عناصر الخطبة
1/مكانة الزَّكاة في الإسلام 2/محاسن الزَّكاة تشريعًا وقصدًا ومآلًا 3/الزَّكاة نظام مكتمِل.اقتباس
ومنْ محاسنِ تشريعِها: العدلُ والرِّفقُ، فإنَّ اللهَ يعلَمُ حُبَّ الإنسانِ للمالِ وتعلُّقَهُ بهِ، لذا لمْ يأمرهُ بإخراجِ مالِهِ كُلِّهِ ولا نِصفَهُ ولا رُبُعَهُ، بلْ أمرهَ بإخراجِ جزءٍ يسيرٍ جدًا يتراوحُ ما بينَ العُشرِ ورُبعِ العشرِ في غالبِ أصنافِها، وذلكَ بحسبِ الكُلفةِ التي يتكبَّدُها صاحبُ المالِ في تحصيلِهِ...
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، شرعَ لعبادهِ الدِّينَ القويمَ، وجعلَ بهِ صلاحَ الدُّنيا والدِّينِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعدُ، فاتَّقوا اللهَ -عبادَ اللهِ- حقَّ التَّقوى، وراقبوهُ في السِّرِّ والنَّجوى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
عبادَ الله: في ذاتِ يومٍ قصَّ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على أصحابِهِ قصَّةَ ثلاثةٍ مِنْ بني إسرائيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فبدَّلَ حالَهُمْ صحَّةً بعدَ مرَضٍ، وغِنًى بعدَ فَقْرٍ، ثمَّ امتحنَهُمْ بأنْ أرسلَ إليهمْ مَلَكًا في صُورةِ إنسانٍ فقيرٍ انقطعتْ بهِ السُّبُلُ، يسألُهمْ شيئًا يسيرًا منْ مالِهِمْ يتبلَّغُ بهِ إلى أهلِهِ، فما كانَ منَ الأقرعِ والأبرصِ إلَّا الشُّحُّ والجحودُ قائلَينِ: «الحقوقُ كثيرةٌ»، وأمَّا الأعمى فشكَرَ نعمةَ اللهِ ولمْ يبخلْ بمالِ اللهِ، فكانَ جزاءُ الجاحدَينِ سخَطَ اللهِ وعِقابَهُ، وجزاءُ الشَّاكرِ البركةَ والرِّضا منَ اللهِ، والقصَّةُ بتمامِها في الصَّحيحين.
عبادَ الله: هذهِ القِصَّةُ تتكرَّرُ يوميًّا في حياةِ الناسِ، فإنَّ اللهَ شاءَ بحِكمتِهِ أنْ يبسُطَ الرِّزقَ لبعضِ عبادِهِ فيجعلَهُ غنيًّا، ويَقدِرَ رزقَهُ على مَنْ شاءَ منْ عبادِهِ فيجعلَهُ فقيرًا، وكلُّ هذا ابتلاءً منهُ سبحانَهُ للغنيِّ والفقيرِ.
وكانَ مِنِ ابتلاءِ اللهِ للغنيِّ أنْ فرضَ عليهِ الزَّكاةَ في مالِهِ، وجعلَها حقًّا للفقيرِ لا مِنَّةً منهُ عليهِ، وشرَعَ الزَّكاةَ منظومةً في غايةِ الإحكامِ، كفيلةً إنْ قامتْ بها الأمَّةُ كما أرادَ اللهُ أنْ تنشُرَ فيهِا الخيرَ والسَّلامَ.
إنَّ اللهَ -تعالى الحكيمَ العليمَ- جعلَ في شَرعِهِ الحياةَ الطَّيِّبةَ، بهِ ينتفي الضَّلالُ والضَّنْكُ والشَّقاءُ، ولا يُحيطُ بأسرارِ شَرعِهِ ومحاسنِ دينِهِ إلا هو؛ لكنَّا على موعدٍ لنَقِفَ على بعضِ حِكَمِ فريضةِ الزكاةِ وأسرارِها وجماليَّاتِها.
الزَّكاةُ في الشَّرعِ حقٌّ واجبٌ فرضَهُ اللهُ -تعالى- في مالِ الأغنياءِ يُصرَفُ لجهاتٍ معيَّنةٍ حدَّدَها الشَّرعُ، وقدَّرَ لكلِّ مالٍ نصابَهُ الذي يجبُ أنْ يبلُغَهُ حتى تجبَ الزَّكاةُ، كما قدَّرَ وقتَ وجوبِ إخراجِها.
ومعنى الزَّكاةِ في أصلِ اللُّغةِ العربيَّةِ: النَّماءُ والطَّهارةُ، وهذا ظاهرٌ فيها؛ لأنَّها نماءٌ للمالِ وطهارةٌ لهُ.
وهيَ أحدُ أعمدةِ الإسلامِ ومبانيهِ العظامِ، أمرَ اللهُ بها في كتابهِ وقرنَها بالصَّلاةِ في مواضعَ كثيرةٍ، وجعلَها أحدَ أهمِّ أوصافِ المؤمنينَ فقال: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)[المؤمنون: 4].
وقالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»(رواه البخاري ومسلم).
بلْ جعلَ اللهُ منْ أوَّلِ أوصافِ المشركينَ أنَّهم لا يؤتونَ الزَّكاةَ؛ فقال: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)[فصلت: 6-7].
وهمُ الذينَ لا يُقِرُّونَ بوجوبِها، ولا يؤدُّونَها لمستحقِّيها؛ فالزَّكاةُ قنطرةُ الإسلامِ، فمنْ قطعَها نجا، ومنْ تخلَّفَ عنها هلَكَ.
والزَّكاةُ مِنْ شريعةِ اللهِ التَّامَّةِ العادلةِ، التي كلُّها حُسْنٌ وإحسانٌ تشريعًا وقصدًا وغايةً ومآلًا؛ فأوَّلُ محاسنِها وأعظمُها: أنَّها إعلانُ إسلامٍ وتسليمٍ منَ المؤمنِ لأمرِ ربِّهِ في كلِّ شؤونِهِ، ومِنْ ذلكَ المالُ، فإنَّ أقوامًا هلَكوا لَمَّا جحَدوا أمرَ اللهِ في أموالِهمْ، والإسلامُ يؤخَذُ كافَّةً دونَ انتقاءٍ، فالذي أمرَ بالتَّوحيدِ والصَّلاةِ هوَ منْ أمرَ بالزَّكاةِ، وذلكُمْ هوَ الدِّينُ القيِّمُ الذي لا عِوَجَ فيهِ؛ قالَ الله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)[البينة: 5].
ومنْ محاسنِ تشريعِ الزَّكاةِ: أنَّ اللهَ لمْ يوجِبْها في كلِّ ما يملكهُ المسلمُ، إنَّما أوجَبَها في الأموالِ التي منْ شأنِها أنْ تنمُوَ وتزدَادَ، ولمْ يوجِبْها فيما يستعملُهُ المسلمُ في حياتِهِ الشَّخصيَّةِ منْ متاعٍ، كالبيتِ والسَّيارةِ والأثاثِ ونحوِ ذلكَ.
ومنْ محاسنِ تشريعِها: العدلُ والرِّفقُ، فإنَّ اللهَ يعلَمُ حُبَّ الإنسانِ للمالِ وتعلُّقَهُ بهِ، لذا لمْ يأمرهُ بإخراجِ مالِهِ كُلِّهِ ولا نِصفَهُ ولا رُبُعَهُ، بلْ أمرهَ بإخراجِ جزءٍ يسيرٍ جدًا يتراوحُ ما بينَ العُشرِ ورُبعِ العشرِ في غالبِ أصنافِها، وذلكَ بحسبِ الكُلفةِ التي يتكبَّدُها صاحبُ المالِ في تحصيلِهِ؛ قال تعالى: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ)[محمد: 36-37].
وكذلكَ لمْ يوجِبْ عليهِ أنْ يُخرجَ منْ مالهِ أحسنَهُ وأفضلَهُ، وإنَّما اكتفى بأوسَطِهِ، ونهاهُ أنْ يُخرجَ المعيبَ منْ مالهِ؛ لأنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلا الطَّيِّبَ، ولأنَّ الزَّكاةَ مواساةٌ للفقيرِ، ولذا أوصى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- معاذَ بنَ جبلٍ لَمَّا بعثَهُ إلى اليمنِ فكانَ مما قالَ له: «أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ»(رواه البخاري ومسلم).
ووضَّح النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عدالةَ الإسلام في ذلك فقال: «ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، وَلَا يُعْطِي الْهَرِمَةَ، وَلَا الدَّرِنَةَ (يعني الجَرْباءَ)، وَلَا الْمَرِيضَةَ، وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ (يعني الرديءَ والرذيل من الأموال)، وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ»(رواه أبو داود).
ثمَّ إنَّ الشَّريعةَ لمْ توجِبِ الزَّكاةَ كلَّ يومٍ ولا كلَّ شهرٍ، وإنما غالبُها يُدفَع مرَّةً واحدةً كلَّ عامٍ، والخارجُ منَ الأرضِ منَ الزَّرعِ والثَّمرِ فزكاتُهُ يومَ حَصادِهِ.
وكذلكَ لمْ توجِبِ الشَّريعةُ الزَّكاةَ في أيِّ مقدارٍ، وإنما جعلتْ نصابًا لبعضِ الأموالِ، وهوَ المقدارُ الذي يكونُ بهِ الإنسانُ غنيًّا مليئًا؛ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ (أي: إبِلٍ) صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»(رواه البخاري ومسلم)، (والوَسْق من مكاييل الحبوب والثِّمار، ويبلغ ستِّين صاعًا).
ومنْ محاسنِ تشريعِها عظمةُ غايتِها، فإنَّ المصالحَ العظامَ تعودُ على الغنيِّ والفقيرِ والمجتمعِ كلِّهِ.
أما محاسنُ الزَّكاةِ على الغنيِّ فإنَّ اللهَ جعلَها طهارةً لنفسِهِ منَ الشُّحِّ المُهلِكِ، وطهارةً لمالِهِ منْ شوائبِهِ؛ قالَ سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)[التوبة: 103].
إنَّ الشُّحَّ هوَ الحِرصُ الشَّديدُ على الحصولِ على المالِ بأيِّ سبيلٍ، حلالًا كانَ أوْ حرامًا، والبُخلُ بهِ عنْ إنفاقِهِ، ومَنعُ بَذْلِهِ واجبًا كانَ أوْ مستحَبًّا، وهوَ منْ أسوأِ الصِّفاتِ التي تُهلِكُ الفَردَ والمجتمعَ، لذا قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «اتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ»(رواه مسلم).
كيفَ حملَهُمُ الشُّحُّ على ذلك؟
يقولُ -صلى الله عليه وسلم-: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا»(رواه أبو داود)؛ فإذا استسلمَ الغَنيُّ لأمرِ ربِّهِ، وأخرجَ جُزءًا منْ مالِهِ، طيِّبةً بها نفسُهُ، طَهُرَتْ نفسُهُ منَ البُخلِ والشُّحِّ والعُبوديةِ للمالِ.
ثمَّ إنَّها في الحقيقةِ لا تَنقُصُ المالَ، وإنما هيَ بركةٌ ونماءٌ، فإنَّ اللهَ وعدَ منْ أخرجَ زكاةَ مالِهِ بالأجرِ والخَلَفِ أضعافًا مضاعفةً، فقال: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)[الروم: 39]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»(رواه مسلم).
والمؤمنُ متى آمَنَ وأيقنَ بذلكَ طابتْ بها نفسُهُ، فكانَ إخراجُهُ لها بُرهانًا على صِدقِ إيمانِهِ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «وَالزَّكَاةُ بُرْهَانٌ»(رواه النسائي).
وأمَّا نفعُها للفقراءِ والمساكينِ وذوي الحاجاتِ فذلكَ أوضَحُ منَ الشَّمسِ في رابِعةِ النهارِ، فإنَّ الفَقْرَ عندَ غِيابِ الإيمانِ سببٌ عظيمٌ لكلِّ شرٍّ وفسادٍ، ولذا كانَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-يتعوَّذُ باللهِ منهُ قائلًا: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ»(رواه البخاري ومسلم).
والشَّريعةُ الغَرَّاءُ جعلتِ الزَّكاةَ أعظمَ سببٍ لمعالجةِ الفَقرِ، فإنَّ منَ النَّاسِ منْ يُقعِدُهُ مرضُهُ وعجزُهُ عنِ الكَسبِ، ومِنهُمْ مَنْ تَكثُرُ عليهِ ضَروريَّاتُ الحياةِ فيَستدينُ، ومِنهُمْ منْ يَنقطعُ بهِ الطَّريقُ فيَضيعُ مالُهُ، فأينَ يذهبُ هؤلاءِ؟ ولذا جعلَ اللهُ لهمْ مخرجًا وحقًّا في مالِ الأغنياءِ، مُواساةً وجبرًا.
بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِروه، إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيمُ.
الخُطبة الثَّانية:
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، وبعدُ:
إنَّ الزَّكاةَ في الإسلامِ نظامٌ متكامِلٌ، كانَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-وخلفاؤهُ مِنْ بعدِهِ يتولَّونَ جَمعَها وتَوزيعَها امتثالًا لأمرِ اللهِ تعالى بذلِكَ، ومتى جُمِعَتْ أموالُ الزَّكاةِ بحقٍّ دونَ تَعدٍّ أوْ تفريطٍ، ووُزِّعت بحقٍّ وعَدلٍ، لمْ تكدْ ترى فقيرًا بينَ المسلمينَ، ولذا لما امتنعتْ بعضُ قبائلِ العربِ عنْ دفعِ الزَّكاةِ بعدَ موتِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-حاربَهُمُ الصَّحابةُ رِضوانُ اللهِ عَليهمْ، وقامَ فيهمُ الصِّدِّيقُ أبو بكرٍ قائلًا: «وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا»(رواه البخاري ومسلم).
إنَّ الزكاةَ ليستْ دَعوةً للبِطالةِ، وإنَّما هيَ مواساةٌ لذوي المسكنةِ والفقرِ والحاجةِ، ولذا قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «لا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ»(رواه أبو داود).
وبالزَّكاةِ تسودُ في الأمَّةِ روحُ الأُخوَّةِ، وتنتشرُ المحبَّةُ، وتَسودُ الطُّمَأْنينةُ، وينتفي الحسدُ والبغضاءُ بينَ الأغنياءِ والفقراءِ، فالغنيُّ يعطي أخاهُ الفقيرَ حقَّهُ من غير مَنٍّ أوْ تقصيرٍ، والفقيرُ تطيبُ نفسُهُ ويدعو لأخيهِ بالخيرِ والبركةِ.
اللَّهُمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعِزَّ المسلمينَ، وأهْلِكِ اليهودَ المجرمينَ، اللَّهُمَّ وأنزِلِ السَّكينةَ في قلوبِ المجاهدينَ في سبيلِكَ، ونَجِّ عبادَكَ المستضعَفينَ، وارفعْ رايةَ الدِّينِ، بقُوَّتِكَ يا قويُّ يا متينُ.
اللّهُمَّ آمِنّا في أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، واجعل وِلايتَنا فيمَن خافَكَ واتّقاكَ واتّبعَ رِضاك.
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوانا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم