الأب

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي لم يزَل في قدره علِيًّا، ولم يكن له قطّ سميًّا، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله من كان لربه تقيا، فكان به سبحانه حفيا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن بهذه الملة السمحة كان رضيا ... وبعد:

فأوصيكم - عباد الله - ونفسي بتقوى الله جل جلاله، وصيته سبحانه للأولين والآخرين لأنها النجاة يوم الدين ( ومن يتق الله يُكفر عنه سيئاته ويُعظم له أجراً )

 

عباد الله:

جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ: إنَّ أبي اجتاحَ مالي يعني أخذ مالي بغير حق، فقالَ ( أنتَ ومالُكَ لأبيكَ)

 

وهذا أمية بن الصَّلت الثقفي الشاعر الجاهلي المعروف، شكاه ابنٌ له إلى حكيم من حكماء ثقيف يريد أن ينصفه من والده فقال الولد لحكيمهم ( إن أبي قد ظلمني حقي وأخذ مالي ) ... فلما علم بشكايته أبوه أمية أنشد أبياتاً ملؤها العتب والأسى فقال:

 

غَذَوتُكَ مولوداً وعِلتُكَ يافعاً *** تُعلُّ بما أُدني إليكَ وتَنهلُ

إذا ليلةُ ضافتكَ بالسقمِ لم أبِتْ *** لسُقمِكَ إلاّ ساهراً أتملّملُ

كأنّي أنا المطروقُ دونكَ بالذي *** طُرقتَ به دوني فعينيَ تَهملُ

فلمّا بلغتَ السِنَّ والغايةَ التي *** إليها مدى ما كُنتُ فيكَ أُؤملُ

جَعَلتَ جزائي غِلظَةً وفظاظةً *** كأنّكَ أنتَ المُنعِمُ المتَفضلُ

فليتكَ إذ لم تَرْعَ حقَّ أبوَّتي *** فَعَلتَ كما الجارُ الملاصقُ يفعلُ

فأوليتَني حَقَّ الجوارِ ولم تَكُن *** عَليَّ بمالٍ دونَ مالِكَ تبخَلُ

 

أيها المسلمون:

يا لعِظَمِ حَقِّ آبائنا علينا!

"الأبُ" كلمةٌ قَليلةٌ حرُوفُها، عَظيمة في عطائِها وشعورِهِا

"الأبُ" لا تُوفِّيه العبارات، ولا تَرفعه الكلماتُ، ولا تجازيه القصائِدُ، مهما بلغت من الثناءِ والمحامد.

"الوالدُ" هو السندُ إن مال عليك الأنام، وهو المعين إن ابتسمتْ لك الأيام.

وجودُه وحياتُه حَياة، وقسوته وإرشاده نَجَاة.

هو سورُ الأسرةِ وعمودُها، وهو رمزُ أمانها، وسرُّ استقرارها.

"الوالدُ" هو مُهْجَةُ الرُّوحِ، وقُرْةُ العين، ونُورُ الحياة، وشمعةُ المنزل.

حضورُهُ أُنْسٌ وَأَمَانٌ، ورُؤْيَتُه سعادةٌ واطمِئْنانٌ، وفَقْدُه لا تُعوِّضُهُ الأَثْمان.

"الأبُ" هو الرفيقُ الذي لا يَغيبُ، وهو الصديقُ وهو الحبيب، هو ثوبُك وجَسَدُك، وملامِحُك وأحلامُك.

"والدُك" هو رمزُ المحبةِ والعطاء، وعنوانُ التضحيةِ والرحمة.

"الوالدُ" هو المربي والموجِّه لك دون تقصير، وهو الباذلُ والكريمُ عليك دون بُخْلٍ أو تَقْتِير.

يأخذ من نفسِه لِيُعْطِيَكَ، ويَقْطَعُ مِنْ جَسَدِهِ لِيَفْدِيَك، وإن لم يُعْطِك ما تَتمنى، فقد وَهَبَكَ كلَّ ما وَجَدَ وتعنَّى.

إنه أحد الركنين العظيمين الذي وصى بهما مولاك -جل جلاله-، وجعل حقهما عليك عظيم، وشكرهما واجب محتوم (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).

 

يا من يسعى للجنة سعيا حثيثا، ويرجو ربه كرماً وفيرا، دونك والدك وسعدك وأنسك أوسط وأعظم أبواب الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: "الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ فحافِظْ على ذلك إنْ شِئْتَ أو دَعْ"(صححه ابن حبان، وجوَّد إسناده العلامة ابن باز).

 

 

 

إحسانك لأبيك من أعظم أسباب قبول عملك؛ قال سبحانه عن البارِّ بوالديه: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ).

إذا كنت حريصاً على رضا الله فأسعد أباك واطلب رضاه، فرضاه من رضا الله وإسخاطه من إسخاط الله، قال عليه الصلاة والسلام: "رِضَا اللهِ في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد"(صححه ابن حبان وحسنه الألباني).

 

قف -يا عبدَ الله- تأملْ معي قَدْرَ والِدِكَ، وفضلَهُ عليك، وإحسانَه إليك، فوالدك أنت نطفته، وقطعة منه، يرى فيك أملَهُ وذِكْرَهُ وبَقَاءَهُ.

لا تسل عن السرور، ولا عن الفرح الذي غشيه، ولا عن السعادة التي لفته حين بُشِّرَ بك، وأنت في أحشاء أمك.

ويزداد سرواً كلما تقدَّمت في الحمل شهوراً.

يَنْتظرُ بشوقٍ لإطلالتِكَ، ويَتَحَيَّنُ بِلَهَفٍ لإشراقتك.

يَعُدُّ الأيامَ واللياليَ لهذا اللقاءِ الجميل، كم سَرَّحَ في خيالِهِ من مَشَاهد؟ وكمْ هَامَ في وجْدَانِهِ من أُمْنِيات؟

ولمَّا حَانتْ ساعةُ خروجِك، وعَانَتْ أمُّكَ ما عَانَتْ من خُروْجِكَ، إذا والدك يعيشُ المعاناةَ والاضطراب، وكأنما يشاطرها الألَم والأوجاع، ويبتهلُ لله أن يخففَ ألم المخاض، حتى إذا سَمِعَ صرخاتِك فزَّ قلبُهُ وحنَّ! ورَقْرَقَتْ دَمَعاتُهُ وأنَّ! فرحاً بقدومك! وابتهاجك برؤيتك!

لا تَسَلْ عنْ نَظَراتِ المحبةِ، ولا عن لمساتِ الرحمةِ، ولا عن نبضات الحنان، فتلك لحظات لا تنسى في تاريخك عند أبيك

ثم لا تزيده الأيام إلا حباً لك وتعلَّقا بك، حتى تصبحَ أنت الرقمَ الأولَ والأهمَّ في حياتِهِ، لتكونَ أنتَ المخدومُ في لَيْلِهِ ونهارِهِ.

فكرُه معك، وقلبه يدور حولك، وسؤاله لا يبرح عنك.

يفرح حين يرى ابتسامتك، ويغتم حين تجاورك أسقامك.

راحتُهُ أنْ يضمَّكَ إلى صدْرِهِ، يَخافُ عليك من اللَّمْسَة، ويُشْفِقُ عليكَ من الهمسة، فكم مِنْ ليلةٍ سَهَرَها من أجلِ راحتِكَ، وكم من دمعاتٍ رقرقها خوفاً على صحتك، ولسان حاله:

فَنَمْ وَلَدِي بِمَهْدِكَ فِي هَنَاءٍ *** وَدَاعِبْ طَيْفَ أَحْلامِ الرُّقَادِ

                                                 وَإِنْ حَلَّ الظَّلامُ بِجَانِحَيْهِ *** وَأَرْخَى ظِلَّهُ فِي كُلِّ وَادِ

وَنَامَ الْخَلْقُ فِي أَمْنٍ جَمِيعًا *** فَقَلْبِي سَاهِرٌ عِنْدَ الْمِهَادِ

 

وما إن تبدأَ خطواتِك الصغيرةِ بالثَّبات إلا وقد رُسِمَتْ لوحة جميلة على محياه.

يرمقك بنظراته، ويحيطك بعنايته، أوامرك مطاعة، وطلباتك مجابة، يفرح لفرحك، ويغيض لغضبك، ويغتم لحزنك، فكم من دموع لك أزالها؟ وكم من هموم عن صدرك أزاحها؟

حتى إذا صَلُبَ عودُك، وزَهَرَ شبابُك، كنت أنت رمز فخره، وعنوان مباهاته، يُسَرُّ بنجاحِكَ، ويَسْعَدُ برؤيةِ آثارِك.

أَتَتْ سنوات تربيتك، فعانى ما عانى في تربيتك، فكم من أيام عاشها ألماً بسبب عنادِكَ ومناكَفَتِكَ، وكم من حسرات تجرَّعها كمداً من طيشك ومراهقتك

يخاف عليك محبة بك، ويعاتبك مودة لك، ويؤدبك تقويماً وشفقة عليك.

يَعْرَقُ لاحتياجاتك وبناء حياة كريمة لك، ويَكْدَحُ لإسعادك ومستقبلك.

كم من دعوات في الأسحار، ابتهل فيها للملك الجبار، وأنت لا تدري.

وكم من لوعات دامت، ودموع على المحاجر تجمَّعت، من أجلك أنت وأنت لا تدري.

أمنيتُه أن يرفرف التوفيق والنجاح في سمائك، وغايته أن ترافق السعادة في يومك وحياتك.

يُعْطيكَ كلَّ شيء ولا يَطلبُ منك أجراً، ويَبْذُلُ لك ما في وسعه ولا ينتظر منك شكراً.

أحسن إليك إحسانًا لا تَراه، وقدَّم إليك معروفًا لن تُجازاه.

أَطِعِ الإلَهَ كَمَا أَمَرْ *** وَامْلأْ فُؤادَكَ بِالحَذَرْ

وَأَطِعْ أَبَاكَ فَإِنَّهُ *** رَبَّاكَ فِي عَهْدِ الصِّغَر

وَاخْضَعْ لأُمِّكَ وَارْضِهَا *** فَعُقُوقُهَا إِحْدَى الكُبَرْ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)[الإسراء: 23-23].

أستغفر الله لي ولكم فاستغفروه

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي لم يزَل في قدره علِيًّا، ولم يكن قطّ له سميًّا،

 

 

أما بعد: فيا إخوة الإيمان: البرُّ بالأب يتأكَّد يوم يتأكد إذا تقضَّى شبابه، وعلا مشيبه، ورقَّ عظمه، واحدودب ظهره، وارتعشت أطرافه، وزارته أسقامه، في هذه الحال من العمر لا ينتظر صاحب المعروف والجميل من ولده إلا قلبًا رحيمًا، ولسانًا رقيقًا، ويدًا حانيةً.

 

 

يا أيها البارُّ بأبيه: تذكَّر قول المولى -جل جلاله-: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) فتخلَّق بالذل بين يديه بقولك وفعلك، لا تَدْعُه باسمه؛ بل ناده بما يحب، لا تجلس قبله، ولا تمشِ أمامه، قابله بوجه طلق وابتسامة وبشاشة، وتشرف بخدمته، وتحسس حاجاته.

 

إن طلب فبادر أمره، وإن سقم فقُمْ عند رأسه، أَبْهِجْ خاطره بكثرة الدعاء له، لا تفتأ أن تدخل السرور على قلبه في كل ما يحب؛ قدم له الهدية، وزفَّ إليه البشائر، واستشعر وأنت تقبل وتعطف على أبنائك عطف أبيك وحنانه بك، وردِّد في صبحٍ ومساءٍ: (رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)

أيها البارُّ بوالده: إن كان والدك تاج رأسك ممن قضَى نَحْبَه ومضى إلى ربه؛ وغاب عنك طيفه،  فأكثر من الدعاء والاستغفار له، وجدِّد برَّك به بكثرة الصدقة عنه، وصلة أقاربك من جهته، جاء رجلٌ إلى النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله هل بقي من برِّ أبويَّ شيءٌ أبرُّهُما به بعد موتِهما؟" قال: "نعم؛ الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدِهِما من بعدهما، وصلة الرَّحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما".

وإن كان والدك على قيد الحياة، فهنيئاً لك الحسنات الدارات، هنيئاً لمن أصبح وأمسى وهو يتقلب في رضا ربِّ الأرض والسموات.

وخاتمة الوصايا لمن كان له والد: أن يحسن صحبته، ويستطلب رضاه ودعوته، وليرفق به، وليتلطف معه، وليكثر من تقبيل يديه، ولزوم قدميه، فلطالما تعبت هاتان اليدان من أجل تربيتك وإسعادك، ولطالما تشققت تلك الأقدام الضعيفة من أجل الضرب في الأرض من أجل لقمة عيشك أنت ومن معك.

وأخيراً: تذكر ليلة تصبح فيها بلا أب مشفق، يدعوا لك، ويسأل عنك، تذكر يومًا تحثو فيه التراب على صاحب القلب الكبير، والوجه النضير.

تذكر ساعةً تدخل فيها المنزل، فلا تسمع صوته ولا تبصر رسمه.

فاستغفر ربك -أخي المقصِّر-، وعاهد نفسك من هذا المكان على استدراك ما فات، بالبر والإحسان فيما هو آت، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

أيها الإخوة: من المحزن لكل مسلم ما نسمعه بين الفينة والأخرى من أن فلاناً قد ساءت علاقته بوالديه.. وربما لم يرى أباه أياماً وربما شهوراً وربما عياذًا بالله سنين.. أين هؤلاء من وعيد الله ورسوله وتهديده على أعواد منبره حين قال: آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ، آمِينَ آمِينَ، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ». الحديث رواه ابن حبان وغيره وهو صحيح.

المرفقات

1767374309_الأب.docx

المشاهدات 80 | التعليقات 0