عناصر الخطبة
1/حرص النبي الأكرم على دعوة الناس وهدايتهم 2/شدة إيذاء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم 3/بيعة العقبة 4/دعوة الناس ليست مهمة العلماء وطلاب العلم فحسب.اقتباس
فمازال يدعو الناس إلى دين الله ويصبر على أذاهم، حتى قذف الله في قلوب بعض شباب أهل المدينة الإيمان، وهداهم للإسلام؛ فمازال الإسلام يفشو فيهم، وجعل يأتيه الرجل منهم فيؤمن به...
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر والعصيان، أحمده -تعالى- على التوفيق للإسلام، وأشكره على إنعامه الخاص والعام، وأستعينه وأستمده، وأتوكل عليه، وأسأله عملًا يقرب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهًا واحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولا يُشرِك في حكمه أحدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي بيَّن الدين ونوَّر، وأعلن التوحيد وأظهر، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر؛ فظهر دينُه على سائر الأديان، وعظُم قدره بنزول القرآن، صلى الله عليه وعلى آله المطهَّرين من الأدناس، وأصحابه المعظَّمين الأكياس، صلاةً توجب لنا ولهم جزيل الإنعام، بدارِ الجود والفضل والإكرام.
أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن للأنصارِ -رضي الله عنهم- تضحياتٍ وبطولاتٍ؛ لنصرة النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وسنأخذ هذا الموقف العظيم، الذي يبيّن همة وصدقَ الأنصار رضي الله عنهم، ويبيّن عِظَم تضحية النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وصبرِه وسعيِه الحثيث في تبليغ رسالات ربّه، روى الإمام أحمد وغيرُه أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مكثَ عشر سنين يتْبع الناس فِي مَنازِلِهِم بعُكاظٍ ومَجَنَّةَ، وفِي الْمواسمِ بِمنًى، ويمشي بين رحالهم، يدعوهم إلى الله، ويَقُولُ لهم: "من يؤويني ومن ينصرني حتى أبلِّغ رسالاتِ ربي وله الجنة؟"؛ فلا يجد أحدًا ينصره ولا يؤويه، حتى وصل الحال بكفار قريش، أنهم كانوا يقولون لمن يأتي إلى مكة: احذَرْ من محمد لا يفتنُك!
فانظروا وتأملوا إلى حرص النبيّ -صلى الله عليه وسلم- على تبليغ دين الله للناس، وتتبّع أمكان الناس العامة التي يجتمعون فيها؛ ليبلّغهم دينَ الله، ويقرأ عليهم كلام الله؛ حتى إنه يذهب إلى الحجاج في أماكن جلوسهم، وقد قدموا من مختلف بقاع الأرض، ويطلب منهم أن يُؤْووه وينصرُوه حتى يتمكّن من تبليغ رسالاتِ ربه، فلا يلتفتون إليه ولا يستجيبون له؛ ولم ييأس ولم يتراجع، بل كان يفعل ذلك طيلة عشرة أعوام.
وهؤلاء لم يقتصروا على رفض دعوته؛ بل اخترعوا في حقّه الإشاعات الكاذبة، وألصقوا به التهم الباطلة، وهذا شأن أهل الباطل مع أهل الحق، يرمونهم بالتهم الباطلة، وينسبون إليهم كلّ صفةٍ تنفِّر الناس منهم؛ فمازال يدعو الناس إلى دين الله ويصبر على أذاهم، حتى قذف الله في قلوب بعض شباب أهل المدينة الإيمان، وهداهم للإسلام؛ فمازال الإسلام يفشو فيهم، وجعل يأتيه الرجل منهم فيؤمن به ويقرئه القرآن؛ فينقلب إلى أهله فيُسْلمون بإسلامه، حتّى لم تبقَ دار من دُور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يُظهرون الإسلام.
لكنهم كانوا يُشاهدون حالَ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في مكة، ويرون أذى الكفار له؛ فتشاوروا فيما بينهم واجتمعوا وقالوا: حتى متى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُطرَد في جبال مكة ويُخاف؟ فَرَحلَ إِلَيه منهم سَبعُونَ رجُلًا، حتَّى قَدمُوا علَيه في الْموْسمِ، فواعدوه شِعْبَ العقبة، وهي بيعةُ العقبةِ الثانية؛ فجاء النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ومعه عمّه العباس، فنظر في وجوههم؛ فإذا هم مجموعةٌ من الشباب؛ فشعر أنّهم لا يستطيعون حمايته، وإنما يستطيع حمايتَه كبارٌ القوم وأشرافُهم.
وقال له: يا ابن أخي، ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب؛ فلما اجتمعوا عنده قالوا: يا رسول الله، علامَ نبايعك؟ قال: "تُبايِعُونِي على السمع والطاعة في النَّشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدِمْتُ عليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم؛ ولكم الجنة".
فلما قاموا لِيُبايعوه أخذ بيده أسعدُ بن زُرارة -وهو أصغر السبعين، وكان من شباب الخزرج المتوهج المتّقد حماسًا وإخلاصًا- فقال: رويدًا يا أهل يثرب، إنّا لم نضرب إليه أكباد الْإِبلِ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقةُ العرب كافَّةً، وقَتْلُ خياركم، وأن تَعَضَّكم السيوفُ؛ فإما أنتم قَومٌ تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قَومٌ تخافون من أنفسكم جُبَينةً فذروه؛ فهو أعذر لكم عند الله، فقالوا: يا أسعد أَمِطْ عنَّا يدك! فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها؛ فقاموا إليه رجلًا رجلًا، فأخذ عليهم العهد، ويعطيهم بذلك الجنة.
ثم انصرفوا إلى المدينة، وبعث معهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمروَ بن أم مكتوم ومصعبَ بن عمير، يُعلِّمان مَن أَسلَم منهم القرآن، ويدعوان إلى الله -عز وجل-.
نسأل الله -تعالى- أن يستعملنا في طاعته، ويصطفينا لتبليغ رسالاته، إنه سميع قريب مجيب.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
معاشر المسلمين: إنّ الدين لا يقوم على العلماء وطلاب العلم وحدهم؛ بل على غيرهم من الصالحين والشباب الموفّقين؛ فالنبيّ -صلى الله عليه وسلم- بقي سنين يدعو إلى الله -تعالى-، وقد آمن به مجموعة من الرجال والنساء وسادات الناس، كأبي بكر وعمر وحمزةَ وعليِّ وغيرِهم -رضي الله عنهم-، ومع ذلك لم يُقدّر الله له التمكين والنصر والغلبة؛ بل قدّر الله أن يكون تمكينُه ونصرُه على أيدي مجموعةٍ من الشباب الصادقين.
أيها الشباب والشابات: ساعدوا العلماءَ وطلابَ العلم والمصلحين، ولا تظنوا أنّ قيام الدين محصورٌ عليهم؛ بل هو يشْملكم، ورُبّ مبادرةٍ من أحدكم، كانت سببًا في عزّ الإسلام والمسلمين.
وكم من عالم ضعُفت همّته، فأحياها شاب بكلمة، أو بمبادرةٍ ومعاونة.
ويا معاشر العلماء وطلاب العلم والمصلحين: إن الأمة تحتاجكم، وإن في عاتقكم أمانةً عظيمة، فلا تكسلوا ولا تكِلّوا ولا تَمَلُّوا، بل انهضوا وأدوا الأمانة، وبلغوا الدين للأمة.
اللهم إنا نسألك أن تعزّنا بالإسلام، وأن ترزقنا القبول بين الأنام، إنك رؤوف رحيم، برٌّ كريم.
عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على نبي الهدى، وإمام الورى، فقد أمركم بذلك جل وعلا فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً)[الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وخُصَّ منهم الحاضرين والحاضرات، اللهم فرِّج همومهم، واقض ديونهم، وأنزل عليهم رحمتك ورضوانك يا رب العالمين.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم