الظلم والمظالم

أحمد بن علي الغامدي
1447/08/17 - 2026/02/05 21:35PM

أَمَّا بَعْدُ :فإنَّ أساسَ الدِّينِ العدلُ بين العبادِ وبين خالقِهم، بإفرادِه سبحانه وتعالى بالعبادةِ، والعدلُ بينَ العبادِ فيما بينَهم ،بعدمِ بغيِ بعضِهم على بعضٍ، واللهُ جل وعلا نزَّه نفسَه عن الظلمِ، لأنّ حَقِيقَةَ الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَهَذَا مُنَافٍ لِكَمَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدْلِهِ، قال ﷺ فيما يرويه عن ربِّه تباركَ وتعالى: «يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا؛ فلا تظالموا". رواه مسلم.  

عباد الله: لابُدَّ لِلظَّالِمِ وَالْـمَظْلُومِ مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّـهِ عِزَّ وَجَلَّ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ. قال جَابِرُ بنُ عبدِ اللـهِ رضي الله عنه، لَـمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّـهِ r مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ، قَالَ: "أَلَا تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْـحَبَشَةِ؟" فقَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّـهِ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّـهُ الْكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا، قَالَ: فقال رَسُولُ اللَّـهِ r: «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ » رواه ابْنُ مَاجَةَ.

 قال ابنُ القيم رحمه الله :" والظلمُ عند الله عز وجل يومَ القيامة له دواوينُ ثلاثة:

 ديوانٌ لا يغفرُ اللهُ منه شيئاً وهو الشِّركُ به فإن اللهَ لا يغفرُ أن يُشرَكَ به، ولا يُمحَى هذا الديوانُ إلاَّ بالتوحيدِ.

 وديوانٌ لا يَتركُ الله تعالى منه شيئاً وهو ظلمُ العبادِ بعضِهم بعضاً فإنَّ الله تعالى يستوفيْه كلَّه؛ فديوانُ المظالِمِ لا يُمحَى إلاَّ بالخروجِ منها إلى أربابِها واستحلالِهم منها.

وديوانٌ لا يَعبأ اللهُ به وهو ظلمُ العبدِ نفسَه بينه وبين ربِّه عز وجل فإنَّ هذا الديوانَ أخفُّ الدواوينِ وأسرعُها مَحْواً فإنَّه يُمحَى بالتوبة والاستغفار، والحسناتِ الماحية، والمصائبِ المكفِّرة، ونحوِ ذلك".   قال ﷺ :" اتَّقوا الظُّلْمَ ما اسْتَطَعْتُم؛ فإنَّ العَبْدَ يَجيءُ بالحَسَناتِ يَوْمَ القِيامَة يَرى أنَّها سَتُنْجِيه، فَما زالَ عَبْدٌ يقومُ يقول: يا ربِّ ظَلَمني عبدُكَ مَظْلِمَةً. فيقولُ: امْحوا مِنْ حَسنَاتِه. وما يَزالُ كذلك حتى ما يَبْقى لَهُ حَسنَةٌ".

عباد الله : يظنُّ بعضُ الناسِ أنَّه إذا سلِم من دماءِ الناسِ وأموالِهم فقد نجا من الظلمِ كلِّه، وما علمَ أنَّ للظلمِ وجوهًا كثيرةً قد تخفى على بعض  الناسِ.

فمن الظلمِ – عبادَ اللهِ – ظلمُ الأمانةِ، والتفريطُ في أداءِ الواجبِ منها ، كالموظفِ الذي يتهاونُ في عملِه، ويفرِّطُ في واجبِاته ودوامِه، وكالوالدِ الذي يُهملُ في تربيةِ أولاده،قال النبيُّ ﷺ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيَّته»

ومن الظلمِ: تكليفُ الأيدي العاملة بأعمالٍ فوقَ طاقتِهم أو ليست من اختصاصِهم أوعدمُ الوفاءِ لهم بأجورهم أوتأخيرُها ، قال صلى الله عليه وسلم: " قَالَ اللهُ عز وجل: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ: [ وذكر منهم]، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ ‌وَلَمْ ‌يُوَفِّهِ ‌أَجْرَهُ".

عباد الله : لا ينبغي أن نعتقدَ أن هذهِ الخطبةَ وأمثالَها لا تعْنينا ،فهذا الصديقُ الأكبر أبوبكرٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُ، لما طلبَ من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمَه دُعَاءً يدعُو بِهِ في صَلاته، قَالَ له صلى الله عليه وسلم: قُلْ: «اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا، وَلا يَغْفِر الذُّنوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِر لي مغْفِرَةً مِن عِنْدِكَ، وَارحَمْني، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفور الرَّحِيم» رواه البخاري ومسلم

فَإِذا كانَ هذا هُوَ الصِّدِّيْقُ رضي اللهُ عَنْهُ يُرْشَدُ إِلى الاعْتِرافِ: بِأَنَّهُ قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ظْلْماً كَثِيْراً، فكيفَ بنا نحن ، فليفتِّشْ كلُ واحدٍ منا، وليدققْ في حقوقِ الأقربين قبلَ الأبعدين من والدَين وأبناءَ وزوجةٍ وأقاربَ وجيرانٍ وأُجراءَ وغيرِهم ، فقد يكون هناك مظالم علينا أو حقوق لهم قصرنا في أدائها.

 عباد الله :بارك اللهُ لي ولكم بالقرآنِ والسُّنَّةِ، ونفعَنا بما فيهما من الآياتِ والحكمةِ، أقولُ ما سمعتم، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

الخطبةُ الثانية

الحمدُ للهِ وحدَه، والصلاةُ والسلامُ على من لا نبيَّ بعدَه.   أمَّا بعدُ:

فاعلموا عبادَ الله: أن شريعةً تلعن من يؤذي الناسَ في طرقاتهم، ومواردِ مياهِهم وفي ظلالِهم، لا يمكنُ أن تقبلَ التهاونَ مع من يؤذيهم في نفوسِهم وأبدانِهم وأهليهم وأموالِهم.

 

ومعَ ذلك: فإنّ الظلمَ وإنْ كان عظيماً، والبغيَ وإن كان مُخيفاً. فإن الله لم يقطعْ على صاحبِه طريقَ العودةِ والإنابةِ، ولم َيحرِمْه من التوبةِ والاستقامة؛ فبابُ التوبة مفتوح، ونوالُ الله يغدو ويروح.

والله تعالى يقول: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

ويقول: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}

وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ ‌فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)). رواه البخاري

 فاليومَ يُمكن أن تُمحى الحقوق التي علينا باعتذارٍ منها، أو نبرأَ منها بعفوٍ عنها أو بردّها إلى أصحابها، وأما غدًا فلا يُؤخذُ إلا من الحسناتِ، ولا يُقضى إلا بالسيِّئاتِ. فطوبى لمن هداه الله إلى الحقوقِ التي في عنقِه، قبلَ أن تُفتَّشَ صحيفتُه، وأعانه على التحلُّلِ منها اليومَ، قبلَ أن يقفَ غدًا مفلسًا… ولو كثرت حسناتُه. عافانا الله جميعا ونجانا من ذلك.

       عباد الله : صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه... 

 

المرفقات

1770316508_خطبة الظلم وعند الله تجتمع الخصوم.doc

المشاهدات 302 | التعليقات 0