الْقُرآن مأْدُبَةُ الرحمن 10/9/1447
أحمد بن ناصر الطيار
الحمد للَّه ذي العز والجلال، والمنة والإفضال، والطَّول والكمال، له الشكر على ما منَّ به علينا، إذ أخرجنا في خير الأمم، وهدانا بخاتم أنبيائه، وهادي أوليائه، النبي الأمي الذي أنزل عليه كتابه الذي جعله نورًا وبرهانًا، فنسأل الذي بالفضل حبَانا، وللإسلام هدانا، أنْ يصليَ على محمد عبده ورسوله، وأن يَمُنَّ علينا بتوفيقه وإرشاده ومعونته، إنه على ما يشاء قدير.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله, واعلموا أنَّ القرآن الكريم هو سببُ سعادةِ المسلم ورفعته في الدنيا والآخرة, فهو كلام ربّ العالمين، الذي ذكر فيه ما يُحبّه لنعمل به، وما يكرهه لنكفّ عنه، {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا}.
وفيه البيان الكامل، والهداية التامة، والرحمة المطلقة، والبشارة لمن آمن وعمل به، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.
وما ترك الله فيه من خير إلا أرشد إليه، ولا شرّ إلا حذّر منه، {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}.
فمن تمسّك بالقرآنِ هداه الله لأقوم وأكمل الأقوال والأعمال والأخلاق، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}.
كيف لا يكون كذلك وهو أحسن الحديث، {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ}، {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}.
ووصفه الله بالحكيم، وبالمجيد، وبالعظيم، وبالمبين، وبالفرقان، وحفظه من التحريف والتغيير والتبديل، {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.
وهو مأدبة الله تعالى, كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: إنَّ كُلَّ مُؤْدِبٍ يُحِبُّ أنْ يُؤتَى أدْبُهُ، وإنَّ أدْبَ اللَّهِ الْقُرآنُ».
فقد شبّه الْقُرْآن بصنيعٍ صنعه الله للنَّاس لَهُم فِيهِ خير وَمَنَافع, ثمَّ دعاهم إِلَيْه.
فكلّ مَن صنع طعامًا عامّا في مناسبةِ فرح – كالزواج - يحبّ أنْ يأتيه الناسُ في وليمته إذا دعاهم، وضيافةُ الله لخلقه قراءةُ القرآن، فهو يحبّ أن يُقْبِل الناس على كتابه.
وهذه المأدُبة فيها الغذاء الكامل للقلوب والأرواح، والعلاج النافع لجميع أمراض النفوس، ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه.
ففي القرآن ما يحبّه ويرضاه, وما يحبّه ويرضاه لك، وما سيُهديه لك، وما يُصلح عقلك وقلبك وأهلك ومالك وجميع شؤونك.
وإنّ هذا القرآن العظيم فيه كلّ العلوم النافعة في الدين والأخلاق والسياسة والطبّ والمعيشة والأكل والشرب.
وفي كتاب الله:
1-من الحجج والبراهين ما يكفي لدحض شُبَه الكافرين.
2-ومن المواعظ والعِبَر ما يكفي لهداية الضالين وزيادة إيمان المؤمنين.
3-ومن الشفاء ما يكفي لعلاج كل مريض.
4-ومن الأحكام ما يكفي لصلاح العباد والبلاد.
وصدق الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
نسأل الله تعالى أن ينفعنا بالقرآن, وأن يشرح صدورنا للإسلام, إنه على كل شيء قدير.
***************
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين, وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: معاشر المسلمين, إنّ القرآن هو أعظم شفاء روحيٍّ وبدني, قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ} [يونس: 57].
قال ابن القيم رحمه الله: «فالقرآن هو الشِّفاء التَّامُّ من جميع الأدواء القلبيَّة والبدنيَّة، وأدواء الدُّنيا والآخرة،
فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه اللَّه، ومن لم يكفه فلا كفاه اللَّه».
وإذا كان الماء يجري على الأرض فتصبح مخضرة مباركة حية، فما حال القلب الذي يجري عليه كلام الله صباح مساء!
فبالقرآن سينبت الله الإيمان واليقين في قلبك، ويغرس الفهم والذكاء في دماغك، ويكسو بالفصاحة والبلاغة لسانك.
فأهل القرآن هم أعقل الناس، وأفصح الناس، وأتقى الناس، وأنفع الناس للناس.
فاحرصوا على تلاوة القرآن في هذ الشهر العظيم, فهو الشهر الذي أُنزل فيه القرآن.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا, ونور صدورنا, وشفيعنا يوم نلقاك، إنك ربنا رؤوفٌ رحيم.
عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على نبي الهدى, وإمام الورى, فقد أمركم بذلك جل وعلا فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي.. يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات, وخُصَّ منهم الحاضرين والحاضرات, اللهم فرِّج همومهم, واقض ديونهم, وأنزل عليهم رحمتك ورضوانك يا رب العالمين.
عباد الله: إنَّ اللَّه يأْمُرُ بالْعدْل والْإحْسانِ وإيتاءِ ذي الْقُرْبى ويَنْهى عن الْفحْشاءِ والمنْكرِ والبغْيِ يعِظُكُم لَعلَّكُم تذكَّرُون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.