منها أربعة حرم

د عبدالعزيز التويجري

2026-04-24 - 1447/11/07 2026-05-06 - 1447/11/19
عناصر الخطبة
1/ تعظيم الحرمات وترك المعاصي 2/إنكار المنكر ومسؤولية التغيير 3/الستر والتوبة وخطر المجاهرة 4/التقوى وإصلاح النفس والأهل.

اقتباس

هذه الأشهرُ الحُرُمُ التي نحنُ في أولِ شهرٍ منها، يُعظَّمُ تحريمُ الاعتداءِ فيها، وظلمُ النفسِ والناسِ، أو عملُ المعاصي بها، وكلما كانت المجاهرةُ بها أظهرَ، كان الخطرُ أشدَّ، والخطبُ أدهى وأمَرَّ، وكلُّ أمةِ...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله حمداً كثيراً يليق بجلالِ ذاتهِ، ويرتقي إلى كمالِ صفاتِه، ويُشيدُ بعظيمِ مننهِ ولطفهِ ونعمائه.

 

لك الحمدُ يا ذا الجودِ والمجدِ والعلى *** تباركتَ تعطي من تشاءُ وتمنعُ

 

وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدهُ لا شريك له، وأنهُ هو البرُّ الرحيم، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آلهِ وأصحابهِ ومن سارَ على دربهِ إلى يومِ الدين، أما بعدُ: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[التغابن: 16].

 

قالَ ربُّنا -عز وجل-: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[التوبة:36].

 

هذه هي الأشهرُ عندَ اللهِ بأسمائِها وترتيبِها وتفاضلِها، خصَّ اللهُ منها أربعةَ أشهرٍ بمزيدٍ من التعظيمِ، وبينها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في حديثِ أبي بَكْرَةَ -رضي الله عنه- قال: خطبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» (متفق عليه).

 

هذه الأشهرُ الحُرُمُ التي نحنُ في أولِ شهرٍ منها، يُعظَّمُ تحريمُ الاعتداءِ فيها، وظلمُ النفسِ والناسِ، أو عملُ المعاصي بها، وكلما كانت المجاهرةُ بها أظهرَ، كان الخطرُ أشدَّ، والخطبُ أدهى وأمَرَّ، وكلُّ أمةِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- معافى إلا المجاهرين.

 

المجاهرون قومٌ حُرِموا السترَ في الدنيا والمعافاةَ في الآخرة.

 

عن سهلِ بنِ سعدٍ -رضي الله عنه- أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ»، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: «إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَازِفُ وَالْقَيْنَاتُ، وَاسْتُحِلَّتِ الْخَمْرُ» (رواه ابن ماجه والطبراني)؛ القيناتُ هم المغنون والمغنيات.

 

الأمةُ التي تظهرُ فيها المنكراتُ وتفشو وتُعلَن تتعرضُ لهزّاتٍ عظيمةٍ لا يعلمُ مداها إلا اللهُ.

 

والمعصيةُ إذا خفيت لا تضرُّ إلا صاحبَها، أما إذا أُعلِنَ بها فإنها تضرُّ العامةَ، وكلُّ الأمةِ معافى إلا المجاهرين.

 

سألت أمُّ المؤمنين زينبُ بنتُ جحشٍ -رضي الله عنها- رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ».

 

إذا تهاونَ الناسُ مع أهلِ المعاصي والمنكراتِ، وفشا أمرُها، فلا يزالُ الخَبَثُ ينتشرُ وتألَفُه النفوسُ، وتَتَربَّى عليه الأجيالُ، وحينئذٍ يَحيقُ بالقومِ أمرُ اللهِ -عز وجل- صالحِهم وطالحِهم.

 

أَنَأْمَنُ أن يَحِلَّ بنا انتقامٌ *** وفينا يَظهرُ الفسقُ والفجورُ؟

 

إذا غلت الأسعارُ لم تقتصر على الفاسقين، وإذا اضطرب الأمنُ لم يخصَّ الطالحين، وإذا استباح العدوُّ الحِمى لم يستثنِ أحدًا.

 

قال أبو بكرٍ -رضي الله عنه-: يا أيها الناسُ، إنكم تقرؤون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)[المائدة: 105] وتضعونها على غير مواضعها، وإنا سمعنا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ».

 

وفي حديث جريرٍ -رضي الله عنه-: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» (رواه أبو داود).

 

قال ابن العربي: والسكوتُ عن المنكرِ تُتعجَّلُ عقوبتُه في الدنيا بنقصِ الأموالِ والأنفسِ والثمراتِ وركوبِ الذلِّ من الظلمةِ، فمَن أنكرَ بلسانهِ فهو مؤمنٌ، ومن أنكرَ بقلبهِ فهو مؤمنٌ، وليس وراءَ ذلك من الإيمانِ مثقالُ حبةٍ من خردلٍ.

 

(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[البقرة: 286]، (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)[الشورى: 48].

 

قيل لابن مسعودٍ -رضي الله عنه-: من ميتُ الأحياء؟ قال: الذي لا يعرفُ معروفًا ولا ينكرُ منكرًا.

 

ومن كان بذنبِه مستترًا، ولم يكن مستخفًّا به، فحريٌّ أن يكون من المرحومين، قال ابن عمرَ -رضي الله عنهما-: سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَسْتُرُهُ وَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، حَتَّى يُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» (رواه البخاري).

 

إن من أبشع صور المجاهرة أن تُرتكب المعاصي علنًا، «فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» (رواه).

 

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا)[الجاثية: 21].

 

النصيحةُ تبذلُ للولدِ والزوجةِ والقريبِ والصديقِ، «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ...» (رواه مسلم).

 

والمؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخو المؤمنِ؛ قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ» (متفق عليه).

 

وأستغفر الله لي ولكم…

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وليِّ المؤمنين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)[الحج: 30].

 

قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يوشك أن يرتع فيه» (متفق عليه).

 

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج: 32].

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمُ)[النساء: 1]، (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)[التحريم: 6].

 

اللهم صل وسلم على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

 

اللهم احفظنا وبلادنا وولاة أمرنا، وأصلح شأننا كله.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

المرفقات

منها أربعة حرم.doc

منها أربعة حرم.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات