اسمع لحال الكافر بعد أن يُغَادِر 6/3/1447
أحمد بن ناصر الطيار
إِنَّ الْحَمْد للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمْنْ يَضْلُلُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدُهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد:
فاتقوا الله –عباد الله- واعلموا أن الله - جلّ جلالـه وعظُم شأنه ولا إله غيره - خلق الإنس والجن لغايةٍ واحدة ومقصدٍ واحد؛ وهو أن يعبدوه ويوحّدوه ويملؤوا أوقاتهم بالعبادة والطاعة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات:56]: أي: ليوحّدوني.
فمن أطاع الله -جَلّ وَعَلَا- أحبّه، ومن عصاه وكفَر به أبغضه.
والله -سبحانه- يبغض الكافر بغضًا شديدًا، يقول جل وعلا: ﴿وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم﴾ [البقرة:276].
لماذا؟ لأنه جحد نِعَم الله -جَلّ وَعَلَا-، وعصاه وتمرّد عليه.
والله -جَلّ وَعَلَا- إنما خلقه وأعطاه السمع والبصر والعقل والمنطق واللسان: ليعمر أوقاته بالطاعة والعبادة، ولكنه فعل عكس ذلك؛ ولذلك يكرهه الله -جَلّ وَعَلَا- كرهًا شديدًا.
ومن حكمة الله تعالى أنه لم يعجّل عقوبة الكافر، بل جعله يتمتع في هذه الحياة؛ يقول جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ [محمد:12]، وبعد ذلك: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُم﴾ [محمد:12].
وانظر إلى حقارة هؤلاء الكفار؛ حيث جعلوا غاية قصدهم التمتع والأكل، ولذلك شبَّههم بالأنعام فقال: {كما تأكل الأنعام}؛ فالأنعام همّها شهواتُها وراحتُها، والكافر كذلك؛ همّه شهوته وطعامه وشرابه ونومه وكسبُ المال.
﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:44].
ومع ذلك فربنا -جَلّ وَعَلَا- قد حَرَم هؤلاء الأُنْس، وراحة البال، وانشراح الصدر، كمال قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:124].
إنك تراهم يذهبون ويمرحون، وربما كانوا أغنياء وتجارًا، ولكنّ الوحشة والضيق والضنك في قلوبهم.
فلا تغتر بهؤلاء الذين أُعطوا زينة الحياة الدنيا، لقد متّعهم الله في الظاهر، وأما في الباطن فقد ملأ قلوبهم آلامًا ونكدًا.
Û إنّ موعد عذاب الكافر يبدأ من حين موته، فإذا فارقت روحُه جسدَه انتقلت إلى عالمٍ آخر؛ عالمٍ فيه الأهوال والآلام والأتعاب.
لقد متّعهم الله قليلًا وضحكوا قليلًا، وسيبكون كثيرًا.
تأمل قول الله -جَلّ وَعَلَا- في بيان حال هؤلاء عند وفاتهم: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ أي: لو رأيت هؤلاء على حقيقتهم لرأيت أمرًا فظيعًا، ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾.
هذا أول الطريق، ضربٌ بالوجه وضربٌ بالدبر، هذه هي الآلامُ الحسية، أما الآلام المعنوية: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيق﴾.
يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ: ذوقوا عذاب الحريق؛ الذي سيحرقكم ويجعلكم تشعرون بالآلام إلى ما لا نهاية.
هذه الآلام لا تنقضي أبد الآبدين.
فإياك – أخي المسلم - أن تتمتّع في الدنيا بالحرام، إياك أن تقضي وقتك في تلبية رغباتك وشهواتك، وتعصي الإله العظيم الجبار الخالق.
إنّ حياتك هذه حياةٌ قصيرة، وستفارقها وتلقى جزاء ما عملت؛ ستلقى عقوبةَ الغيبة والنميمة وترك الصلاة يوم القيامة إن لم تتب.
فكر في مصيرك بعد موتك، لا تفكر في هذه الحياة الدنيا فقط، فأنت ميّت لا محالة.
إنّك في كلّ زمن تُودّع صديقًا أو قريبًا، وسيأتي الزمنُ الذي سنودّعك، فاستعد لما بعد الموت.
اللهم إنا نسألك النجاة من النار، برحمتك يا أرحم الراحمين.
............................
الحمد لله رب العالمين، والعاقبةُ للمتقين، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله الأمين، وعلى آله، وصحبه أجمعين، أما بعد:
إخوة الإيمان: إنّ الكافر سيُعذّب في قبره عذابًا شديدًا؛ فيُفرش له من النار، ويُضرب بمطرقةٍ من حديد ضربةً بين أذنيه، فيصرح صرخةً شديدة يسمعها من حوله إلا الإنس والجن، نعوذ بالله من ذلك.
وأما حاله يوم الحشر فحالٌ عجيبة، حيث يُحشر إلى النار عطشانَ ذليلًا مهينًا، يقول جلّ جلاله وعظُم شأنه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:85]، وفودًا مكرّمين منعمين؛ لأنهم كرّموا دين الله فكرّمهم الله -جَلّ وَعَلَا-، ورفعوا هذا الدين فرفعهم الله ربُّ العالمين، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا*﴾ عطاشًا.
ويُحشر أعمى لا يبصر، حيث يسمع من حوله؛ ويسمع التقريع، ويسمع صوت النار، لكنه لا يرى، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:124]، فيقول لله عز وجل: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه:125]؛ كنت في الدنيا أبصر وأشاهد، وأما الآن فلا أرى شيئا، ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:126]، من نسي آيات الله ونسي القرآن، نسيه الله -جَلّ وَعَلَا- يوم القيامة، نعوذ بالله من ذلك.
ويُحشر كذلك على وجهه، قيل: يا رسُولَ الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: "إن الذي أمشاهم على أرجلهم، قادرٌ على أن يمْشيَهم على وجوههم".
ويُسحب سحبًا، ويُدفع دفعًا، لأنه يسمع صوت النار عن قريب، وماهي إلا خطواتٌ يسيرةٌ ويقع في نارٍ عميقةٍ كبيرة، ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:13]؛ يُدفعون إليها دفعًا، ويُسحبون سحبًا، فيقال لهم على وجه التوبيخ والتقريع: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُون* أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾.
أهذا تخييل؟ أهذا كذب؟ أهذه خرافات؟ ﴿أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُون * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا﴾ لا ينفعكم صبركم لو صبرتهم وتجلّدتم، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾.
فالله لم يظلمكم، ولكن هذا جزاءُ عقوقكم، جزاءُ ترككم للصلاة، جزاءُ الغيبة والنميمة، جزاءُ ظلمكم، جزاءُ قطيعتكم، جزاءُ عبادتكم لغير الله -جَلّ وَعَلَا-، جزاءُ توسلكم بأهل القبور، ودعاءِ أصحاب القبور.
اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة، اللهم أجرنا من النار، اللهم آمّنا بجنتك فنسألك أن ندخلها، وآمنا بنارك فأعذنا منها، اللهم أحسن ختامنا، واغفر ذنوبنا، وارزقنا توبةً تمحو بها جميع ذنوبنا.
اللهم ما عصيناك جرأةً عليك، ولكن عصيناك تقصيرًا وغفلة، وأنت أرحم الراحمين، فارحمنا يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا ووليّ عهده لما تحب وترضى، اللهم اجمع بهما كلمة الإسلام والمسلمين.
اللهم احفظ جنودنا المرابطين عند حدودنا، وانصرهم على من بغى عليهم، يا رب العالمين.
اللهم انصر إخواننا في غزة، وعليك باليهود ومن عاونهم.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.