آثار الاعتصام بالكتاب والسنة في زمن الفتن ( وورد - pdf )
محمد بن سليمان المهوس
آثارالاعتصام بالكتاب والسنة في زمن الفتن
محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام
22 / 10 / 1447
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ أَجَلِّ الْأَعْمَالِ وَأَفْضَلِهَا وَأَكْرَمِهَا: الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ : ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران : ١٠٣]
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وَلَا يَتَحَقَّقُ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَّا بِقَبُولِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ، وَقَبُولِ كُلِّ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِنَا - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [ الحجر : 9 ] وَالذِّكْرُ يَشْمَلُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ وَالسُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ مُعَظِّمًا يَنْظُرُ بِعَيْنِ الإِجْلاَلِ وَالتَّقْدِيرِ وَالاِحْتِرَامِ لِمَا جَاءَهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَمِنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَيَرْتَبِطُ فَهْمُهُ لِلْقُرْآنِ وَالسَّنَةِ اَلنَّبَوِيَّةِ بِفَهْمِ اَلسَّلَفِ الصَّالِحِ ، وَيَعْرِفُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ، وَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - مُبَادِراً بِالاِمْتِثَالِ بِصِدْقِ الْعَمَلِ وَامْتِثَالِ الأَوَامِرِ، وَمُسْتَشْعِراً كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ للهِ تَعَالَى ، ثَابِتاً عَلَى الأَخْذِ بِالْوَحْيِ إِلَى الْمَمَاتِ .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَهُ ثِمَارٌ كَثِيرَةٌ ، وَفَوَائِدُ عَدِيدَةٌ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ ؛ مِنْهَا :
اَلْهِدَايَةُ وَالصَّلَاحُ ، وَالنَّجَاةُ وَالْفَلَاحُ ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ آل عمران : 101 ]
وَمِنْ آثَارِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ :
الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ، وَالْعِيشَةُ الْهَنِيَّةُ ، وَالسَّعَادَةُ الدَائِمَةُ ، وَالْأَمْنُ وَالرَّخَاءُ وَالازْدِهَارُ وَالنَّمَاءُ : قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْييِكُمْ ﴾ [ سورة الأنفال : ٢٤]
وَمِنْ آثار الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ :
تَحْقِيقُ رُكْنٍ عَظِيمٍ مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ، وَهُوَ الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ؛ فَيُؤْمِنُ الْعَبْدُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَقَعُ مِنَ الْمَقَادِيرِ وَالْمَصَائِبِ وَغَيْرِهَا فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ، كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَتَبَ اللَّهُ وُقُوعَهُ، وَذَلِكَ لِسَعَةِ عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ كَيْفَ يَكُونُ ؛ مِمَّا يُفِيِدُ فِي دَفْعِ الْحُزْنِ وَالْأَسَى عَلَى مَا فَاتَ، وَلِكَبْحِ الْفَرَحِ وَالْبَطَرِ بِمَا هُوَ آتٍ ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور ﴾ [الحديد: 22-23]
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُعْتَصِمِينَ بِكِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ، وَثَبِّتْنَا عَلَيْهِمَا حَتَّى نَلْقَاكَ ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَاهْدِنَا صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ آثار الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ :
الْيَقِينُ بِمَوْعُودِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِهِ لَهُمْ، وَتَأْيِيدِهِ إِيَّاهُمْ، وَتَثْبِيتِهِ لِقُلُوبِهِمْ، وَرَفْعِهِ لِشَأْنِهِمْ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ [الحج: 38 ]
وَمِنْ آثار الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ :
تَرْبِيَةُ النَّفْسِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ ؛ فَمَنِ اعْتِصَمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَعَلَّمَ الصَّبْرَ عَلَى الْمَصَائِبِ، وَالِابْتِعَادَ عَنِ الانْجِرَارِ وَرَاءَ الشَّائِعَاتِ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ﴾ [آل عمران : ۲۰۰]
وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 1]
وَمِنْ آثار الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ :
الْعَمَلُ عَلَى رَدِّ الْاخْتِلَافِ وَأُمُورِ الْعَامَّةِ إِلَى أَهْلِ الْاِخْتِصَاصِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [النساء : ٨٣]
وَمِنْ آثار الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ :
لُجُوءُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ ، وَلُزُومُ الضَّرَاعَةِ إِلَيْهِ ، وَسُؤَالُهُ الْهَدَايَةَ فِيمَا قَدْ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - مَعَ شَرِيفِ مَنْزِلَتِهِ وَرِفْعَةِ مَكَانَتِهِ يَضْرَعُ إِلَى رَبِّهِ أَنْ يَهْدِيَهُ لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ »
؛ هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وَقَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اكْفِنَا شَرَّ الفِتَنِ بِمَا شِئْتَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْتَصِمُونَ بِكِتَابِكَ، وَيَتَّبِعُونَ سُنَّةَ نَبِيِّكَ، وَيَسِيرُونَ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا وَأَهْلَنَا وَبِلَادَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَمِّنْ حُدُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، وَجَمِيعَ وُلاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
المرفقات
1775626131_ثمار الاعتصام بالكتاب والسنة في زمن الفتن.doc
1775626201_ثمار الاعتصام بالكتاب والسنة في زمن الفتن.pdf
شبيب القحطاني
عضو نشطجزاك الله خيرا
تعديل التعليق