الحج: تعبدٌ وأدبٌ والتزامٌ
سامي بن محمد العمر
الحج: تعبدٌ وأدبٌ والتزامٌ
28/11/1447
أما بعد:
فمنذ أن أرشد الله أبا الأنبياء إبراهيمَ عليه السلام إلى موضع البيت، وأذِن له في بنائه، وأمره بتطهيره، ثم أقامه مناديًا على جبل الصفا أو غيره كما قال تعالى:
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 26، 27]
منذ ذلك الحين... ونفوسُ المؤمنين لا تفتأُ من تَذكُّرِ البيت، وأرواحُهم لا تهدأُ من الشوق إليه، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وتباعد مواطنهم وبلدانهم، يأتونه ولباسهم واحد وهتافهم واحد ودينهم واحد.
تتبخر متاعب أسفارهم مع أول موضعِ قدمٍ يطؤونه من الديار المقدسة، ومع أول نظرة تشاهدها أعينهم لكعبة الله المشرفة.
ففي بضع أيام من الصفاء والنقاء، والذكر والدعاء، والمحبة والإخاء،
في بضع أيام من التوبة والغفران، والطهر وزيادة الإيمان
يعود المرء بجوائز عظيمة مضمونة لا يجدها في كل أسفاره...
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ»([1]).
وعنه، قال صلى الله عليه وسلم: ((الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّة))([2]) متفقٌ عَلَيْهِما.
والحج المبرور هو الذي يلتزم فيه الحاج هدي نبيه صلى الله عليه وسلم القائلِ بأبي هو وأمي: ((خذوا عني مناسككم))([3]):
1- بأن يكون مخلصًا لله تعالى فيه، وملتزماً بآداب الحج وشعائره، وجاعلاً السكينةَ له شعاراً والرفقَ واللينَ دثاراً، وملتزماً بتنظيمات التفويج ومسارات الحركة، ومتجنباً التدافعَ والأذى، ومتحلياً بالصبر والحلم والرضا، ليصونَ حجه من موجبات النقيصة والردى، ويتزودَ بالعزيمةِ والاقتداء، والإيمانِ والتقوى:
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة:197]
2- أن يأخذ الحاج بالأسباب المشروعة لحفظ النفس في الحج من لقاحات وأدوية، وتوقٍّ من ضربات الشمس، وشرب قدر كاف من المياه وغير ذلك، لأن ذلك دليل العقل والديانة، وكمال التحفظ والصيانة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
3- أن يلتزم الحاج بكل التعليمات التي تصدرها الجهات الرسمية المنظمة للحج، لأن أعداد الحجيج كبيرة، ومساحات المشاعر معلومة، وطاقتها في الاستيعاب محدودة، ووفود الحجاج إليها بلا ضوابط ولا تنظيم مدعاةٌ للزحامِ والافتراشِ وتعطيلِ الخدمات وإرهاقِ الأجهزة الأمنية والصحية والتدافعِ عند الجمرات وموتِ الضعفاء وكبار السن.
ومن هنا لجأت الحكومة سددها الله مضطرة إلى تصريحِ الحج لمن يحج فرضه، ومنعِ الحج بلا تصرح حفاظاً على أرواح المسلمين البريئة الطاهرة وقد قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فلا يجوز حينئذٍ مخالفة ذلك ولا التعاون مع المخالفين بأي وجه من الوجوه.
وبلادنا المملكة العربية السعودية في ظل توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان أيدهما الله، قد تعودت على فتح قلبها قبل أرضها لضيوف الرحمن في العام كله، وبذلت كل الخدمات التي تسهل لهم أداء مناسكهم بكل يسر وسهولة، وما زالت تذود عن الشريعة والشعائر بعيون ساهرة، وجهود مشكورة، وأموال مبذولة.
وحيث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس))([4])؛ فإن ما يشاهده الجميع من الجهود المبذولة في كل القطاعات، والتطور المتواصل في الخدمات الأمنية والصحية والاجتماعية وحسن التنظيم على أرقى وسائل الراحة والطمأنينة ليستوجب الشكر - بعد شكر الله - لحكومة المملكة أيدها الله، وكلِّ من بذل نفسه ووقته وجهده من أهل العلم والمعرفة، ورجال الأمن والصحة، وكبار المسؤولين والمواطنين والمقيمين صغارًا وكبارًا ذكورًا وإناثًا.
فجزاهم الله خيرا على خدمة ضيوفه وحجاج بيته، وزادهم هدى ونجاحا وتوفيقا وفلاحا وأيدهم بالحق وأيد الحق بهم، إنه سميع قريب.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الخطبة الثانية
أما بعد: عباد الله:
في طريق السفر إلى الله عقبات ولذات وملهيات... تؤخر المسير، وتُقصِّر الخُطا، وتغري بالإقامة والبقاء، {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}
والكل منا لا بد أن يتأثر بشيء من تلك اللذات والمغريات وينجرف وراء اللعب والملهيات ... ولكن ربَّنا أرحم بنا وفضله أوسع لنا... وقد جعل لنا خطوط عودة، وطرق أوبة، وأزمنة رجوع وتوبة.
فعلى مشارف نهاية كل عام... يُعقد موسمُ أكبرِ وآخرِ فرصةٍ للزرع والإنتاج
بضعة أيام.. تتطلب جهدا مضاعفا وهمة عالية.
بضعة أيام.. نتائج الزرع فيها عظيمة ومذهلة.
بضعة أيام.. تعوّض خسارة كل الأيام الماضية.
أخرج البخاري وغيره عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر - أي: عشر ذي الحجة -، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء» ([5]) .
إنكم لتستقبلون أياماً عرف السلف قدرها فعظموها:
قال أبو عثمان النهدي: كانوا يعظمون ثلاث عشرات؛ العشر الأخير من رمضان والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأول من محرم.
وكان ابن عمر، وأبو هريرة: «يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما» ([6]).
وكان سعيد بن جبير إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يُقدر عليه، ويقول: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر - تعجبه العبادة -.
فلله در أَقوام علمُوا قرب الرحيل فهيئوا آلَة السّفر وهانت عندهم الدنيا فقنعوا مِنْهَا بما حضر، فيا عبد الله : لُذْ بِالْجَنَابِ ذَلِيلا، وَقِفْ عَلَى الْبَابِ طَوِيلا، وَاتَّخِذْ فِي هَذَه الْعَشْرِ سَبِيلا، وَاجْعَلْ لك في التَّوْبَةِ مَقِيلا، وَاجْتَهِدْ فِي الْخَيْرِ تَجِدْ ثَوَابًا جَزِيلا.
واخجل المتخلف واأسف المسوف... إذا عاد الموفق من عشره وقد قبلت توبته، وغفرت حوبته، وسعدت سفرته، وحمد سعيه، وزكا عمله.
عباد الله:
ومن صور صدق الطاعة والامتثال ما جاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي: فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي» وفي رواية ((فلا يمس من شعره ولا بشرته شيئا))([7]) رواه مسلم.
اللهم ....
([1]) البخاري (1449) ومسلم (1350).
([2]) البخاري (1683) ومسلم (1349).
([3]) مسلم (1297).
([4]) أبو داود (4811)، والترمذي (1954)، وأحمد (7939) وصححه محققو المسند.
([5]) صحيح البخاري (969).
([6]) البخاري (2/ 20).
([7]) مسلم (1977).
المرفقات
1778771788_(الحج) تعبد وأدب والتزام.pdf
1778771794_(الحج) تعبد وأدب والتزام.docx