الظلمُ ظلماتٌ ( تعميم وزاري )
راشد بن عبد الرحمن البداح
1
الظُّلمُ ظُلُماتٌ ( راشد البداح – جامع ابن عثيمين بالزلفي) 18شعبان1447هـ
الحَمْدُ للهِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ما تَعَاقَبَ المَلَوَانِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَى الإنسِ والجانِّ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ. أَمَّا بَعْدُ:
فاتقُوا اللهَ رحمَكُمُ اللهُ، وأقلُّوا الركونَ إلى الدنيا، فإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُودًا لَا يَقْطَعُهَا إِلَّا كُلُّ مُخِفٍّ.
عبادَ اللهِ: إن العدلَ نظامُ كلِّ شيءٍ، فالعدلُ دِعامةُ بقاءِ الأممِ، وباسطُ ظِلالِ الأمنِ، وبالعدلِ قامتِ السماواتُ والأرضُ، وأُرسلَتِالرسلُ: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}.[الحديد:25].
وأما الظلمُ وما أدراكَ ما الظلمُ، فهو مرضٌ ينتشرُ بسوقِ المفسدينَ. وفي أجواءِ الظلمِ توضعُ الأمورُ في غيرِ مواضعِها، فيمجَّدُ الوضيعُ، ويوسَّدُ الأمرُ إلى غيرِ أهلِهِ، وما استساغَ أحدٌ الظلمَ إلا لظُلمَةٍ في قلبهِ، ودَخَلٍ في طويَّتِهِ.
ومهما بلغتْ قوةُ الظالمِينَ، فإن سقوطَهُم إذا أرادَ اللهُ -تعالَى-سيكونُ بحيثُ لا يُتوقَّعُ، حتى يُسقِطَهم بأهونِ الأسبابِ عليهِم:[فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ]. فبينَا الظالمُ في عزِّهِ، وسلطانهِ، وظلمِهِ، غيرَ آبهٍ بحقِ اللهِ، وحقِّ عبادهِ، إذ بهِ يَسقُطُ ويذِلُّ،وتَضيقُ بهِ أرضُ اللهِ الواسعةُ أن تؤيَهُ.
ثم إذا كانَ هذا السقوطُ والهوانُ يُحيطُ بالظالمِ في الدنيا، فكيفَبِذُلِّ الآخرةِ وحسابِها، وكيفَ بهِ وهو يرَى صفوفَ المظلومينَ، وازدحامَهم يطالِبونَ بالقصاصِ من ظالمِيهِم، فيا لِلهِ العظيمِ! ما أرهبَهُ من موقفٍلمن استحضرَهُ! [وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ].
أيُّها المسلمونَ: كثيرًا ما يكونُ الإنسانُ غافلاً عن ظُلمِ نفسهِ، فيرَى مصارعَ الظالمينَ، فيَحمَدُ اللهَ -تعالَى- أنْ عافاهُ مما ابتلاهُم به، ولكنَّفيهِ ما فيهم من الظلمِ والطغيانِ.
ألا وإن أعظمَ أنواعِ ظلمِ النفسِ: الشركُ باللهِ -عزَّ وجلَّ- بصرفِ حقهِسبحانَهُ إلى غيرهِ، كما قالَ لقمانُ في وصيتهِ لابنهِ: (يابُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). ومَن يأمَنُ على نفسهِ الشركَ بعدَ أبِينا إبراهيمَ -عليهِ السلامُ- الذي قالَ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ}.
أيُّها المسلمونَ: اعلمُوا أن أعظمَ أنواعِ الظلمِ بعدَ الشركِ: تَظالُمُالعبادِ فيما بينَهم، وقد رَوَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فقَالَ: يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلاَ تَظَالَمُوا. رواهُ مسلمٌ().
أيُها الموظفُ: إياكَ أن يخدعَكَ الشيطانُ، فتُفرِّطَ بواجبِكَ الوظيفيِّ،أو لا تؤدِّيَهُ إلا إذا كانَ لكَ مصلحةٌ خاصةٌ تعودُ عليكَ بالنفعِ، وإلا ماطَلْتَ بالعملِ، واعلمْ أن الشيطانَ يريدُ أن يُفسِدَ عليكَ دينَكَ، ويُضِيعَ أمانتَكَ، ويَحرِمَكَ لقمةَ الحلالِ، فاتقِ اللهَ في دوامِكَ، وعاملِ الناسَ بالسواءِ، وليكنْ همُّكَ قضاءَ حاجةِ أخيكَ المسلمِ، وطلبَ الثوابِ من اللهِوحدَهُ، وليكنْ شِعارُكَ: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا.
ويا أصحابَ المَتَاجرِ المَبْنِيّةِ، والمَتَاجِرِ الالِكْتُرُونِيّةِ: احذَرُوا المُغالاةَ فِي تَحْصِيْلِ الأَرْبَاحِ، واحذرُوا خداعَ الناسِ بعُرُوضِ التخفيضاتِ الوَهْمِيَّةِ؛ فإنّ التُّجارَ إِنْ خَدَعُوا الناسَ، أَفَيَخْدَعُونَ مَنْ لا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ؟!
ولْيَعْلَمِ المُتَاجِرُ أَنَّ تَرْوِيجَهُ السِّلَعَ المَعِيْبَةَ، أو تَدْلِيسَهُ لِلمُقَلَّدَةِ لَا يَزِيدُ فِي رِزْقِهِ، بَلْ يَمْحَقُهُ وَيَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ، وَقَدْ يُهْلِكُ اللَّهُ مَا يَجْمَعُهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
الحمدُ للهِ كافِينا ومُعطِينا وهادِينا، والصلاةُ والسلامُ على خيرِ الناسِ خُلُقًا ودينًا. أما بعدُ: فلنحذرِ الظلمَ؛ فإنه ظلماتٌ يومَ القيامةِ، ولنحذرْ دعوةَ المظلومِ؛ فإنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ()وفي روايةٍ: وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ().
أيُّها المسلمونَ: لابدَّ من التحللِ من المَظالمِ، والتخلصِ من حقوقِالناسِ قبلَ المماتِ. وليبادرْ مَن ظَلَمَ أخاهُ في عِرضٍ أو مالٍ أو نفسٍ أنْيتحلَّلَهُ قبلَ أن يتورطَ بما حذرَ منهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بقولِهِ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ. رواهُ البخاريُّ().
فإنْ كانَ لدَى التائبِ مَظلمةٌ ماليةٌ فليرُدَّها على صاحبِها. وربما يستحِي مِن ردِّها، خصوصاً إذا كانتْ سرقةً، فليرسِلْ له المبلغَ بطريقٍغيرِ مباشرٍ، أو أن يوسِّطَ أحداً يوصلُهُ، فإنْ عَجَزَ فليتصدَّقْ بهِ عنهُ.
• فاللهم إنا نعوذُ بكَ من الظلمِ والظالمينَ ودروبِهمُ المظلمةَ.
• اللهم أخرِجنا من هذهِ الدنيا ولا أحدَ من خلقِكَ يطلبُنا بمَظلمةٍ.
• اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.
• اللهم طيِّبْ أقواتَنا، واحفظْ أوقاتَنا، وباركْ أموالَنا، ويسِّرْ أحوالَنا، واحفظْ دِينَنا، واقضِ دَينَنا، واحفظْ علينا جنودَنا وحدودَنا وبلادَنا وأولادَنا.
• اللهم لكَ على الحمدُ على نعمةِ التوحيدِ والسنةِ، واضمحلالِ الشركِ والبدعةِ. اللهم ثبِّتنا على ذلكَ إلى يومِ نلقاكَ.
• اللهم أيِّدْ بالحقِ إمامَنا ووليَ عهدِه، اللهم ارزقهمْ بطانةَ الصلاحِ والفلاح.
• اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.
المرفقات
1770118051_الظلم ظلمات.docx
1770118052_الظلم ظلمات.pdf