أوصاف القرآن(4) الهدى

الشيخ تركي بن علي الميمان
1447/09/08 - 2026/02/25 23:22PM

عنوان الخطبة : أوصاف القرآن(4) الهدى

الخطبة الأولى:

الحمد لله معطي الجزيلَ لمن أطاعه ورجاه، شديد العقاب لمن أعرض عن ذكره وعصاه، اجتبى من شاء بفضله فقربه وأدناه، وأبعد من شاء بعدله فولاه ما تولاه، أنزل القرآن رحمة للعالمين، ومناراً للسالكين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18]

عباد الله: شهر رمضان شهر القرآن؛ والْقُرْآنُ عِصْمَةٌ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ, وَهُدًى لِمَنِ اهْتَدَى بِهِ, وَغِنًى لِمَنِ اسْتَغْنَى بِهِ, وَحِرْزٌ مِنَ النَّارِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ, وَنُورٌ لِمَنِ اسْتَنَارَ بِهِ, وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ, وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. [أخلاق أهل القرآن: للآجري (ص: 32)]

وإن مما نزل من القرآن قوله تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ

وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9]

ولقد وصف الله تعالى كتابه العظيم بأوصاف عديدة تدل على أنه كتاب جاء لهداية الناس وإرشادهم ودلالتهم على أفضل السبل وأقوم الطرق.

ولقد وُصِف القرآن بالهدى -عباد الله-، لأن فيه دلالة بينة إلى الحق، وتفريقًا بينه وبين الباطل.

فهو الهدى من الضلالة والعمى، وهو الهدى من الكفر والنفاق، وهو الهدى من الظلم والحيرة والارتباك، وهو الهدى من الفسق والفجور، وهو الهدى من العناء والشقاء، وهو الهدى من الشرك والشك والريب، وهو الهدى من كل محنة وبلاء.

قال تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ  يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}[الإسراء:9]

قال ابن كثير: يَمْدَحُ تَعَالَى كِتَابَهُ الْعَزِيزَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْقُرْآنُ، بِأَنَّهُ يَهْدِي لِأَقْوَمِ الطُّرُقِ، وَأَوْضَحِ السُّبُلِ {وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ} بِهِ، {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} عَلَى مُقْتَضَاهُ  

{أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ.[تفسير ابن كثير ت سلامة (5/ 48)]

وهذه الآيةُ الكريمةُ أجمل الله جلَّ وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطُّرُقِ وأعدَلِها وأصوَبِها، فلو تتبَّعْنا تفصيلَها على وجهِ الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم؛ لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيرَي الدنيا والآخرة. [أضواء البيان: للشنقيطي (3/17)]

فالقرآن يهدي، فيشمل الهدى أقوامًا وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان، ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان.

فالقرآن يهدي للتي هي أقوم بالعقيدة الصحيحة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض.

والقرآن يهدي للتي هي أقوم فيربط بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين  مشاعره وسلوكه.

والقرآن يهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة؛ بالموازنة بين التكاليف الشرعية والطبيعية البشرية؛ فلا تشق التكاليف على النفس حتى تملّ، ولا  

تتجاوز القصد والاعتدال.

والقرآن يهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفرادًا وأزواجًا، وحكومات وشعوباً، ودولاً وأجناساً، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى، الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع، ونظام التعامل.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}[البقرة:185]         بارك الله لي ولكم في القرآن...

الخطبة الثانية:                                                       الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ،ومن سار على نهجه واقتفى.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[الحجرات:1]

عباد الله: القرآن هو الكتاب العظيم، الذي تحصل به الهداية، والقرآن  

في نفسه هدى لجميع الخلق.

وإن من دلالات وصف القرآن بالهدى -عباد الله-:

أن الهدى الحقيقي التام: هو الهدى الذي جاء به القرآن؛ فمهما التمس الإنسان الهدى في غير القرآن فلن يجده.

ومن دلالاته: أن معيار الاهتداء ومقياسه هو القرآن، فإذا أراد الإنسان أن يزن نفسه أو غيره من حيث تحقق الاهتداء فليعرض نفسه على القرآن، وليزن أقواله وأفعاله بميزان القرآن، وسيتبين له حاله بجلاء.

قال بعض السلف: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا عَرَضَ نَفْسَهُ وَعَمَلَهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ, فَإِنْ وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ, حَمِدَ اللَّهَ وَسَأَلَهُ الزِّيَادَةَ, وَإِنْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ, أَعْتَبَ نَفْسَهُ, وَرَجَعَ مِنْ قَرِيبٍ. [أخلاق أهل القرآن: للآجري (ص: 39)]

ومن دلالاته: أن هدايات القرآن عظيمة جداً، إلا أن الناس يتفاوتون في إدراك هذه الهدايات بحسب درجات إيمانهم ويقينهم وتقواهم، فهدايات القرآن ليست مجرد معلومات تحفظ، بل هي فهم، وإدراك، وتدبر، وشعور، وأحاسيس،{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد:16]، وهدايات القرآن عمل وسلوك وتطبيق،{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}  [هود:112]. [أوصاف القرآن: للدرويش (ص:117-124)]

=فلنتق الله تعالى-عباد الله-، ولنقبل على القرآن، ولا سيما في هذا الشهر الكريم، ولنعلم أن من أراد أن يهتديَ قلبه فعليه بالقرآن تلاوةً وحفظاً وتدبراً، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[الشورى:52]

اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. يا ذا الجلال والإكرام. وصلوا وسلموا على الهادي البشير...

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

1772050897_‏‏أوصاف القرآن(4) الهدى.docx

1772050912_‏‏أوصاف القرآن(4) الهدى.pdf

المشاهدات 170 | التعليقات 1

جزاك الله خيرا