اخْتِصَامِ الْمَلَإِ
يوسف العوض
الخُطْبَةُ الأُولَى
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
عِبَادَ اللَّهِ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهَا زَادُ الْقُلُوبِ، وَسَبِيلُ النَّجَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي تَكْشِفُ لَنَا مَقَامَ الطَّاعَاتِ عِنْدَ اللَّهِ، وَتُبَيِّنُ شَرَفَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ، حَدِيثَ اخْتِصَامِ الْمَلَإِ الْأَعْلَى.
فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
«إِنِّي نِمْتُ، فَرَأَيْتُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟
قُلْتُ: لَا أَدْرِي.
فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟
قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ**».
ثُمَّ بَيَّنَ ﷺ فَقَالَ:
«الْكَفَّارَاتُ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَالْمَشْيُ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
وَالدَّرَجَاتُ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ».
يَا عِبَادَ اللَّهِ، تَأَمَّلُوا هَذَا الْمَشْهَدَ الْعَظِيمَ!
مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ، الَّذِينَ لَا يَفْتُرُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، يَخْتَصِمُونَ وَيَتَدَارَسُونَ فِي أَعْمَالٍ نَعْمَلُهَا نَحْنُ أَهْلُ الْأَرْضِ، أَعْمَالٍ قَدْ نَسْتَصْغِرُهَا، وَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ.
فَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ مَعَ الْبَرْدِ وَالْمَشَقَّةِ، وَخُطُوَاتٌ إِلَى بُيُوتِ اللَّهِ، وَانْتِظَارٌ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، كُلُّهَا تَمْحُو الذُّنُوبَ، وَتَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ، حَتَّى صَارَتْ مَوْضِعَ اخْتِصَامٍ فِي السَّمَاءِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا عِبَادَ اللَّهِ، وَسَابِقُوا إِلَى مَا يُحِبُّهُ رَبُّكُمْ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الْعَظِيمَ لَيْسَ لِلْمَعْرِفَةِ فَقَطْ، بَلْ لِلْعَمَلِ وَالتَّطْبِيقِ.
فَإِذَا كَانَ اخْتِصَامُ الْمَلَإِ الْأَعْلَى فِي الطَّاعَاتِ، فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ يَكُونَ تَنَافُسُنَا فِيهَا أَشَدَّ.
وَإِذَا كَانُوا يَتَدَارَسُونَ إِفْشَاءَ السَّلَامِ، وَإِطْعَامَ الطَّعَامِ، وَقِيَامَ اللَّيْلِ، فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ؟
يَا عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَقُودُنَا إِلَى الْكَسَلِ، بَلْ إِلَى الْهَمَّةِ الْعَالِيَةِ، وَإِلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ ذِكْرٌ فِي السَّمَاءِ، كَمَا لَهُ أَثَرٌ فِي الْأَرْضِ.
فَأَكْثِرُوا مِنَ الْمَشْيِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَحَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَأَحْيُوا سُنَنَ السَّلَامِ، وَتَفَقَّدُوا الْفُقَرَاءَ، وَقُومُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَذْكُرَكُمْ فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى.
المرفقات
1767589866_اختصام الملأ.docx