الصيام.. فضائلُ وأحكامٌ وآداب 3 ـ 9 ـ 1447هـ
عبدالعزيز بن محمد
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أيها المسلمون: صَائِمٌ، والصَّائِمُونَ لَهْمُ في الدِيْنِ منْزِلةٌ، ورَبُهُمْ خَصَّهُمْ بالفَضْلِ والكَرَمِ. صَائِمٌ أَخْلَصَ عَمَلَهُ للهِ. وأَنْعِمْ بِعَبْدِ أَخْلَصَ للهِ عَمَلَه. صَائِمٌ إِيْماناً واحْتِساباً، فَهُوَ على عَتَبَةِ العُبُودِيَّةِ لا يَبْرَح، وهُو على بَابِ الافْتِقارِ قَدْ أَقَام.
صَائِمٌ إِيْماناً واحْتِساباً، وفي الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ قَال: «مَنْ صَامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» متفق عليه إِيْماناً بأَنَّ صَومَ رَمَضَانَ فَرْضٌ واجِبٌ، وأَنَّ وَعْدَ اللهِ للصَّائِمِيْنَ حَقٌّ، وأَنَّ ثَوابَهُ لُهُم في الآخِرَةِ مُوْفُور. واحْتِساباً للأَجْرِ مِنَ اللهِ، وطَلَباً لِكَرِيْمِ الثَوابِ مِنْهُ. فَصَامَ مُخْلِصَاً للهِ راجٍ ثَوابَهُ. وَذَاكَ الصَّائِمُ حَقاً، الفائِزُ صِدْقاً، تُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ وتُرْفَعُ لَهُ الدَّرَجَات.
صَائِمٌ، والصِيامُ عِبادَةٌ مِنْ أَجَلِّ العِبادَاتِ، ومِنْ أَعْظَمِها في مُضَاعَفَةِ الأُجُورِ والحَسَنَاتِ. فَعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَال: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ: «
كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدمَ يُضاعفُ؛ الحَسَنةُ بِعَشْرِ أَمثالِها، إلى سَبْعِمائةِ ضِعفٍ، قال اللهُ تعالى: إِلَّا الصَّوْمَ؛ فإنَّه لِي، وأنا أجزي به - أَيْ إِلا الصَّوْمَ، فإِنَّهُ مِنْ أَخَصِّ العِبادَاتِ وأَخْلَصِها للهِ، فَمُضَاعَفَةُ الحَسَناتِ للصَّائِمِ تَكُونُ بِغَيرِ حِسَابِ، تُضَاعَفُ لَهُ حَسَنةُ صَوْمِهِ أَضْعافاً كَثِيرَة - قَال اللهُ -: يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فيه -أَيْ رَائِحَةُ فَمِهِ- أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» رواه مسلم
صَائِمون.. أَمْسَكُوا عَنْ المُفَطِّراتِ، هَجَرُوا لذِيْذَ الشَّهَوات، آثَرُوا ثَوابَ اللهِ على رَغَباتِ أَنْفُسِهِم، وقَدَّمَوا أَوامِرَ اللهِ على طَاعَةِ أَهْوائِهِم، فَارْتَقَوا في مَرَاقِي التَقْوَى، واعْتَلَوا في أَعالِي الدَّرَجَات. وحَقَّقُوا الغَايَةَ التِيْ لِأَجْلِها شُرِعَ الصِِّيام {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}.
صَائِمٌ، والصَّائِمُونَ لَهُمْ في الجِنةِ بَابٌ قَدْ خُصَّ لَهُم. يَدْخُلُونَ مِنْ بَابِّ الرَّيَّانِ، فَلا يَدْخُلُ مِنَ البَابِ غَيْرُهُم. عَنْ سَهْل بنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» رواه البخاري ومسلم
صَائِمون، والصِّيامُ عِبادَةُ الأَتْقِياءِ. وعِبادَةٌ يَحْبِسُ فيها المُسْلِمُ نَفْسَهُ عَنْ مُشْتَهَياتِها، هِيَ عِبادَةٌ بِهِ تَعْلُو، وبِها يَطِيْبُ ويَزْكُو. ومَا على النَّفْسِ مِنْ عِبادَةٍ هِيَ أَشَقُّ مِنْ عِبادَةٍ تحْجُبُها عَنْ شهَواتِها، وتَحْرِمُها مِنْ مَلذَّاتِها. لِذا فإِنَّ الصَّائِمَ قَدْ أُمِرَ أَنْ يَتَجَنَّبَ أَسْبَابَ انْهِزامِ النَّفْسِ، وأُمِرَ أَنْ يَتَوَقَّى أَسْبابَ انْحِطاطِها في الرَّدِيءِ مِن الأَخْلاقِ. وأُمِرَ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنْ دَواعِي الغَضَبِ، وأُمِرَ أَنْ يَتَحَلَّى بِالصَّبْرِ، وأُمِرَ أَنْ يُعْرِضَ عَنِ الجَاهِلِيْن، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ -أَيْ وِقايَةٌ مِنَ الوُقُوعِ في الآثامِ، ووِقايَةٌ للعَبْدِ من النَّار- وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» رواه البخاري ومسلم
صَائِمٌ يَفْقَهُ أَحْكامَ صَوْمِهِ. وأَكْثَرُ الصَّائِمِيْنَ أَجْراً، مَنْ كانَ عَالِماً بِأَحْكامِ العِبادَةِ عَامِلاً بِها. و (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّيْنِ). والنِيَّةُ هِيْ مُرْتَكَزُ كُلِّ عَمَلٍ و(إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى). ولا تَصِحُّ عِبادَةٌ إِلا بِنِيَّةٍ. والصَّائِمُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، قَدْ انْعَقَدتْ نِيَّتُهُ أَنَّهُ سَيَصُومُ غَداً. والنِّيَةُ مِنْ أَعْمالِ القُلُوبِ لا يُشْرَعُ التَلَفُّظُ بِها.
يُمْسِكُ الصَّائِمُ عَنْ المُفَطِّراتِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلى غُرُوبِ الشَّمْسِ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فَمَنْ أَتَى شَيئاً مِن المُفَطِّراتِ في هذا الوَقتِ عامِداً عَالِماً فَسَدَ صَومُه، ومَنْ أَكَلَ أَو شَرِبَ ناسِياً، فَلا شَيءَ عليهِ، وفي الحَدِيثِ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّما أطْعَمَهُ اللَّهُ وسَقاهُ) متفق عليه
* ويَفْسُدُ الصِيامُ: بِالأَكْلِ والشُّرْبِ وبِما كَانَ في مَعَناهُما: كالإبَرِ المُغَذِّيَةِ. * ويَفْسُدُ الصَيامُ بالجِماعِ وهُو أَعظَمُ المُفَطِّراتِ وأَكُبَرُها إِثْماً، وأَغْلَظَها كَفارة. * ويَفْسُدُ الصِيامُ بالاسْتِمْناءِ: وهُوَ تَعَمُّدُ إِنْزالِ المَنِيِّ. أَما مَنْ احْتَلَمَ وهُو نائِمٌ فلا شَيءَ عليهِ، لأَنَّ النَّائِمَ غَيرُ مُكَلَّفٍ، وما يَصْدُرُ مِنْ الإِنْسانِ أَثْناءَ نَوْمِهِ فَهْوَ بِغِيْرِ اخْتِيارِهِ، فلا يُؤَخَذُ عليه. * ومَنْ اسْتَقاءَ عَمْداً فَسَدَ صَومُهُ ولِزَمَهُ القَضاءَ، ومَنْ غَلَبَهُ القَيءُ فلا شَيءَ عليهِ. * والحَيَْضُ والنِفاسُ للمرأَةِ مِنْ مُبْطِلاتِ الصِيام. فَلا تَصُومُ الحائِضُ ولا النُفَساءُ حَتَى تَطْهرا. * واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الحِجَامَةِ، هَل تُفْسِدُ الصَومَ أَو لا تُفْسِدُه، فَجُمْهُورُ العُلَماءِ أَنَّها لا تُفْسِدُ الصَوْمَ، ومِنَ العُلَماءِ مَنْ قَالَ إِنَّها تُفْسِدُه. والأَحْوَطُ للصَّائِمِ أَنْ لا يَحْتَجِمَ أَثْناءَ صَوْمِهِ.
* ومَنْ طَلَعَ عليهِ الفَجْرُ وهُوَ جُنُبٌ فلا شَيءَ عليهِ ولا يُؤَثِرُ ذلِكَ في صَومِهِ. فَعَنْ أَمَّهاتِ المُؤْمِنِيْنَ، عَائِشةَ وأمِّ سلمةَ رَضِيَ اللهُ عنهما: «أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانَ يُدرِكُه الفَجْرُ وَهْوَ جنُبٌ مِنْ أَهْلِه، ثمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» رواه البخاري ومسلم
* ويُباحُ الفِطْرُ للمَرِيْضِ وللمُسَافِرِ، جاءَ ذلِكَ في نَصِّ القُرآنِ، يُفْطِرانِ ويَقْضِيانِ الصَوْمَ بَعْدَ رَمَضَان، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَل:{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}
ومَنْ كانَ مَرَضُهُ مِنَ الأَمْراضِ المُزْمِنَةِ التِيْ يَغْلُبُ على الظَنِّ أَنَّها تُلازِمُ صَاحِبَها بَقِيَّةَ حَياتِهِ، فإِنَّهُ يُفْطِرُ، ويُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَومٍ أَفْطَرَهُ مِسْكِيْنا، ولا يَجِبُ عليهِ القَضاء. وأَما الأَمْراضُ اليَسِيْرَةِ التِيْ لا تُؤَثِرُ على الصَّائِمِ، ولا يَلْحَقُهُ مَعَها مَشَقَةٌ في صَوْمِه، فلا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِسَببها. ومَنْ أَفطرَ لِسَببٍ مَشْرُوعٍ ثم زالَ السَببُ في ذلك اليَومِ، فلا يَجِبُ عليهِ أَن يُمْسِكَ بَقِيَّةَ يَومِه، كَمْن كانَ مُسافِراً فأَفطرَ، ثُمَ وصِلَ إِلى بَلَدِه.
* ويُسَنُّ للصَّائِمِ أَنْ يَتَسَحَّرَ لِصَومِهِ. والسَّحُورُ مِنْ آكَدِ السُّنَنِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عَنهُ أَنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (تَسَحَّرُوا؛ فإنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً) متفق عليه والأَفْضَلُ تأَخِيْرُ السَّحُورِ إِلى ما قُبَيْلِ أَذانِ الفَجْرِ. كَما يُسَنُّ تَعْجِيْلُ الفِطْرِ فَوْرَ غُرُوبِ الشَّمْسُ. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» متفق عليه
* وقِيامُ لَيالِيْ شَهْرِ رَمَضانَ مِنْ أَجَلِّ الأَعْمالِ وأَعْظَمِ القُرُباتِ، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رضي الله عَنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» متفق عليه ومَنْ قَامَ مَع الإِمامِ في صَلاةِ التَرَاوِيْحِ حَتَى يَنْصَرِفَ الإِمامُ ويَنْتَهِيْ مِن صَلاتِهِ، كَتَبَ اللهُ لَهُ قَيامُ لَيْلَةٍ كَامِلَةٍ، عَنْ أَبِيْ ذَرٍّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قيامَ لَيْلَةٍ» رواه أبو داود
شَهْرٌ حَباكَ اللهُ إِياهُ، بِهِ الأُجُورُ مُضاعَفَةٌ، وبِهِ الرَّحْمَةُ قَرِيْبَةٌ، وبِهِ المَغْفِرةُ قَدْ أُدْنِيَتْ. أَقْبِلْ، فَما أَفْلَحَ مَنْ أَدْبَرَ {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً، أَمَّا بَعْدُ: فَاتقوا الله عباد الله لعلكم ترحمون
أيها المسلمون: عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّياطِيْنُ» رواه البخاري ومسلم
* كُلُّ تِلْكَ الفَضَائِلِ التِيْ أَوْدَعَها اللهُ في هذا الشَّهْرِ، تَنْهَضُ بِهِمَّةِ المُؤْمِنِ وتَقُودُهُ إِلى المُسارَعَةِ إِلى طَرْقِ كُلِّ أَبْوابِ الإِحْسانِ. وقَدْ كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجودَ النَّاسِ، وكانَ أَجوَدَ ما يَكُونُ في رَمَضان. والصَّائِمُ لَهُ في رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُسْوَةٌ حَسَة، يَكُونُ جَوَاداً في شَهْرِه، فَيُنْفِقُ على الفَقِيْرِ، ويُطْعِمُ الجائِعَ، ويعِيْنُ الضَّعِيْفَ، ويَتَفَقَّدُ المُتَعَفِّفِيْن الذِيْنَ حَجَزَهُمُ الحَياءُ عَنْ مَدِّ يَدِ المَسأَلَةِ لأَحَدٍ {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}
ويَكُونُ على حذَرٍ مِنْ تَلاعُبِ المُحْتالِيْن، الذِيْنَ جَعَلُوا التَسُوُّلَ مِهْنَةً بِها يَتَكَسَّبُون.
* عِبادَ الله: ومِنْ كَمالِ الدِّيْنِ وجَلالِ تَشْرِيْعاتِهِ. أَنَّ الصَّائِمَ يُمْسِكُ عَنْ الطَّعامِ والشَّرابِ أَثْناءَ صَومِهِ، فَيَكْتُبُ اللهُ لَهُ بذلِكَ حَسَناتٍ. ثُمُ يُفْطِرُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَيَكْتبُ اللهُ لَهُ بِذلكَ الإِفطارِ حَسَنَات. فَما أَكْرَمَ اللهَ، وما أَجْوَدَهُ على عِبادِه. وإِنَّ على المُسْلِمِ أَنْ يَتَجَنَّبَ ما يُبْغِضُهُ اللهُ مِنْ الإِسْرافِ في المأَكَلِ والمَشْرَب، وأَنْ يَقْتَصِدَ وأَنْ يَكُونَ لِرَبِهِ مِنَ الشَّاكِرِين، فَبِذاكَ أَمرَكَ رَبُّك {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}
* و «المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» وما كَانَ الصِّيامُ لِيُقْعِدَ المؤْمِنَ عَنْ القِيامِ بِمَصَالحِ دِيْنِهِ، ولا عَنْ مَصالحِ دُنْياه. وما كَانَ لِيَحْبِسَهُ عَنْ السَّعْيِ في التَزَوَّدِ مِنَ العِلْمِ، ولا لِيَصْرِفَهُ عَنْ طَلَبِ الكَسْبِ، ولا لِيُثْقِلَهُ عَنْ القَيامِ بِما أَوْجَبَهُ اللهُ عليه مِنْ حُقُوقٍ. وما رُمِيَ امرؤٌ بِداءٍ مِثْلُ دَاءِ الكَسَل. رَبنا تَقَبّلْ مِنا إِنكَ أَنت السَمِيْعُ العَلِيْم
المرفقات
1771490444_الصيام فضائل وأحكام وآداب 3ـ 9ـ 1447هـ.docx