْتَوِي بِلَهِيبِهَا، حَمَى اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَكَتَبَ لَهُمُ الْعِزَّةَ وَالْغَلَبَةَ.

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

 

المرفقات

قطوف من سيرة ذي النورين.doc

قطوف من سيرة ذي النورين.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات