الشهرة الحقيقة والشهرة الزائفة
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله، إلهِ كل من ملك
وخالقِ الخلق العظيمِ والفلك
تقدَّس القدُّوس عن شَبَهٍ وند
له الدوام والبقا، والأمر أمر الله ليس فيه مشترك،
أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله،
أجرى عليه الله من آله نعما بها أضحى شفيعَ سماء
ولواء حمد الله معقود له، وله المفاخر من سنا وسناء
هو أكرم الرسل الكرام جميعِهم، شهدت بذلك سورة الإسراء!
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا...
أما بعد: اتقوا الله عباد الله يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم
رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ حَادِثَةً وَقَعَتْ أَثْنَاءَ الْحَجِّ فِي زَمَانِهِ ؛ يقول: بَيْنَمَا الْحُجَّاجُ يَطُوفُونَ بِالْكَعْبَةِ وَيَغْرِفُونَ الْمَاءَ مِنْ بِئْرِ زَمْزَمَ ، قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَحَسَرَ عَنْ ثَوْبِهِ، ثُمَّ بَالَ فِي الْبِئْرِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، فَمَا كَانَ مِنَ الْحُجَّاجِ إِلَّا أَنِ انْهَالُوا عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ حَتَّى كَادَ أن يَمُوتُ ، وَخَلَّصَهُ الْحَرَسُ مِنْهُمْ، وَجَاؤُوا بِهِ إِلَى وَالِي مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ : قَبَّحَكَ الله لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ : حَتَّى يَعْرِفَنِي النَّاسُ ويَقُولُونَ : هَذَا فُلَانٌ الَّذِي بَالَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ!!
فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ الْمَشِينَ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ مِنْ أَجْلِ حُبِّ الشُّهْرَةِ، يُرِيدُ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ النَّاس، حَتَّى وَلَوْ كَانَ بِفِعْلٍ قَبِيحٍ، وَمَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ مَسْلَكَهُ، وَيَعْمَلُونَ مِنَ السُّوءِ مِثْلَ عَمَلِهِ، وَيَفْعَلُونَ مِنَ الْقُبْحِ كَفِعْلِهِ! لِيُشَارَ إِلَيْهِمْ بِالْبَنَانِ، وَيَتَحَدَّثَ عَنْهُمْ كُلُّ لِسَانٍ، يُرِيدُونَ أَنْ يُقَالَ : هَذَا فُلَانٌ الْمَشْهُورُ ، حَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ بَالَ فِي زَمْزَمَ.
لقد رأينا من اشتهر بسبب انسلاخه من مبادئه وقِيمه، وكذبه وتدليسه وتهريجه، ورقصه وأهازيجه، ولعبه ومواهبه، حتى لقد ارتقى بعض المشاهير مرتقى صعبًا، فصار يتكلم في شؤون الدين والأمة، يوجه وينتقد، تهوين للواجبات والمحرمات، وبث للشهوات والشبهات لإسقاط كثير من المحكمات، وبعضهم صار قدوة لشبابنا وربما وللأسف بناتنا، يتشبهون بسفلة أخلاقهم وحركاتهم ورقصهم وربما بلغوا إلى غير ذلك، ووالله إن حقَّ هؤلاء مثل ما فعل الفاروق رضي الله عنه مع رجل كان يريد أن يشتهر بين الناس فعالجه عمرُ علاجاً لا مرض بعده...
قدم إلى المدينة رجل يقال له: صبيغ بن عِسْل، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، يسأل هذا ويسأل هذا أسئلة تعنت لا أسئلة تفقه فكان يثير في الناس الشُّبه والتساؤلات، فتسامع الناسُ بخبر صبيغ، فأرسل إليه عمر -رضي الله عنه- أن تعال إليّ، وقد أعدَّ له عمر عراجين النخل، فلما دخل قال له: من أنت قال: أنا عبدالله صبيغ، فقال عمر: وأنا عبدالله عمر، يا صبيغ ادنه، ادن يا صبيغ، فدنا ، فضربه عمر على رأسه بعراجين النخل حتى أدمى رأسه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي، فلما أحس صبيغ بالعافية رجع فسأل عمر وقد كان يظن أن عمر قد رحمه فسأله أسئلة عن متشابه القرآن فأجابه عمر عن كل مسائله، فلما أجابه أرسل عمر فقال اجمعوا لي رطائب من جريد النخل، فجمعت له سريعاً ثم ضرب صبيغ مائة ضربه بجريد النخل وعزله في بيت، فلما برأ دعاه، فضربه مائة أخرى فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت. فنفاه إلى العراق وأمر ألا يجالسه أحد، فكان إذا جاء إلى حلقة من الناس قاموا وتركوه، فاشتد ذلك عليه، فكتب أبو موسى إلى عمر: أن قد حسنت توبة صبيغ، فكتب عمر: أن ائذن للناس بمجالسته..
هكذا داوِ أو فخلِّ التداوي
فهذا دواء الداء من كل جاهل *** وذاك دواء الداء من كل عاقل
علمَ عمرُ خطرَ هذا الذي يريد أن يشتهر اسمه على حساب فساد عقول الناس، وفتنتهم عن دينهم فداواه تأديباً لنفسه أولا ثم لسلامة دين الناس، ففتنة هؤلاء هي والله من فتن الحياة، فكم من مظاهر الحياة الزائفة عندهم؟ كم أفسدت من بيوت وكم فرقت بين والد وولد ووالد وبُنية وزوج وزوجة؟ كم طُلّق من النساء بسببهم؟ كم عَزَفت أيّمة عن الزواج بحديثهم؟ كم فتنوا شباباً عن دينهم؟ كم ضلوا وأضلوا؟ كم أفسد ظهورهم من أخلاق ومروءة وحجاب وستر؟ أولئك لَا تَخْلُو حَيَاتُهُمْ مِنْ رَذِيلَتَيْنِ خَطِيرَتَيْنِ تُوجِبَانِ النَّارَ وَسُخْطَ الْجَبَّارِ، الْكِبْرُ وَالْعُجْبُ وقد صح الخبر أن رسول الله قال:( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)، وَيَقُولُ كذلك: ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَإِيَّاكُمْ وَتَعْظِيمَ من حَقَّرَهُم اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، لا تكرموهم وقد أهانهم الله، لا ترفعوهم وقد وضعهم الله، فإنما أكثرهم وباء وبلاء وفتنة دهماء.
أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَهْدِيَ ضَالَّ الْمُسْلِمِينَ، وأن يردنا جميعا إليه ردا جميلا
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ حُبِّ الشُّهْرَةِ، وَوُجُوبِ التَّحْذِيرِ وَالْحَذَرِ مِنْهَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ : (( مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ ثُمَّ تُلْهِبُ فِيهِ النَّارُ )).
ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم من الصالحين والأتقياء يكرهون الشهرة ويحذرون منها أشد الحذر، تأمَّلوا سيرهم كيف كانوا، تأملوا سيرة أبي بكر ومن بعده عمر رضي الله عنه كيف كان أحدهم يخرج في ظلام الليل يذهب إلى بيوتات الأرامل والفقراء، يُشعل لهم النَّار ويحمل إليهم الدقيق، وهم أمراء المؤمنين.
وما زال الصادقون يكرهون الشهرة ويتباعدون عن أسبابها، لأنه ما صّدق الله من أحب الشهرة، كان الرَّجلُ من أصحابِ النَّبيِّ r إذا أُثنيَ عليه قال: " اللَّهمَّ لا تُؤاخِذني بما يقولونَ، واغفِرْ لي ما لا يَعلَمونَ".
فقد عَلّمَهم رسول الله معنى الشُهرَة الحقيقية، وَضَرَبَ لهم واقِعًا حَيًّا يُشاهِدُونَه بينهم، لِيَغرِسَ في نُفُوسِهِم أَنَّ العِبرَةَ بِشُهرَةِ العَبدِ عِندَ اللهِ تعالى لا بِشُهرَتِهِ عِند البَشر، شهرته في السماء لا في الأرض شهرته بعمله الصالح الخفي التقي النقي، فكان منهم من اهتزّ عَرشُ الرَّحمنِ لِمَوتِه، ومنهم من سمع رسول الله صوتَ نَعْليه تَقرَعُ في الجَنَّة، ويقولُ لَهُ: بِمَ سَبقتَني؟! والمَرأَةُ السّوداءُ كانت تَقُمُّ المسجِدَ سأَلَ عنها حين فقدها، ثُمَّ صلّى عليها بعد دَفنِها، والبراءُ بنُ مَالك أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذي طِمْرينِ لو أَقسَمَ على اللهِ لأَبرَّه، والرَّجُلُ المُسلِمُ الفقيرُ إنْ خَطَبَ لا يُزَوج وإنْ شَفَعَ لا يُشَفَّع وإنْ قالَ لا يُسْمَع لِقولِه هوَ خَيْرٌ مِنْ مِلءِ الأَرضِ مِنْ أَشرافِ النَّاس، ويُخْبِرُ صلّى اللهُ عليه وسلّم عَن أُويْسِ القَرَني، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمن، غَريبٌ بِينهُم، كانت لَهُ والِدَةٌ هُوَ بَرٌ بِها، وكانَ بِهِ بَرَصٌ فبَرأَ مِنْهُ إلاَّ مَوِضَعَ دِرهَم، وكانَ رَثَّ البيت، قليلَ المَتاع، قالَ عنه النَّبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم (لو أَقْسَمَ على اللهِ لأَبَرَّه)
هكذا هي مقاييس السماء المقاييس الإلهية، وهي مقاييس العقل والفطرة، يُرفع من كان مثالاً وقدوة أما مَنْ لا خلاَق له ولا مروءة فحقّه ألا يؤبه له ولا يرفع ولا يكرم، هذه مدرسة التربية العظيمة المحمدية
( إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير )
فلا يغرنَّكم عباد الله هملجة أهل الدنيا وتفاخرهم وعلوهم، وانظروا إلى أخلاقكم وأخلاق ذرياتكم تعاهدوها بالريّ والعناية من معين الكتاب والسنة، علقوهم بمن سيرتُه قد ملأت الدنيا نُورا وعدلاً محمد صلى الله عليه وسلم، علقوهم بالمشاهير الكبار الصحابة الأجلاء والتابعون النبلاء والناجحون في كل زمان ومكان،
واعلموا يقيناً أن الله قد حكم في محكم تنزيله فقال عزَّ من قائل:
﴿ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين ﴾
المرفقات
1771249841_الشهرة الحقيقة والشهرة الزائفة.docx