التخلية قبل التحلية
د.عبدالحميد المحيمد
إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .
عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
أيها الأحبة في اللَّه، التخلية قبل التحلية، هذه القاعدة نحتاج أن نطبّقها قبل شهر رمضان؛ فالتخلية في شهر شعبان أن يتخلّى الإنسان عن العادات الذميمة، وعن الذنوب والمعاصي، فيلقى رمضان وهو طاهر، ثم يجتهد في شهر رمضان ويتقرّب إلى اللَّه بالطاعات.
التخلية قبل التحلية أن يتخلّى الإنسان عن أكل الحرام، وأن يتخلّى عن القيل والقال، وأن يتخلّى عن الغيبة والنميمة في المجالس، حتى يكون في رمضان مستعدًّا لأن يصوم سمعه وبصره ولسانه.وأمّا الذي يدخل شهر رمضان ولم يتخلَّ عن تلك المعاصي، فتجده صائمًا ولسانه يتكلّم ويغتاب، حتى تغيب شمس ذلك اليوم وقد أضاع أجر الصيام. ولذلك قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم:
«من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ ، فليسَ للَّهِ حاجةٌ بأن يدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ».
ولماذا؟ لأن الإنسان لا بدّ أن يتخلّى في البداية ويترك، ثم بعد ذلك يُقبِل على الطاعات، ودليل ذلك قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم:
«ما نَهَيْتُكُمْ عنْه فَاجْتَنِبُوهُ، وَما أَمَرْتُكُمْ به فَافْعَلُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ».
الطاعات لا يستطيع الإنسان الإتيان بها كاملة، ولكن سَدِّدوا وقارِبوا، وأمّا النهي والاجتناب فلا بدّ أن يترك الإنسان ويتخلّى، لأن الترك أسهل من الفعل.وأيضًا فإن في التخلية تهيئةَ القلوب حتى تُقبِل على اللَّه عزّ وجل؛ فعندما يتخلّى هذا القلب عن الشرك، ويتخلّى عن النفاق والرياء، ويتخلّى اللسان عن قول الزور والغيبة والكلام الفاحش، فإن لسانه يلين عند قراءة القرآن، ويسهل عليه ذكر اللَّه، ويسهل عليه تسبيح اللَّه، ويسهل عليه قيام الليل.
ولذلك قال السلف: ذنوب النهار تحجب عنك قيام الليل، وتحرِمك من قيام الليل؛ بسبب ثِقَل تلك الذنوب التي ارتكبها العبد في النهار.فإذاً التخلية قبل التحلية. الآن في شهر شعبان، من كان واقعًا في عادة ذميمة، ومن كانت عنده شبهة حرام، فليطهّر ماله. ومن كانت له مجالس، فليحذر الغيبة، وليجعل الحديث فيما أباحه اللَّه ، فإن لم يستطع الإنسان أن يتكلّم بالكلام الصالح، فعلى الأقل ألا يتكلّم بالكلام الحرام؛ لأن كل من سمع وسكت فهو مشارك في هذه الغيبة. فالمؤمن يحرص على التخلية، ثم بعد ذلك يبدأ بالتحلية.
قال اللَّه تعالى: ( قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (غافر:66)
استدلّ ابن عثيمين رحمه اللَّه على وجوب التخلية بقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي﴾.
ثم استدلّ على وجوب التحلية بقوله تعالى:
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
فما أحوجنا اليوم إلى تطهير أسماعنا وأبصارنا قبل أن نُقبل على الطاعات.
قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ (الأعلى:14)، أي: من تزكّى نال الفلاح وارتقى إلى المراتب العالية.
وقال تعالى أيضًا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس:9)، أي: يطهر النفس من الذنوب، ثم ينميها بالخير، وذلك بالإكثار من الطاعات وقراءة القرآن؛ فهذه تنمية، وهي أيضًا من التزكية.
نسأل اللَّه أن يصلح أحوالنا وأن يردّنا إليه ردًا جميلًا.
أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه.
الخطبة الثانية
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
كان السلف يستعدّون لشهر رمضان، ذلك الضيف الذي طال انتظاره أحد عشر شهرًا.
فيهيّئون أنفسهم، ويُعدّون زوايا البيت لصلاة النوافل، ويتفقدون مصاحفهم، ويتفقدون الفقراء، فيتأهبون للقاء هذا الضيف وهم على أحرّ من الجمر شوقًا لرمضان.
وكانوا يستعدّون لذلك ليس فقط بظاهر الأعمال، ولا فقط بأعمال الجوارح، بل كانوا يحرصون على أعمال القلوب؛ فيتخلّصون من كل ما يحجبهم عن بركات رمضان.
فيتخلّصون من الأحقاد؛ لأن الإنسان إذا دخل رمضان وقلبه مليء بالحقد، فلن يجد فيه متسعًا لمواساة المسلمين، ولن يسعَهُ أن يرحمه اللَّه عزّ وجلّ.
ولذلك يقول النبي صلى اللَّه عليه وسلم:"ارْحَمُوا مَن فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَن فِي السَّمَاءِ ."
فاستعدّوا إذًا لاستقبال رمضان بترك الشحناء، وترك البغضاء، وترك الشرك، وترك النفاق، وترك الحرام، وترك الموبقات.
ثم اعلموا أن اللَّه عزّ وجلّ يعينكم؛ فيُسهّل عليكم قيام التراويح، ويُسهّل عليكم الصلوات الخمس في المساجد، ويُسهّل ويُخفّف عنكم الامتناع عن الطعام والشراب.
وكان السلف يفرّون إلى المساجد في رمضان؛ لماذا؟ يقولون:”نُطهّر صيامنا “. لم تكن لديهم الملهيات التي تلهي الناس اليوم، ومع ذلك كانوا يذهبون إلى المساجد في رمضان ويقولون:” نُطهّر صيامنا “.
ونسأل اللَّه تعالى أن يطهرنا، وأن يعفو عنا، وأن يغفر لنا، وأن يصلح أحوالنا.
اللَّهم اغفر لنا ذنوبنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللَّهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأصلح أبناءنا وبناتنا، واغفر للمؤمنين والمؤمنات.
اللَّهم اشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا، وألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وبلغنا رمضان آمنين مطمئنين يا رحمن يا رحيم.
اللَّهم اسقِنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين. اللَّهم اغث البلاد والعباد؛ سقيا رحمة لا سقيا عذاب، تحيي بها الزرع، وتدرّ بها الضرع، وتجعلها رحمة لنا يا رحمن يا رحيم.
اللَّهم اغثنا، اللَّهم اغثنا، اللَّهم اغثنا.
وصلى اللَّه على نبينا محمد.
المرفقات
1770434266_التخلية قبل التحلية.pdf