(الأمن يوم الحرب) - أعمال العشر الأواخر

راكان المغربي
1447/09/16 - 2026/03/05 12:19PM

الأمن يوم الحرب - أعمال العشر الأواخر

الْخُطْبَةُ الْأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

أَمَّا بَعْدُ:

كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ حَدَثًا أَلِيمًا، وَمُصَابًا جَلَلًا، فَقَدْ حَلَّتِ الْهَزِيمَةُ بِالْمُسْلِمِينَ، بَعْدَ الِانْتِصَارِ الْعَظِيمِ الَّذِي كَانَ فِي بَدْرٍ.

انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ وَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ، وَبَدَأَ الْمُسْلِمُونَ يُحْصُونَ قَتْلَاهُمْ، وَيُضَمِّدُونَ جِرَاحَاتِهِمْ. يُصْدِرُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمْرًا بِالِاجْتِمَاعِ، لِأَدَاءِ مُهِمَّةٍ عَاجِلَةٍ، كَانَتْ كَفِيلَةً بِأَنْ تُهَدِّئَ الْآلَامَ، وَتُخَفِّفَ الْمُعَانَاةَ، وَتَبْعَثَ الْأَمَلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

يَقُولُ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ".

إِنَّهُ اللَّجَأُ إِلَى اللهِ! أَمَانُ الْخَائِفِينَ، وَجَابِرُ الْمُنْكَسِرِينَ. إِنَّهُ الْحَمْدُ وَالثَّنَاءُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَعَلَى النَّعْمَاءِ وَعَلَى الْبَلْوَاءِ.

يُكَمِلُ رَافِعٌ فَيَرْوِي ثَنَاءَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْعَطِرَ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ قَالَ: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ).

اللهُ أَكْبَرُ! إِيمَانٌ بِاللهِ، وَثِقَةٌ بِقُوَّتِهِ، وَيَقِينٌ بِقُدْرَتِهِ. لَنْ يَحْدُثَ فِي كَوْنِهِ إِلَّا مَا أَرَادَ، فَلَوِ اجْتَمَعَ الْبَشَرُ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَنْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

ثُمَّ يُكَمِلُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دُعَاءَهُ فَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ الْعَيْلَةِ، وَالْأَمْنَ يَوْمَ الْحَرْبِ، اللَّهُمَّ عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَشَرِّ مَا مَنَعْتَنَا).

دُعَاءٌ كُلُّهُ طَمَعٌ فِي رَحْمَةِ الرَّحِيمِ، وَرِزْقِ الرَّزَّاقِ، فَالْعَافِيَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنَّةٌ جَلِيلَةٌ، حَرِيٌّ بِكُلِّ امْرِئٍ أَنْ يَسْأَلَهَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْعَافِيَةِ: الْأَمْنُ وَقْتَ الْخَوْفِ وَالْفَزَعِ وَالْحُرُوبِ، فَمَعَ وُجُودِهِ تَسْتَقِرُّ الْحَيَاةُ، وَتَطْمَئِنُّ النُّفُوسُ، وَبِفَقْدِهِ تَضْطَرِبُ الْمَعِيشَةُ، وَتَضِيقُ الْأَرْوَاحُ.

ثُمَّ يُكَمِلُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دُعَاءَهُ فَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ، وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ).

فَالدِّينُ هُوَ رَأْسُ الْمَالِ، وَأَغْلَى الْمُمْتَلَكَاتِ، وَأَعْظَمُ النِّعَمِ، فَهُوَ الرُّشْدُ وَغَيْرُهُ الْغَيُّ، وَهُوَ النَّجَاةُ وَغَيْرُهُ الْهَلَاكُ، فَهَنِيئًا لِمَنْ ثَبَتَ عَلَى إِيمَانِهِ، وَوُقِيَ شَرَّ شَيْطَانِهِ، وَرَحَلَ إِلَى رَبِّهِ مُسْلِمًا صَالِحًا غَيْرَ مَفْتُونٍ.

ثُمَّ خَتَمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الدُّعَاءَ بِقَوْلِهِ: (اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، إِلَهَ الْحَقِّ). اسْتِغَاثَةٌ بِاللهِ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يَعْضُدَ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَعْرَكَتِهِمْ مَعَ الْبَاطِلِ، فَيُدَافِعَ عَنْهُمْ، وَيُقَاتِلَ مَعَهُمْ، وَيُنْزِلَ بَأْسَهُ وَبَطْشَهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ.

وَبِذَا يَتِمُّ هَذَا الدُّعَاءُ النَّبَوِيُّ الْعَظِيمُ، وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَشَرَحْنَاهُ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ فِي ظِلِّ أَحْدَاثٍ عَاصِفَةٍ، وَحُرُوبٍ مُشْتَعِلَةٍ، وَفِتَنٍ تَدَعُ الْحَلِيمَ حَيْرَانًا. وَبَيْنَ يدَيْ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ نَبُثُّ بَعْضَ الْوَصَايَا:

أَوَّلًا: شُكْرُ اللهِ عَلَى نِعْمَةِ الْأَمْنِ فِي ظِلِّ هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي يَسْهَرُ قَادَتُهَا وَجُنُودُهَا عَلَى حِفْظِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَيَكُونُ الشُّكْرُ بِالْقَوْلِ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ وَاللَّهْجِ بِشُكْرِهِ، وَيَكُونُ الشُّكْرُ بِالْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.

ثَانِيًا: الِاسْتِعْدَادُ النَّفْسِيُّ وَالْإِيمَانِيُّ لِمَا قَدْ تَؤُولُ إِلَيْهِ الْأَحْدَاثُ -لَا قَدَّرَ اللهُ-، فَقَدْ يَبْتَلِي اللهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ لِيُمَحِّصَهُمْ وَيَمْتَحِنَهُمْ. يَقُولُ حُذَيْفَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ مِنَ النَّاسِ"، فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةِ رَجُلٍ، فَقُلْنَا: نَخَافُ وَنَحْنُ أَلْفٌ وَخَمْسُ مِئَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ حُذَيْفَةُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَهُوَ خَائِفٌ.

فَإِذَا كَانَ الصَّحَابَةُ مَا أَمِنُوا مِنَ الْبَلَاءِ، فَكَيْفَ نَأْمَنُ نَحْنُ؟

إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَتَمَنَّى الْبَلَاءَ وَلَا يَسْعَى إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا جَاءَ يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لَهُ بِحُسْنِ عَلَاقَتِهِ بِاللهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ، وَالْبَذْلِ وَالتَّضْحِيَةِ فِي سَبِيلِهِ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ".

ثَالِثًا: الْحَذَرُ مِنَ الْخَوْضِ فِي الْأَحْدَاثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَالْخَبْطِ فِي نَقْلِ الْآرَاءِ وَالتَّحْلِيلَاتِ، وَنَشْرِ الْأَكَاذِيبِ وَالشَّائِعَاتِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. هَذَا هُوَ التَّصَرُّفُ الصَّحِيحُ، أَنْ نَرُدَّ الشَّأْنَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَذَوِي الِاخْتِصَاصِ، وَأَمَّا الْكَلَامُ بِالظُّنُونِ وَالتَّخَرُّصَاتِ فَمَا أَعْظَمَ خَطَرَهُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}. كَمَا يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْ تَصْوِيرِ أَوْ تَدَاوُلِ الْمَقَاطِعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْدَاثِ الْأَمْنِيَّةِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِرْجَافِ وَإِشَاعَةِ الْخَوْفِ وَتَعْرِيضِ الْأَنْفُسِ وَالْمَصَالِحِ لِلْخَطَرِ، وَإِعَانَةِ الْعَدُوِّ عَلَى التَّمَادِي فِي عُدْوَانِهِ.

الْوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَخِيرَةُ: هِيَ مَا بَدَأْنَا بِه الْخُطْبَةَ مِنَ الدُّعَاءِ الصَّادِقِ، وَسُؤَالِ اللهِ الْعَافِيَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا. فاللهم َاحْفَظْ هَذِهِ الْبِلَادَ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا قُوَّتَهَا وَعِزَّتَهَا، وأَلْهِمَ بِالرُّشْدِ قَادَتَهَا وَجُنُودَهَا وَشُعُوبَهَا، وَسَخِّرْهُمْ جَمِيعًا لِنُصْرَةِ دِينِك وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِك وَحِفْظِ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ الْعَيْلَةِ، وَالْأَمْنَ يَوْمَ الْحَرْبِ، اللَّهُمَّ عَائِذِينَ بِكَ مِنْ سُوءِ مَا أُعْطِينَا، وَشَرِّ مَا مَنَعْتَ مِنَّا، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، إِلَهَ الْحَقِّ.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:

بَيْنَمَا نَحْنُ نَسْتَقْبِلُ التَّبْرِيكَاتِ، وَنَتَبَادَلُ التَّهَانِيَ، وَنَتَوَاصَى بِاسْتِثْمَارِ كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الشَّهْرِ، إِذْ بِالشَّهْرِ قَدْ تَصَرَّمَتْ لَيَالِيهِ وَانْقَضَتْ أَيَّامُهُ.

لَقَدِ انْقَضَى مُعْظَمُ الشَّهْرِ، وَلَكِنْ بَقِيَ أَعْظَمُهُ. بَقِيَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ الْمُبَارَكَاتُ، الَّتِي فِيهَا أَعْظَمُ لَيَالِي الْعُمُرِ، وَأَجَلُّ سَاعَاتِ الزَّمَانِ. {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.

{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}؛ يَعْنِي أَنَّ أَجْرَ مَنْ تَعَبَّدَ اللهَ فِي سَاعَاتِهَا الْقَلِيلَةِ الْمَعْدُودَةِ، فَإِنَّهُ سَيَحْصُلُ عَلَى أَجْرِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً يَقْضِيهَا كُلَّهَا فِي عِبَادَةِ اللهِ.

وَقَدْ كَانَ مِنْ حِكْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِخْفَاءُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ، لِنَنْشَغِلَ كُلَّ لَيَالِي الْعَشْرِ بِالْعِبَادَةِ وَالِاجْتِهَادِ تَحَرِّيًا لَهَا، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّذِي تَقُولُ عَنْهُ زَوْجُهُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ".

فَفِي تِلْكَ الْعَشْرِ كَانَ يَحْبِسُ نَفْسَهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَعْتَكِفُ الْعَشْرَ كُلَّهَا. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ الْفَائِزُ الْمَحْظُوظُ بِأَنْ صَرَفَ كُلَّ ثَانِيَةٍ مِنْ ثَوَانِي الْعَشْرِ فِي عِبَادَةٍ وَطَاعَةٍ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الِاعْتِكَافَ كَامِلَ الْعَشْرِ فَلْيَعْتَكِفِ اللَّيَالِيَ أَوْ بَعْضَهَا أَوْ أَجْزَاءً مِنْهَا.

وَمِنْ أَعْمَالِ الْعَشْرِ: قِيَامُ اللَّيْلِ، فَقَدْ كَانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحْيِي لَيَالِيَهَا كُلَّهَا فَلَا يَنَامُ فِيهَا أَبَدًا، وَذَلِكَ لِيَغْتَنِمَهَا بِالْقِيَامِ وَالتَّبَتُّلِ لِلهِ الْعَظِيمِ. وَكَانَ يَقُولُ: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

وَكَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ لِيَغْتَنِمُوا اللَّيَالِيَ الْغَالِيَةَ بِالْقِيَامِ وَالْعِبَادَةِ، تَقُولُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: "كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَشَدَّ مِئْزَرَهُ" -أَيْ اعْتَزَلَ النِّسَاءَ-. فَالْوَقْتُ وَقْتُ الْجِدِّ لَا وَقْتُ اللَّهْوِ وَالْكَسَلِ.

وَمِنْ أَعْمَالِ الْعَشْرِ الْجَلِيلَةِ: الدُّعَاءُ، فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: "قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ، تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي".

وَمِنْ أَعْمَالِ الْعَشْرِ: الْإِقْبَالُ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ عُظِّمَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، فَكُلُّ بَرَكَتِهَا مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ بَرَكَاتِ الْقُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ فِيهَا فَبَارَكَهَا وَعَظَّمَهَا.

تِلْكَ هِيَ أَبْرَزُ الْأَعْمَالِ الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُهَا فِي الْعَشْرِ، فَهِيَ أَعْظَمُ مَا يُؤَهِّلُكَ لِتَنَالَ عَظِيمَ أَجْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَتَحْقِيقَ الْفَوْزِ فِيهَا، فَاعْمَلْ فِيهَا بِمَا اسْتَطَعْتَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ. وَلَا يَقْتَصِرُ الْعَمَلُ عَلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ تَعْمَلُهُ فِيهَا مَهْمَا كَانَ، فَالْأَجْرُ مُضَاعَفٌ، وَكَرَمُ الْكَرِيمِ حَاضِرٌ، لَا يُحْصِيهِ الْمُحْصُونَ وَلَا يَعُدُّهُ الْعَادُّونَ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا بِتَوْفِيقِكَ، وَمُنَّ عَلَيْنَا بِكَرَمِكَ، وَزِدْنَا مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَاكْتُبْ لَنَا فِيهَا أَوْفَرَ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِيهَا وَفِي رَمَضَانَ مِنَ الْفَائِزِينَ الْمَقْبُولِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمَحْرُومِينَ الْمَخْذُولِينَ.

 

المرفقات

1772702540_(الأمن يوم الحرب) - أعمال العشر الأواخر.docx

1772702540_(الأمن يوم الحرب) - أعمال العشر الأواخر.pdf

المشاهدات 764 | التعليقات 0