البيت النبوي.. قدوة للأسرة المسلمة

د مراد باخريصة
1447/03/05 - 2025/08/28 19:56PM

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي جعل الزواج ميثاقاً غليظاً، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد؛ عباد الله: أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله عزَّ وجلَّ، فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:131].

أيها الأحبة في الله: حديثنا اليوم عن قدوتنا الأعظم محمد ﷺ في بيته ومع زوجاته، لنقف على مدرسة عملية في حسن العشرة، ولنعرف أن القدوة ليست في ساحات الجهاد فقط، ولا في المحاريب وحلق العلم فقط، بل في البيت أيضاً، حيث يكون الإنسان على حقيقته.

لقد كان النبي ﷺ كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن"، فكان أرفق الناس بأهله، وأحسنهم عشرة، وأعظمهم وفاءً.

ومن أخلاقه مع أهله الرفق والرحمة، فقد كان ﷺ يقول: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" فلم يكن فظاً ولا غليظاً، بل كان يلاطف زوجاته، ويمازحهن، ويسابق عائشة في الطريق، ويجلس معهن جلسة الأنس والرحمة.

وفي واقعنا اليوم – مع كثرة ضغوط الحياة – يحتاج الأزواج أن يتذكروا هذا الهدي، فلا يجعلوا بيوتهم ساحة صراع، بل واحة رحمة.

ومن أخلاقه عليه الصلاة والسلام العدل والإنصاف، فقد كان ﷺ يعدل بين زوجاته في المبيت والنفقة والكسوة، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" فهو يعدل في الظاهر، ويستغفر الله فيما يتعلق بميل القلب.

وكم نرى اليوم من بيوت تهدم بسبب الظلم بين الزوجات، أو التفريط بحقوق المرأة، أو التمييز بين الأولاد.

كذلك الحوار والاستشارة فإن نبينا ﷺ كان يشاور زوجاته، فقد شاور أم سلمة في صلح الحديبية، فأشارت عليه برأي حكيم أنقذ الموقف، وهذا درس لنا أن المرأة ليست مخلوقاً مهمشاً، بل شريكة في الرأي والتدبير.

ومن أخلاقه صلى الله عليه وسلم مع نسائه معالجة المشاكل بالحكمة، فلم يكن عليه الصلاة والسلام يعالج الخلافات بالعنف أو القسوة، بل بالحكمة واللين والرحمة.

ولما طلبت زوجاته زيادة النفقة، لم يغضب غضبة الطغاة، بل اعتزل شهراً يؤدبهن باللين، ثم خيَّرهن بين الدنيا وزينتها أو الله ورسوله والدار الآخرة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *  وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب 28: 29].

ومن أخلاقه الوفاء ورعاية الأهل فقط كان النبي ﷺ أوفى الناس لزوجاته في حياتهن وبعد وفاتهن، فكان يذكر خديجة رضي الله عنها بالخير، ويكرم صديقاتها، ويقول: "إني قد رُزقت حبها".

وانظروا إلى وفاء العهد عند الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجته خديجة ولصديقاتها، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندي، فقال: لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنتِ؟» قالت: أنا جثامة المزنية، فقال: «بل أنت حسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟» قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: «إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان».

فأي وفاء أعظم من هذا؟ وفي زمننا حيث ينسى بعض الأزواج العشرة الطيبة بمجرد خلاف عابر.

إننا نحن بحاجة إلى استلهام هذا النموذج النبوي، لنتأسى ونقتدي برسولنا صلى الله عليه وسلم {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب : 21].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ..

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها المسلمون:

إنّ بيوتنا اليوم تعاني من كثرة الطلاق والنزاعات الزوجية، وكثير من الأبناء يدفعون ثمن هذا الصراع، ولو رجعنا إلى بيت النبوة لوجدنا العلاج: مودة ورحمة، احترام متبادل، عدل وإنصاف، صبر وتغافل، دعاء واستغفار.

لقد كان النبي ﷺ يتغافل عن بعض الهفوات، ويقول: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر".

فالحياة الزوجية لا تقوم على المثالية المطلقة، بل على التغافل والبحث عن الإيجابيات.

وفي زماننا، نجد كثيراً من الأزواج أو الزوجات يفتشون عن الأخطاء ويُضخّمون الزلات، فيتحول البيت إلى ساحة خصام ومشاكل.

كذلك البساطة في العيش، فلم يكن ﷺ يُرهق نفسه ولا أهله بالكماليات، بل كان يعيش الكفاف، وربما لم يُوقَد في بيته نار شهراً كاملاً، وإنما طعامهم التمر والماء.

وهذا درس لنا في زمن المظاهر الكاذبة والديون الثقيلة، أن السعادة ليست في كثرة المال، بل في القناعة وحسن المعاملة.

وكان ﷺ يقوم بخدمة أهله، كما سألت عائشة رضي الله عنها: "ما كان يصنع في بيته؟" قالت: "كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة".

وفي هذا رسالة لكل واحد منا أن يُربي أهله بقدوته قبل لسانه، وأن يكون نموذجاً عملياً للرحمة والتواضع.

فلنقتدِ برسول الله ﷺ في بيوتنا، ولنجعل من بيوتنا محاضن حب ورحمة، ولنُربِّ أبناءنا على هذه القيم العظيمة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:21].

اللهم أصلح بيوتنا، وألّف بين قلوبنا، وارزقنا حسن الاقتداء بنبينا محمد ﷺ.

وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

المرفقات

1756400065_البيت النبوي.. قدوة للأسرة المسلمة.doc

المشاهدات 254 | التعليقات 0