العَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ
أحمد بن علي الغامدي
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لِأَهْلِ العَزَائِمِ مَقَامًا سَنِيًّا، وَرَفَعَ شَأْنَ ذَوِي الهِمَمِ مَكَانًا عَلِيًّا، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَأَشْكُرُهُ عَلَى فَضْلِهِ الَّذِي لَا يُسْتَقْصَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المتقينَ، وقُدوةُ السَّالِكينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
أَمَّا بَعْدُ:فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، واعلَموا أنَّ مَلَاذَ العَبْدِ في دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ هُوَ اعْتِصَامُهُ بِرَبِّهِ، وَصِدْقُ عَزْيمِتِهِ في مَرْضَاتِهِ.
عباد الله: إنَّ الحَدِيثَ عَنِ "العَزِيمَةِ" هُوَ حَدِيثٌ عَنْ مِحْوَرِ الفَلَاحِ، وَسِرِّ النَّجَاحِ. فإنّ العَزِيمَةَ هِيَ الجدُ في أخذِ الأمور، وهي الَّإرادةُ والهمةُ والقُوَّةُ المكْنُونَةُ فِي النَّفْوسِ، التي تُحَرِّكُ الجَوَارِحَ نَحْوَ الغَايَاتِ العُظْمَى، فَلَا تَعْرِفُ كَلَلًا وَلَا مَلَلًا.
إنَّ العزيمةَ هي "عَقْدُ القَلْبِ" الجازمِ عَلَى تَنْفِيذِ الأَمْرِ، دُونَ تَلَفُّتٍ لِلْوَرَاءِ، أَوْ تَرَدُّدٍ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَمَا أَحْوَجَنَا فِي زَمَانِنَا هَذَا -زَمَنِ الفُتُورِ والِانْشِغَالِ بِالتَّوَافِهِ- إِلَى هَذِهِ القِيمَةِ الجَلِيلَةِ ، إلى صدقِ العزيمة:والذي هو جَمْعُها وجزمُها وعدم التردد فيها.وقد أثنى اللَّه تعالى على خواصِ الرسلِ بـأنهم أصحابُ عَزْمٍ .قال الله تعالى(( ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾
عِبَادَ اللهِ:إِنَّ مَطْالَبَ المَرْءِ فِي حَيَاتِهِ قَدْ تتَشَعَّبُ، وَإنّ من أَعْظَمِ مَا يُوهَبَ العبدُ "العَزِيمَةُ عَلَى الرُّشْدِ". والرُّشْدُ : هُوَ الِاصَابَةُ فِي القَوْلِ، والسَّدَادُ فِي العَمَلِ، وَسُلُوكُ طَرِيقِ الهِدَايَةِ الَّذِي يُوصِلُ إِلَى خَيْرَيِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ.
ومِنْ جَوَامِعِ كَلِمِ النَّبِيِّ ﷺ مَا أَوْصَى بِهِ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حِينَ قَالَ لَهُ: «يَا شَدَّادْ، إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ؛ فَاكِنِزْ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ...الحديث ».
وتَأَمَّلُوا في هَذِهِ الوَصِيَّةِ النَّبَوِيَّةَ؛ وهي الدعاء بطلبِ العَزِيمَةِ عَلَى الرُّشْدِ؟ لأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَعْرِفُ الحَقَّ بِعَقْلِهِ، وَيُدْرِكُ الصَّوَابَ بِفِكْرِهِ، لَكِنَّهُ يَعْجَزُ عَنْ تَنْفِيذِهِ، إمّا لِضَعْفٍ فِي نَفْسِهِ، أَوْ خَوَرٍ فِي إِرَادَتِهِ وهمتِه.
فَالرُّشْدُ عِلْمٌ ونورٌ، وَالعَزِيمَةُ عَمَلٌ، وَلَا يَنْفَعُ عِلْمٌ بِلَا عَمَلٍ. ونَحْنُ نَسْمَعُ كثيرا من المَوَاعِظِ ، وَنُدْرِكُ فُرَصَ التِّجَارَةِ مَعَ اللهِ ، وَنَعْرِفُ سُبُلَ الرِّزْقِ الحَلَالِ وتَطْوِيرِ الذَّاتِ، وَلَكِنْ كَمْ مِنَّا مَنْ يَمْلِكُ "عَزِيمَةً" تَقْطَعُ حِبَالَ الكَسَلِ، وَتَقْضِي عَلَى سَاعَاتِ التَّسْوِيفِ؟
عباد الله:إِنَّ العَزِيمَةَ الصَّادِقَةَ لَا تُنَالُ بِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي، بَلْ هِيَ مَحْضُ تَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ.
وَمن أعظمِ السبُلِ لنيلِها طريقان:
الأَوَّلُ: صِدْقُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ؛ فَالإِنْسَانُ ضَعِيفٌ بِنَفْسِهِ، قَوِيٌّ بِرَبِّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. فَالتَّوَكُّلُ هُوَ المَدَدُ الَّذِي يُمِدُّ العَزِيمَةَ بِالبَقَاءِ والدوام والثبات.
والثَّانِي: دَوَامُ الِافْتِقَارِ إِلَى اللهِ بِسؤالِه الثباتَ في الأمر والعزيمةَ على الرشد.
وفي مسندِ الإمامِ أحمدَ أن النبيَ صلى الله عليه وسلم قال لحصينِ بنِ المنذرِ الخزاعي رضي الله عنه: أما لو أسلمْتَ لَعَلَّمْتُك كلمتين تنفعانك، فلما أسلمَ قال: يا رسول الله، علِّمني الكلِمتين. قال: قل: " اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي، وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي ". أَيْ: يَا رَبِّ اجْعَلْ عَزِيمَتِي مُوَجَّهَةً إلى أفضل السبل الموصلة إلى صلاح أموري في ديني ودنياي وآخرتي.
عِبَادَ اللهِ:إِنَّ مَنَاطَ الفَلَاحِ لَيْسَ فِي مُجَرَّدِ العزيمةِ الصادقة ، بَلْ فِي أَنْ تكُونَ هَذَه العزيمةُ عَلَى "الرُّشْدِ". فَكَمْ مِنْ مُجْتَهِدٍ فِي ضَلَالٍ! وَكَمْ مِنْ مَجْدٍّ فِي بَاطِلٍ! لِذَا كَانَ الرُّشْدُ هُوَ مَطْلَبُ المفلحين:
فهذا موسى – عليه السلام –حين التقى بالخضرَ، لم يطلبْ منه إلا أمرًا واحدًا وهو الرُشد فقال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
وحَتَّى الجِنُّ حِينَ انْفَتَحَتْ بَصَائِرُهُمْ، أَدْرَكُوا أَنَّ هَذَا القُرْآنَ هُوَ بَوَّابَةُ الرُّشْدِ، فَقَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾. والرشد- عباد الله- هو مما امتنَّ به ربُّنا جلَّ وعلا على خليله إبراهيمَ عليه السلام ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ﴾
وقد أمرنا ربُّنا أن ندعوَه ليمتنّ بالرُشدِ علينا، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾.
عباد الله :بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:فإِنَّ لِلرُّشْدِ مَيَادِينَ فَسِيحَةً لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ فَحَسْبُ؛ بَلِ الرُّشْدُ شَامِلٌ لِكُلِّ نَوَاحِي حَيَاتِكَ.ولجميعِ أمورِ دنياك وآخرتِك.
فَالرُّشْدُ فِي العِلْمِ: أَنْ تَبْحَثَ عَن العلمِ الذي يَنْفَعُكَ، وَتَتْرُكَ فُضُولَ الِاطِّلَاعِ عَمَّا لا ينفعُك أو يَضُرُّكَ.
والرُّشْدُ فِي المَالِ: أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ تَكْتَسِبُهُ مِنْ حَلَالٍ، وَكَيْفَ تُنْفِقُهُ بِحِكْمَةٍ وقصدٍ دُونَ إِسْرَافٍ أَوْ تَقْتِيرٍ.
والرُّشْدُ فِي الأُسْرَةِ: أَنْ يَكُونَ الأَبُ بَصِيرًا بِتَرْبِيَةِ أَبْنَائِهِ، رَفِيقًا بِأَهْلِ بَيْتِهِ، قَائِدًا لَهُمْ نَحْوَ مَرْضَاةِ ربهِ.
والرُّشْدُ فِي الوَظِيفَةِ: أَنْ يَتَّقِيَ المَرْءُ رَبَّهُ فِي مَسْؤُولِيَّتِهِ، فَيُؤَدِّيَ الأَمَانَةَ بِعَزِيمَةٍ لَا تَعْرِفُ التَّسْوِيفَ أَوْ الإِهْمَالَ.
عِبَادَ اللهِ: أَنَّ كَمَالَ العَبْدِ مَرْهُونٌ بِاجْتِمَاعِ هذين الأَمْرَيْنِ"العَزِيمةِ عَلَى الرُّشْدِ، والثَّبَاتِ عَلَيْهَا". قال ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-:
فَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَزِيمَةٌ فَهُوَ نَاقِصٌ؛ [لِأَنَّهُ سَيَبْقَى رَهِينَ الأَمَانِيِّ وَالأَحْلَامِ].
وَمَنْ كَانَتْ لَهُ عَزِيمَةٌ، لَكِنْ لَا ثَبَاتَ لَهُ عَلَيْهَا فَهُوَ نَاقِصٌ أَيْضًا؛[ لِأَنَّهُ يَبْدَأُ ثُمَّ يَنْقَطِعُ، وَيَهُمُّ بالأمر ثُمَّ يَتَرَاجَعُ عنه].
أَمَّا الصَّادِقُونَ، فَهُمْ مَنْ تَعَانَقَتْ عَزَائِمُهُمْ مَعَ ثَبَاتِهِمْ، فَأَثْمَرَتْ كلَّ مقامٍ شريفٍ وحالٍ كاملٍ. فلَا تَرْضَ - عَبْدَ اللهِ -بِالبَطَالَةِ دَيْدَنًا، وَلَا بِالنَّوْمِ مَسْلَكًا، بَلِ اسْتَعِنْ بِاللهِ وَاعْمَلْ، وَطَوِّرْ مَهَارَاتِكَ، وَكُنْ عُضْوًا بَنَّاءً فِي أُمَّتِكَ ، وقل ربي زدني علما.
وَتَذَكَّرْ دَائِمًا قول القائل:
إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ ....... فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْ تَتَرَدَّدَا.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْر والعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، اللَّهُمَّ قِنَا شَرَّ أَنْفُسِنَا، وَاعْزِمْ لَنَا عَلَى أَرْشَدِ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا.
المرفقات
1777472258_اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ.doc