العشر الأخيرة من رمضان
غازي بن طامي بن حماد الحكمي
العشر الأخيرة من رمضان
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحمدُ لله . الحمد لله الذي فرض الصوم على عباده . الحمد لله الذي بلغنا هذا الشهر الكريم ، الحمد لله الذي أعاننا فيه على فعل الخيرات ، الحمد لله الذي مصائر الخلائق إليه ، والصلاة والسلام على خير من صلى وصام وطاف بالبيت الحرام ، وعلى آله وأصحابه المهاجرين منهم والأنصار ، ومن سار على نهجه إلى يوم المعاد . .
أما بعد
فيا أيها المسلمون اتقوا الله حق التقوى، فإن تقوى الله U سبيل المؤمنين، وزاد الصالحين، وبها النجاةُ والصلاحُ يوم الدين، فاتقوا الله في كل وقتٍ وحين، واشكروه U أن هداكم للإيمان، ومنّ عليكم ببلوغ هذا الموسم العظيم، والشهر الكريم، الذي فضله على سواه من الشهور، واختصّه بخصائص عظمى، وفضائل كبرى، أنزل فيه القرآن ) هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَان ِ( .
من صامه إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليله إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، كما صح بذلك الخبر عن رسول الهدى r في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة t .
ألا وإن أفضل أيام هذا الشهر ولياليه – يا عباد الله – عشره الأخيرة، فأيام العشر أفضل أيام الشهر، ولياليه أفضل ليالي العام كله، وقد كان رسول الله r يخصُّ هذه العشر بمزيد من العبادة، ويضاعف فيها الأعمال الصالحة، ويجتهد فيها بأنواعِ من القرب والطاعة ما لا يجتهد فيما سواها من الأزمنة، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله r إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ وشدّ المئزر .
حسب هذه الليالي شرفاً ورفعةً وفضلاً أن الله اختصّها بليلةِ القدرِ التي عظَّم سبحانه قدرها، وأعلى شأنها، وشرفها بإنزال الوحي المبين على سيد المرسلين r ، وفيها يُفرق كل أمر حكيم، والعبادة فيها تفضُل عبادة ألف شهر خلت من ليلة القدر، فهي ليلة عظيمة البركات، كثيرةُ الخيرات، لِما يتنزلُ فيها على العبادِ من عظيمِ المنحِ الربانيةِ، وجليلِ النفحاتِ الإلهية.
وإن من صدقِ إيمان العبد، ودلائلِ توفيقِ الله له أن يغتنم هذه الليالي المباركة، بجلائلِ الأعمالِ الصالحةِ ، وأنواعِ العبادةِ والطاعةِ ، والتذللِ بين يدي الله U ، والإنابةِ إليه، أملا في إحرازِ فضلِ ليلةِ القدرِ، ونيلِ بركاتها، فلقد بلغَ من عظيمِ فضلها وجليلِ ثوابها أن من قامها بنيةٍ خالصةٍ وعبودية صادقٍة كفّر الله عنه ما سلف من ذنوبهِ وخطاياه، فقد قال r (( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) متفق عليه من حديث أبي هريرة t .
وقد ندب رسول الهدى r أمته إلى التماسِ ليلةِ القدرِ في ليالي الوتر من العشرِ الأواخر، أو السبعِ البواقي من هذا الشهر الكريم، فقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r (( الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي)) أخرجه مسلم ، وفي لفظ آخر (( فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ )) متفق عليه .
وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله r عما تدعو به ليلة القدر إن هي علمتها، فأرشدها r أن تقول (( اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي )) أخرجه أحمد وغيره وصححه الألباني .
وفي كلِّ لَيلةٍ ساعةُ إجابَةِ، الأبوابُ فيها تفتَح، والكريم فيها يمنَح، فسَل فيها ما شئتَ فالمعطِي عظيم، وأيقِن بالإجابةِ فالرّبّ كريم، وبُثَّ إليهِ شَكواك فإنّه الرّحمنُ الرّحيم، وارفَع إليه لأواكَ فهوَ السّميع البصير، يقول r (( إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ )) رواه مسلم من حديث جابر t .
ونسَماتُ آخرِ الليلِ مظِنّة إِجابةِ الدّعوات، قيلَ للنبيِّ r : أيّ الدعاءِ أسمَع؟ قال (( جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ )) رواه الترمذيّ من حديث أبي أمامة t وحسنه الألباني .
أيها الأيها المؤمنونأيها المؤمنون
إن مما ينبغي التذكيرُ به، هو التذكيرُ بأداء الزكاة ، فإنها من آكدِ أركانِ الدين، ومن أجّلِ محاسنِ الشرعِ المبين، فرضها الحق U لمصالحٍ ومنافعٍ عظمى، فهي سببٌ لزكاءِ النفوسِ، وطهارةُ القلوبِ ، ونماءُ الأموالِ ، ومن أكبرِ عوامل الألفةِ والمودةِ بين المؤمنين، ومن أعظمِ مظاهرِ التكافلِ الاجتماعي بين المسلمين، فأخرجوها، كاملةً غير منقوصة، بنيةٍ صالحة، ونفوسٍ بالخير مغتبطة، دون منٍّ ولا أذى، ومن غيرِ استكبارٍ ولا استعلاء، فقد قال U ) مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ _ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ( البقرة:261، 262.
فلتحافظوا على هذه الفريضة، وغيرها من فرائضِ الله ، وأن تخلصوا القصدَ والنيةَ فيها لله U ، وفي جميعِ أعمالكم الصالحةِ ، فإن العملَ الصالحَ إذا شابه شيء من الرياءِ أو السمعةِ كان من أسبابِ حبوطه وعدم قبولهِ، فقد ورد في الحديث القدسي عند مسلم وغيره أن رسول الله r قال (( قال الله تعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ )) من حديث أبي هريرة t .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( .
بارَك الله لي وَلكُم في القرآنِ العَظيم، ونفعني الله وإيّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذّكر الحَكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفِر اللهَ لي ولَكم ولجميعِ المسلِمين من كلّ ذنب فاستغفِروه، إنّه هو الغفور الرّحيم.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها المؤمنون
المالُ وَديعَة في يدِك، ليس لك منه إلاّ ما أكلتَ فأفنَيتَ أو لبِستَ فأبلَيت أو تصدَّقتَ فأمضَيتَ، فتواضَع بقلبِكَ للمِسكين، وابذُل له كفَّ النّدى، وادنُ منه، واحنُ عليه، ولا تحتقِر فَقيرًا، لقول النبي r (( اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ )) متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وباليَسيرِ منَ النّفَقَة مع الإخلاَصِ تنجو من النّار، يقول النبيّ r (( اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ )) متفق عليه من حديث عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ t، وقِ نفسَك شُحَّها، وأيقِن بالغِنَى من الكريم فالمنفَق مخلَف، يقول r ((قال الله تعالى: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ )) متّفق عليه من حديث أبي هريرة t ، ويقول r: (( مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ )) رواه مسلم من حديث أبي هريرة t.
والشّيطانُ يُوَسوِس لك ويأمرك بالإمساك ويزيّنه لك خديعةً ومَكرًا، قال U ) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا ً( البقرة:268، فلا تقهَر يتيمًا، ولا تنهَر سائلاً، وأنفِق بسخاوةِ نَفس يبارَك لك في المالِ والولد.
ألا وصلّوا عباد الله على رسول الهدَى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال ] إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56.
اللّهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولك محمّد، وارضَ اللّهمّ عن الخلفاءِ الأربعة الرّاشدين...
اللهم أعز الإسلام والمسلمين .....
اللهم أرنا الحق حقا وأرزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا اجتنابه .
اللهم اجعلنا ممن يعظم شعائرك .
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا .
اللهم اجعله شفيعًا لنا وشاهدًا لنا لا شاهدًا علينا .
اللهم ألبسنا به الحلل، وأسكنا به الظلل، واجعلنا به يوم القيامة من الفائزين، وعند النعماء من الشاكرين .
وعند البلاء من الصابرين، برحمتك يا أرحم الراحمين...
اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وسائر أعمالنا .
اللهم اجعلنا ممن قبلته في هذا الشهر الكريم .
اللهم ارحم موتانا وأشف مرضانا وتولى أمرنا .
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
&&&
المرفقات
1772347306_العشر الأخيرة من رمضان ملتقى الخطباء.doc
1772347315_العشر الأخيرة من رمضان ملتقى الخطباء.pdf