اللهُ النّصير
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله حمداً ليس ينصرمُ حمداً يوافق ما يجري به القلم
يأتي البلاء لتمحيص وتذكرة كأن كل بلاء نازل نعم
وهذه الدار دار حشوها ضرر لكن مع الصبر بالأفراح تختتم
الحمد لله حمداً ليس ينصرم والشُّكرُ للهِ في بدْءٍ ومُخْتَتَم
الحمد لله ما خاب من استعان به ورجاه، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً خليله ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله ومن اهتدى بهداه وسلم تسليما كثيراً .. و بعد:
فاعلموا عباد الله أنَّ اللهَ جل شأنه هو الوَلِيُّ وَهو النَّصِير، النَّصْرُ مِنْهُ وَبِيَدِه، هُوَ مَنْ يُؤَيِّدُ ويعين وَيَنْصُرُ، فَالمَنْصُورُ مَنْ نَصَرَهُ الله، وَالمَغْلُوبُ مَنْ خَذَلَهُ الله ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُون﴾.
اللهُ النَّصِيرُ لِأَنَّ الأَرْضَ وَمَا عَلَيْهَا وَمَا فِيهَا ومن فيها، وَالسَّماوَاتُ وَمَا عَلَيْهَا وَمَا فِيهَا ومن فيها، كُلُّهم طَوْعُ أَمْرِه وتحت سلطانه وقدرته وقهره، لَهُ جُنُودٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُو، لَهُ جُنُودٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُو، يكفيك أن توقن أنه من كان مع الله كان الله معه لا يُذلُّ من والى الله ولا يعز من عاداه.
كلكم قد قرأ في سورة البقرة قصة الرجل الصالح القائد طالوت الذي اختاره الله لقيادة بني إسرائيل بعد التيه الذي عاشوه والذلة والمهانة من العمالقة الجبارين وعلى رأسهم جالوت، كان عدد جيش طالوت ثمانين ألف مقاتل فاختبرهم طالوت في طريقه للعدو وقد أقبلوا على ماء عذب زلال بعد رحلة شاقة فقال: ( إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ )
قال أهل التفسير فشرب منه ستة وسبعون ألف مقاتل وبقي معه أربعة آلاف فقط قد نجحوا في الابتلاء وسمعوا قول الله واستجابوا حتى إذا أقبلوا على ساحة الحرب ورأوا العمالقة الجبارين ورأوا أعدادهم الهائلة المهيبة والأجسام العظيمة قال أكثرهم ( لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ)
رسب هؤلاء الصفوة في الابتلاء الآخر كذلك وبقي صفوة الصفوة بقي المؤمنون الموحدون الموقنون بنصر الله وقالوا قولتهم العظيمة التي تملأ الجوارح والأحاسيس يقينا بالله ( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) إي والله (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )
روى البخاري أن البراء قال " كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عِدة أصحاب بدر على عِدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة "
)فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ ) غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم لمَّا اعتصموا بالله تعالى أعزهم ومكّنهم ودحر عدوهم... وكذلك ينجي الله المؤمنين ..
عِبَادَ الله:
إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَضَعْفِ يَقِينِهِمْ بِاللهِ سُبْحَانَه، وَلِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ تَسَلُّطِ أَعْدَاءِ الله، قَدْ يَظُنُّ أَنَّ الكَلِمَةَ صَارَتْ أَبَدًا لِلْكُفَّار، وَأَنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ دائماً بِالهَزِيمَةِ، وَهَذَا سُوءُ ظَنٍّ بِالله.
فَمَا أَهْوَنَ الكُفَّارَ عَلَى اللهِ العَظِيمِ الكَبِير، إِنَّهُمْ فِي قَبْضَتِه، نَوَاصِيهِمْ بِيَدِه، وَلَا يُعْجِزُونَه، أَلَيْسَ هُوَ القَائِلَ سُبْحَانَه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.
أَلَمْ يَقْضِ اللهُ سُبْحَانَهُ بِالذِّلَّةِ والهوَان وَالخِزْيِ وَالصَّغَارِ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِهِ وَحَارَبَ دِينَه؟
وَأَيُّ قَوْمٍ أَحْرَى بِالخِزْيِ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ وَالمَسْكَنَة، حين قَالَ فِيهِم: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ﴾.
الخطبة الثانية:
الحَمْدُ للهِ مُعِزِّ الإِسْلَامِ بِنَصْرِه، وَمُسْتَدْرِجِ الكَافِرِينَ بِمَكْرِه، جَعَلَ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ بِفَضْلِه، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى قُدْوَتِنَا وَقَائِدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِه، أَمَّا بَعْد:
أَيُّهَا المُؤْمِنُون:
إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبُ المَنَال، لَيْسَ شَيْئًا مُسْتَحِيلًا، وَلَا أَمْرًا مِنْ ضُرُوبِ الخَيَال، أَلَمْ يَقُلْ رَبُّنَا سُبْحَانَه: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾.
إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ عَزِيزٌ حَكِيم، يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ وَعِزَّتِه، مَتَى شَاءَ سُبْحَانَه، فَلَا يَعْجَلُ بِعَجَلَةِ عِبَادِه، وَلَرُبَّـمَا أَخَّرَ النَّصْرَ لِحِكَمٍ بَاهِرَةٍ لَا يُحِيطُ بِهَا إِلَّا هُوَ عَزَّ شَأنُه.
قَالَ الله: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾.
وَعَلَى قَدْرِ إِيمَانِ العَبْدِ يَكُونُ تَأْيِيدُ اللهِ وَنَصْرُهُ وَمَدَدُه.
لِذَا لَا تَتَعَلَّقُ قُلُوبُ المُوَحِّدِينَ إِلَّا بِرَبِّ العَالَمِين، فَبِهِ يَسْتَغِيثُون، وَبِهِ يَسْتَنْصِرُون.
وفي الختام عباد الله أقول:
من ظن أن النصر لا بد أن يكون بهزيمة العدو وقتله فقط فقد ضيّق واسعاً ولم يعرف حقيقة النصر التي ذكرها الله في كتابه وعلى سنة رسوله، الثبات على دينك حتى مفارقتك للحياة أعظم النصر وهو أبلغه وأسماه وكلكم يعرف قصة أصحاب الأخدود كلهم ماتوا وأولهم الفتى المؤمن عبدالله بن ثامر وقومه جميعا ماتوا موحدين مؤمنين ثابتين على هذا الدين فقال الله عن حالهم ( ذلك الفوز الكبير )
فوزٌ كبيرٌ أن تموت على مبادئك التي فطرك الله تعالى عليها مؤمنا موحداً عزيزاً بدينك رحوما بالمؤمنين شديداً على أعداء الدين توالي من والى الله وتبغض من أبغض الله...
هَؤُلَاءِ اليَهُودُ، شُذَّاذُ الآفَاقِ، مَنْ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَشَرَّدَهُمْ وَأَذَلَّهُم، قد كتب الله عليهم الذلة أينما ثقفوا وحلّوا وسكنوا أبد الدهر، لا تقوم لهم قائمة إلا بحبل الله بإذنه وذمته سبحانه ثم بحبل من الناس فلا يأمنون إلا تحت حكم الإسلام أو تحت حكم النصارى..
كم أفسدوا وهجّروا وقتّلوا وشرّدوا وتوعَّدوا، ولكن ربك بالمرصاد لا يخفى عليه شيء من أمرهم له الحكمة البالغة والقدرة القاهرة
المرفقات
1774561819_اللهُ النّصير.docx