الفُرقَان.. والهدي في النوازل

عبدالعزيز بن محمد
1447/09/16 - 2026/03/05 01:08AM

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ:

·           (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

·           (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)

·           (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)

 

أيها المسلمون: خَلَقَ اللهُ الإِنْسَ والجِنَّ لِحِكْمَةٍ، خَلَقَهُم لِيَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيئِاً، خَلَقَهُم لِيَمْتَثِلُوا أَمْرَهُ، ويَنْتَهُوا عَنْ نَهْيِهِ، فأَمَرَهُم ونَهاهُم، وشَرَعَ لَهُم الشَّرائِعَ وأَقامَ لَهُم الدِيْن، وسَيُجازِيْهِم على أَعْمالِهِم وسَيُحاسِبُهُم عليها يَومَ القِيامَة.

والعَبْدُ في هذهِ الحَياةِ تَعْتَرِضُهُ الأَهواءُ، وتَتلاعَبُ بِهِ الشَّهَواتُ، وتُوَسْوِسُ لَهُ الشَياطِيْنُ، وتُشَوِّشُ عليهِ الشُّبُهاتُ، ويقُومُ في طَرِيِقِهِ دُعاةُ ضَلالٍ يَصُدُّونَهُ عَنْ طَرِيْقِ الله.  واللهُ قَدْ أَقَامَ حُجَّتَهُ على عِبادِهِ بإِرْسالِه الرُّسُلَ إِليهم {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} فَما انْحَرَفَ مُنْحَرِفٌ عَنْ سَبِيْلِ اللهِ، إِلا بِما جَنَتْهُ يَداهُ {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}

وأَحْوَجُ ما يَحْتاجُهُ الإِنْسانُ في حَياتِهِ، أَنْ يَمْضِيْ إِلى اللهِ على بَصِيْرَةٍ، وأَنْ يَسِيْرَ إِلى ربِهِ على صِراطٍ مُسْتَقِيْم.  وأَنْ يُمْنَحَ فُرْقَاناً يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وبَيْنَ الضلالِ والهُدَى، وبَيْنَ الخَطأِ والصَّواب.

ومَنْ مَنَحُهُ اللهُ فُرْقاناً فَقَدْ مَنَحَهُ أَكْرَمَ نِعْمَة، ومَنْ وهَبَهُ اللهُ فُرْقَاناً فَقَدْ وهَبَهُ أَعْظَمَ عَطاء.  والفُرْقَانُ: هُو نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ في قَلْبِ العَبْدِ فَيُمَيَّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ، ويُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الخَطأِ والصَّوابِ.  الفُرْقَانُ: هُوَ قُوَّةُ بَصِيْرَةٍ يُدْرِكُ بِها العَبْدُ سَبِيْلَ الرُّشْدِ حِيْنَ تَعْصِفُ أَمامَهُ أَعاصِيرُ الشُّبُهاتِ، وهُوَ قُوَّةُ عَزِيْمَةٍ تُقودُ صَاحِبَها إِلى تَخَطِّي الحَواجِزَ والعَقَبَات. الفُرْقَانُ: هُو نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَتَأَيِيْد، وَهُوَ عَوْنٌ مِن اللهِ وتَسْدِيْد، وهُوَ حِفْظٌ مِن اللهِ وتَوْفِيق.   ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ فُرْقاناً، تَفَرَّقَ في شُعَبِ الغِوايَةِ، وتَخَبَّطَ في حَوالِكِ الظُّلُماتِ، وتَلَقَّفَتْهُ الشَياطِيْنُ، وتَتَابَعَتْ عليهِ النَكَبات.

والمُؤْمِنُ حِيْنَ يَكُونُ مُتَّقٍ لِرَبِهِ، فَإِنَّهُ يُوهَبُ مِنَ الفُرْقَانِ أَجْزَلَ عَطاء، فالإِيْمانُ والتَقْوَى هُما مَهْبِطُ الفُرْقَانِ، وعلى قَدْرِ الإِيْمانِ والتَقْوَى في القَلْبِ يَقْوَى فُرْقَانُه. وَعْدٌ مِنَ اللهِ لِمَنْ آمَنَ واتَّقَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}

وشَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ اقْتَرَنَ بأَسْبابِ الفُرْقَانِ، فَفِي رَمَضَانَ فُرِضَ على العِبادِ الصِيامُ، الصِيامُ هُو أَعْظَمُ جالِبٍ للتَقْوَى، قَالَ اللهُ: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}

وَفِيْ رَمَضَانَ أَنْزَلَ اللهُ القُرآنَ، والقُرآنُ أَعْظَمُ فُرْقَانِ لِمَنْ اسْتَمْسَكَ بِه، يَسْلُكُ بِصَاحِبِهِ سَبِيْلَ الفَوْزِ، ويَتَخَطَّى بِهِ أَسْبابَ الهَلاك، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} 

القُرآنُ فُرْقَانٌ، فَما ضَلَّ مَنْ اسْتَنارَ بِنُورِ القُرآنِ، وما زَاغَ مَنْ عَمِلَ بِه، وكَفَى بالقُرآنِ فُرْقَاناً، وكَفَى بِهِ حُجَّةً، وكَفَى بِهِ نُوراً مُبِيْناً {وَقَالُوا} أِي المُشْرِكُونَ قَالوا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ {لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} يُرِيْدُونَ أَنْ يَأَتِيَهُم بِآياتٍ حِِسِّيَةِ مُشاهَدَةٍ -كَناقَةٍ صَالحٍ عليه السلام، وكَعَصَا مُوسَى عليه السلام، ونَحوها من الآياتِ، فَقالَ اللهُ سُبُحانَهُ: {قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} ثُمَّ قَالَ اللهُ سُبحانَهُ: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} كَفَى بالقُرآنِ آيَةً وبُرْهاناً وفُرْقاناً، لِمَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ وسَعْيٌ رَشِيْد. وفي خُطْبَةِ حَجَّةِ الودَاعِ قَالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ» رواه مسلم 

وفي رَمَضَانَ وَقَعَ يَومُ الفُرْقَان، يَومَ بَدْرٍ يَومَ الْتَقَى الجَمْعان، جَمْعُ الكَافِرِيْنَ الذِيْنَ {خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} وجَمْعُ المُؤمِنِيْنَ بِقِيادَةِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَكانَ يَومُ فُرْقَانٍ مُبِيْنِ، أَعَزَّ اللهُ فيه المُؤْمِنِيْنَ، وأَرْغَمَ فيهِ الكَافِرِيْن.  نَصَرَ اللهُ فيهِ أَوْلِياءَهُ، وأَذَلَّ فيهِ أَعْداءَه.  فِئِةٌ قَلِيْلَةٌ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيْرَةً بِإِذْنِ الله، فَكانَ النَّصْرُ في ذلك اليَومِ مِنَ الله أَعْظَمَ آيَةٍ {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ}

يَومُ بَدْرٍ يَومُ فُرْقانٍ مُبِيْن، يَومُ ذُلِّ الكَافِرِيْن، يَومُ عَزِّ المُؤْمِنِيْن، يَومَ ناحَتْ في نَواحِي الكُفْرِ آلاف النَّوائِح، يَومَ ذَلَّتْ أَوْ جُهٌ غُبْرٌ كَوالِح، يَومُ بَدْرٍ يَومُ فُرْقَانٍ مُبِيْن {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}  {..إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}

شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ تَوالَتْ فيهِ أَسْبابُ الفُرْقَان. والمُؤْمِنُ حِيْنَ تَتُوقُ نَفْسُهُ لإِدْراكِ أَعْظَمَ نَصِيْبٍ مِنْ الفُرْقَان، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَتَبَةَ التَقْوَى، وَمَنْ يَتَّقِ اللهِ يَجْعَلْ لَهُ فرْقاناً. ويَلزَمُ الاعْتِصامَ بالقُرآن، فَإِنَّ مَنْ اسْتَقامَ على القُرآنِ، كَانَ القُرآنُ لَهُ فُرْقَان {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}

والقُرآنُ بِذاتِهِ فُرْقَانٌ، ولا يَنْتَفِعُ بِفُرْقَانِ القُرآنِ إِلا مَنْ آمَنَ بِهِ وعَملِ بِما فيه {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}  بارك الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية: 

 

الحمد للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً أما بعد: فاتقوا الله عباد الله لعلكم ترحمون

أيها المسلمون: في كُلِّ مَوْقِفٍ مِنْ مَواقِفِ الحَياةِ، وفي كُلِّ نازِلَةٍ مِنْ نَوازِلِ الأَيامِ، يَضْطَرِبُ الإِنْسانُ ويَخْتَلَّ ويَحْتار. فَلا يُقابِلُ المَواقِفَ بِما يَلِيْقُ بِها، ولا يَتَعامَلُ مَعَها كَما يَنْبَغِيْ أَنْ يَتَعامَلَ مَعَها، ما لَمْ يَسْتَمِدَّ بَصِيْرَتَهُ مِنْ فُرْقَانِ القُرآن.

فالقُرآنُ هذَّبَ أَخْلاقَ المُسْلِمِيْنَ وصَوَّبَها، وقَوَّمَها وأَرْشَدَها.  إِنْ نَزَلَتْ بِهِمْ مِنَ اللهِ نِعْمَةٌ، أَخذُوها أَخْذَ الشَّاكِرِين {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}    يَنْعَمُونَ بالأَمْنِ في الدِّيارِ، وبالرَخاءِ في العَيْشِ، فَلا يُعْرِضُونَ عَنْ الطَّاعَةِ، ولا يَبْطُرُونَ النِّعْمَةَ، ولا يَسْتَجْلِبُونَ غَضَبَ اللهِ، ولا يُجاهِرُونَهُ بالآثام {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}  وَإِنْ نَزَلَتْ بِهِم مُصِيْبَةٌ، أَنْزَلُوها باللهِ وأَفْرَغُوا قُلُوبَهُم لَه، واسْتَسْلَمَوا لِحُكْمِهِ ورَضُوا بقَدَرِهِ وقَضائِه، وقَالُوا كَما أَمَرَهُم (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)

وإِن نَزَلَتْ بِهِم نازِلَةُ خَوْفٍ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ المُرْجِفِيْن، ولَمْ يَكُونُوا من المُتَشائِمِيْن، ولَمْ يَبُثُّوا الشَّائِعَاتِ، ولَمْ يُشِيْعُوا الأَخْبارَ التِيْ تُحْزِنُ المُؤْمِنِيْن. كذا القُرآنُ أَدَّبَهُم {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}

وفي النَّوازِلِ العَامَةِ التِيْ تَلُوحُ في الأُفُقِ، ويَتَطَايَرُ شَرَرُها مِنْ حَوْلِنا، ويُدَوِّيْ وَقْعُها على مَسامِعِنا، جاءَ القُرآنُ بِفُرْقَانِهِ لِيُوَجِهَنَا لأَصْوَبِ الطُرُقِ التِيْ يَجِبُ عَلَيْنا أَنْ نأَخُذَ بِها إِنْ أَرَدْنا حُسْنَ العاقِبَةِ في الدُّنيا والآخِرَةِ.

الاعْتِصَامُ باللهِ وبِكِتابِه، ونَبذُ الفُرْقَةِ الخِلافِ، والوُقُوفُ صَفاً واحِداً في وَجِهِ كُلِّ عَدُوٍّ مُتَرَبِّص، قَال اللهُ سُبحانَهُ {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}

والتَّضَرُّعُ إِلى اللهِ والالْتِجاءُ إِليهِ بِكَشْفِ الغُمَّةِ ودَفْعِ البَلاءِ، فَمَنْ لَمْ يَتَضَرَّعْ إِلى اللهِ في نَوزِلِ الشِّدَةِ والكَرْبِ، فَما لَهُ في العُبُودِيَّةِ مِنْ نَصِيْب {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

والأَخذُ بأَسْبابِ القُوَّةِ المَادِيَةِ التِيْ تُرْهِبُ العُدُوَّ، ويُدْفَعُ بِها مكرُهُ وكَيْدُهُ وطُغْيانُهُ وأَذاه. مِنْ أَوجَب ما يَجِبُ على المُسْلِمِيْنَ أَنْ يَصدُقُوا في تَحْقَيْقهِ، وأَنْ يَجْتَهِدُوا في الوُصُولِ إِليهِ. كذا عَلَمنا القُرآنُ، كذا جاءَ في نَصِّ الفُرْقان {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} والصَّبْرُ والمُصابَرَةُ والمُرابَطَةُ على ثُغُورِ الأُمَةِ هُو عُنوانُ الفَلاح {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}  

عباد الله: أَما وَإِنَّكُمْ على مَشَارِفِ العَشْرِ الأَواخِرِ المُبارَكَة، أما وإِنَّها مِنْ أَعْظَمِ لَيالِ العَامِ، أَما وإِن الموَفَّقَ حَقاً مَنْ أَحْيا لَيالِيها بالصَلاةِ والذِّكْرِ والقُرآنِ والعِبادَةِ. فَفِيْها لَيْلَةُ القَدْرِ التِي لا تُقَدَّرُ بِثَمَن {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} وعَنْ عائِشَةَ رضي الله عَنْها قَالَت: : « كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إذَا دَخَلَ العَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ المِئْزَرَ » رواه مسلم 

فَاسْتَثْمِروا أَعمارَكُم في هذه الليالي، لَعَلَّكُمْ تُدْرِكُونَ فَوزاً تَسْعَدونَ بِهِ مُخَلَّدِيْن. اللهم اجْعَل لنا مِنْكَ هِدايَةً ومدداً وفُرْقاناً

المرفقات

1772663923_الفُرْقَانُ.. والهَدْيُ في النوازل.docx

المشاهدات 502 | التعليقات 0