أعمال أيام التشريق
فهد الجمعة
الحمدلله الكريم المنان، ذي الكرم والجود والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد: فإن خير ما نوصي به هو تقوى الله، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).
عباد الله: مازلنا في رحاب هذه الأيام المباركة حيث أدَّى الحجيجُ حجَّهم وذبح المضحُّونأضاحيهم، وبدأت أيام التشريق وهي أيام لها منزلة عظيمة عند الله تعالى؛ وهي الأيام الثلاثةالتي بعد يوم النحر (الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر)؛ وسبب التسمية بأيام التشريق: قيل: لأن صلاة العيد إنما تُصَلَّى بعد أن تشرُقَ الشمسُ. وقيل: لأن الهدايا والضحايا لا تُنحر حتىتشرُقَ الشمسُ. وقيل: لأن الناس كانوا يُشرِّقون فيها لحوم الهدي والأضاحي؛ أي: يقددونهاويملِّحونها ويعرضونها للشمس؛ لحفظها من الفساد، وذلك لعدم وجود مثل هذه الوسائلالحديثة لحفظ اللحوم.
واليوم الأول من أيام التشريق هو يوم القر، وسُمِّي بذلك؛ لأن الحُجاج يَقرُّون ويبيتون فيه بمنى،ويقال له: (يوم الرؤوس)؛ لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي؛ وهو أفضلها.
واليوم الثاني: (يوم النفر الأوَّل)، ويجوز النَّفر فيه لِمَن تعجَّل بعد رمي الجمرات الثلاث؛ قال اللهتعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}.
واليوم الثالث: (يوم النفر الثاني)، وهو اليوم الذي يأتي بعد رمي الجمرات في اليوم الثالث منأيام التشريق.
وأيام التشريق: هي الأيام المعدودات التي ذكرها الله تعالى؛ فقال: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍمَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتّقَىَ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَاتّقُواْ اللّهَوَاعْلَمُوآ أَنّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الأيام المعدودات: أيام التشريق".
وأيام التشريق: هي الأيام التي يبيت فيها الحجيجُ بمنىً كواجب من واجبات الحج عِنْدَ جُمْهُورِالْفُقَهَاءِ، يَلْزَمُ الدَّمُ لِمَنْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وهي الأيام التي يرمي الحجيجُ فيها الجمرات الثلاث(الصغرى، والوسطى، والكبرى) لكل جمرة سبع حصيات، ويكبر الله مع كل حصاة.
وأيام التشريق: هي أيام عيد للمسلمين؛ عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:"إِنَّ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، هُنَّ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكَلٍ وَشُرْبٍ" رواهالترمذي، وصححه الألباني.
وأيام التشريق: هي أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل؛ ففي صحيح مسلم عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّرضي الله عنه قَالَ: قال رسول الله ﷺ: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وذكرٍ لله".
ولذلك يحرم صيام هذه الأيام؛ إلا لمَن لم يجد الهدي، ففي صحيح البخاري عن عائشة رَضِيَ اللَّهُعَنْهَا قالت: "لم يرخِّص النَّبِيّ ﷺ في أيام التشريق أن يُصَمنَ إِلَّا لمن لم يجدِ الهدي"؛ فمن كانمُعتادًا عَلَىٰ صيام الأيام البيض؛ فليعلم أن يوم الثالث عشر من ذي الحجة يومٌ لا يجوز ولا يصحصيامه، وإنما يبدأ صيام أيام البيض من يوم الرابع عشر، والخامس عشر، ويعوض ذلك بيومالسادس عشر.
نسأل الله العظيم أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال.
بارك الله …
الخطبة الثانية
الحمدلله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، أما بعد:
فإن لأيام التشريق أعمالًا تختص بها وهي: أولا: شُكر الله على ما أنعم به علينا من الأكل من لحومالأضاحي؛ لقوله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِعَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْتَشْكُرُونَ).
ثانيًا: يُسنُّ في أيام التشريق الأكل والشرب، وإظهار السُّرور والفرح، والتوسعة على الأهل،وخاصةً في أكل اللحم، بشرط ألا يكونُ في ذلك إسرافٌ وتبذير.
ثالثًا: الإكثار من ذكر الله تعالى، من التكبير والتحميد والتهليل: فإن الحاج وغير الحاج شُرِعَ لهطوال هذه الأيام الإكثار من ذكر الله عز وجل؛ قال الله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَاللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}، وقال النبي ﷺ: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍوَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". فينبغي أن تلهج ألسنتنا بالتكبير والتهليل والتحميد طوال هذهالأيام وعقب الصلوات؛ قال مالك رحمه الله: "ويكبر في أيام التشريق الرجال والنساء، والعبيدوالصبيان، وأهل البادية والمسافرون، وكل مسلم صلى في جماعة، أو وحده، وتُسمِع المرأةنفسها التكبير، كانت في المسجد، أو في بيتها".
ولقد شرع الله تعالى الذكر في ختام مناسك الحج، وحثَّ على مداومة الذكر لله تعالى وعدمالانقطاع عنه؛ فقال الله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِوَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُوَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} قال ابنعباس رضي الله عنهما: " الأيام المعدودات: أيام التشريق، والأيام المعلومات: أيام العشر".وبما أن النفس البشرية قد تميل إلى الفتور بعد أداء العبادات؛ فلذا جاء الأمر بالمداومة علىذكر الله عز وجل بعد قضاء مناسك الحج؛ بل وأمرهم بالمبالغة في الذكر؛ فقال تعالى: {فَإِذَاقَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}، قال ابن عباس رضي الله عنهما:"كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يُطعم، ويحمل الحمالاتِ،ويحمل الدياتِ ليس لهم ذِكْر غير فِعَال آبائهم فأنزل الله هذه الآية". والتكبير أيام التشريق منهما هو مقيد ومطلق: فأما المقيد: فهو الذي يكون دبر الصلوات المكتوبات ويبدأ من صلاةالفجر ليوم عرفة لغير الحاج وينتهي مع صلاة العصر لثالث أيام التشريق.
رابعًا: صلة الرحم، فالمؤمن يغتنم أيام العيد ليخرج زائرًا لأرحامه، وأقاربه وجيرانه، وأصحابه؛يبتغي بذلك وجهَ الله تعالى؛ عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "مَن سرَّهُ أن يبسط لهفي رزقه، ويُنسأ له في أثرة فليصل رحمه"، وفي الحديث الصحيح: "مَن كان يؤمن بالله واليومالآخر فليصل رحمه".
خامسًا:- ذبح الأضحية لمن لم يذبح يوم الأضحىٰ؛ فإن آخر وقت ذبح الأضاحي هو: غروبشمس اليوم الثالث من أيام التشريق.
اللهم تقبل منا صالح الأعمال، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.