استقبال رمضان

أحمد بن علي الغامدي
1447/08/25 - 2026/02/13 10:09AM

أما بعد : فإنّ من جليلِ نِعَمِ اللهِ تعالى على عِباده أنْ جَدَّدَ لهم مَواسِمَ الخيرات؛ لِيَتَزَوَّدوا فيها من الأعمال الصالحات، ويَتَقَرَّبوا إليه بأنواع القُرُباتِ والطاعات، وقد أظَلَّنا ضَيْفٌ مبارك، خَصّهُ الله بأنواعِ المِنَنِ والكرامات، وضاعفَ فيه الأجورَ والحسنات، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» رواه الترمذي.

 أيها المبارك: في استقبال رمضان تذكر أنّ من المهم أن تصفّي قلبك من الخصومات والشحناء، فذاك مما قد يحول بينك وبين التوفيق للأعمال الصالحات ، فإنّ الله يؤخر المغفرة عن المتخاصمين، فَصِلِ حبل من قطعت، وصالحْ من خاصمت، وصافِ من شاحنت، ولا تجعل بينك وبين رحمة أرحم الراحمين موانع.

عباد الله : إنّ صاحبَ القلبِ السليمِ أهنأُ الناسِ عيشًا في رمضانَ وغيرِه، وأعظمُهم أجرًا؛ لأنَّ صلاحَ القلبِ ينعكسُ على الجوارحِ استقامةً واعتدالًا ، قال ﷺ: "أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ". وإصلاحُ الباطنِ معناهُ أن يشتغلَ القلبُ بأعمالٍ لا يطَّلعُ عليها الناسُ، من إخلاصٍ صادقٍ، وتوكُّلٍ صحيحٍ، ويقين جازم ،وخوفٍ يحملُ على الكفِّ عما حرم الله، ومحبة صادقة لله ، ومراقبةٍ له في الغيب تمنعُ من الزللِ؛ فهي أعمالٌ خفيَّةٌ في صورتِها، عظيمةٌ في أثرِهاوبركاتها.

عباد الله :وإنّ مما ينبغي تذكره في مقتبل رمضان ودوما: احتسابَ النية في كل عمل نعمله، فما تحضره مثلا لبيتك من طعام وشراب احتسب فيه أجر تفطير الصائمين من أهل بيتك ،واحتسب في كل ما تنفق عليهم ثوابَ الإنفاق على الأهل ، وأخرجه بطيب نفس ،فإنه من أعظم الحسنات .  

ومما ينبغي أن يستحضره المسلم: أن يقوم بتحقيق معنى الصيام وروحِه في قوله عليه الصلاة والسلام  (إيمانًا واحتسابًا)؛ حتى يكون من الفائزين بمغفرة الله له ما تقدم من ذنوبه.

وإنّ معنى إيماناً : أي إيماناً بأنّ الله شرع الصيام وأوجبه ، مع التصديقْ بما أعد الله تعالى للصائمين من جزيل الأجر ، والخوف من عقاب تركِ صيام رمضان.

ومعنى احتسابا: أن يفعلَه خالصًا لوجه الله راجيا ثوابَه ، فيصومْ، لأن الله أمر بصيام رمضان وأحبه ، لا رياءً ولا تقليداً ولا عادة ، ولا صحة ولا تخفيف وزنٍ ، ولا تجلداً لئلا يخالف الناس ، ولا لغير ذلك من المقاصد والنيات. بل نصومه فرحين به ،طيبةً به النفوسُ  لسنا كارهين لصيامه ولا مستثقلين لأيامه.نبتغي بذلك وجه الله وحده.

 عباد الله : إِنَّ أَهَمِّيَّةَ اسْتِحْضَارِ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فِي الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ :تَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَّهَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَذَكَرَهَا فِي صِّيَامِ رمضان ، وَذَكَرَهَا فِي قِيَامِه، وَذَكَرَهَا فِي قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَلَا يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ أَنْ تَمُرَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ الْمُنَبِّهَةُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فِي الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَيَسْمَعَهَا كُلَّ حِينٍ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا، وَلَا يَسْأَلَ نَفْسَهُ لِمَاذَا تكرر هَذَا التَّنْبِيهُ فِي صِّيَامِ رمضانَ وَقِيَامِه دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ؟مع أنّ جميع الأعمال لا بد أن تكون إيمانا واحتسابا. ولعل من أسباب التَكرار هو أن الإيمان والاحتساب يغيبان عن أذهان بعض الصائمين والقائمين بسبب اعتيادهما على مشاهدةِ الصائمين والقائمين في رمضان، فيغفُلون عن تصحيح النية واستصحابها دوما في هاتين العبادتين .

أسأل الله أن يجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجهه وحده خالصة ، وألا يجعل لأحد فيها شيئا.

عبد الله : بارك الله لي ولكم ....

أما بعد : فإنَّ الْمُؤْمِنَ فِي هذا الزمان في ابْتِلَاءٍ عَظِيمٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي رَمَضَانَ، بِمَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ فِي الشَّاشَاتِ  وَمِنْصَّاتِ التَّوَاصُلِ، وَالتَّطْبِيقَاتِ،مِنْ مُغْرِيَاتٍ وَشَهَوَاتٍ وَشُبُهَاتٍ، فَإِنْ سَلَّمَ نَفْسَهُ لَهَا سَرَقَتْ مِنْهُ رَمَضَانَ ،فَخَرَجَ مِنْهُ خَالِيَ الْحَسَنَاتِ، مُوقَرًا بالسَّيِّئَاتِ، وَإِنْ جَانَبَ الشر فيها، وَحَفِظَ نَفْسَهُ وَبَيْتَهُ وَأَهْلَهُ وَوَلَدَهُ؛ وحدد للمفيد منها وقتا لا يزيد عليه، صَفَا لَهُ ذِهْنُهُ، وَسَلِمَ لَهُ قَلْبُهُ، وَبُورِكَ لَهُ فِي وَقْتِهِ، وَوَجَدَ لَذَّةَ الصِّيَامِ، وَلَذَّةَ الصَّلَاةِ، وَلَذَّةَ الْقُرْآنِ الكريم، وَلَذَّةَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ؛ فَعَاهِدُوا رَبَّكُمْ عَلَى الْإِحْسَانِ فِي رَمَضَانَ، ووَفُّوا بِعَهْدِكُمْ لِلرَّحْمَنِ.

عِبَادَ اللَّهِ : مَنْ جَعَلَ أَهْدَافَهُ فِي الْحَيَاةِ هَزِيلَةً، وَقِيمَتَهُ فِي الْوُجُودِ رَخِيصَةً، وَفَوَّتَ الْفُرَصَ والغنائم، وَقَضَى عُمْرَهُ فِي تَلْبِيَةِ نَزَوَاتِهِ وَلَذَّاتِهِ؛ أَكَلَتِ الْأَيَّامُ الضَّائِعَةُ حَيَاتَهُ، وَالْسِّنُونَ التَّائِهَةُ عُمْرَهُ، وربما يَقُولُ يَوْمًا: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

     وبعد أيها الكرام : قَدْ دَنَا الشَّهْرُ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَزم عزيمة صادقة أَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ هَذِهِ السَّنَةِ مُخْتَلِفًا عَمَّا سَبَقَهُ ، وصام صيام مودع ، فإن رمضان ستمضي أيامه عجلى، وهو كما قال المولى (أياماً معدودات)

فاللهمَّ يا كريمُ يا رحمنُ بلِّغْنا شهرَ رمضانَ في أمن وعافية، واجعلْنا بفضلِكَ ممن يصومُهُ ويقومُهُ إيمانًا واحتسابًا. ومن المقبولينَ والعتقاءِ من النار.

 

 

المرفقات

1770966588_استقباال رمضاان.doc

1770967216_استقباال رمضاان.doc

المشاهدات 240 | التعليقات 0