المال العام

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي زين القلوب بشرائع الإيمان، والظواهر بشعائر الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرشد الأمة إلى طُرُق السَّعادة والجنان، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما تعاقبت الليالي والأزمان... و بعد:

 

فيا أيها الناس، الخير كله والصلاح والفلاح في تقوى الله فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

ثم اعلموا يا أمة محمد أن من أعظم وصايا حبيبكم وقرة أعينكم   أن قال: (( والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم))

 (( إنَّ الدُّنيا حُلوةٌ خَضِرةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتخلِفَكم فيها فَيَنْظر كيف تَعمَلون، فاتَّقوا الدُّنيا ))

 

عباد الله، هذا المال الذي بين أيدينا يزيد تارة وينقص تارات، والله لن تزول قدمك يوم القيامة ولن تدخل الجنة حتى تُسأل عنه ريالا ريالا، هذا عينُ ما قاله الصادق المصدوق :

 (( لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ ))

 

ولذا وجب على المؤمن أن يشتدَّ ورعه وحرصه من أي مال يكتسبه، وأن يحذر كل الحذر من المال الحرام، بل يجب عليه أن يتقي ويهرب حتى من المشتبهات التي يشك هل هي حلال أو حرام.

 

وإن من أعظم المحن والفتن أن تذهب الأمانة من المسلم ويرضى لنفسه الدنية فتتطلع إلى أكل المال الحرام، يتساهل في حقوق الناس ويتعدى على أموال المسلمين، وما علم أنه مالُ شؤم على نفسه وصحته وزوجته وذريته وما ملَك، لأن الله تعالى قد حرم على نفسه ألا يدخل الجنة إلا طيب فقال المصطفى:

   ( كُلُّ جِسْمٍ نَبَتَ مَنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ) وَالْجَنَّةُ طَيِّبَةٌ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا طَيِّبٌ

وما تنبت الأجساد إلا من الطعام، فإن كان الطعام خبيثاً قد أخذه صاحبه من طريق حرام أو طريق شبهة فقد أفسد الأجساد وعرضها للهلاك والنار عياذا بالله من النار...

 

بعث رسول الله  معاذ بن جبل  قاضياً إلى أهل اليمن ثم أرسل يدعوه، فلما عاد إليه قال له: ((أتدري لِمَ بعثتُ إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غلَّ يوم القيامة، لهذا دعوتك فامض لعملك)) رواه الترمذي.

( لا تصيبن شيئًا بغير إذني فإنه غلول ) والغلول هو الخيانة وهو أخذ أموال الناس أو التعدي عليها بغير حق، وقد كان رسول الله يحذر أصحابه أشد التحذير من هذه الاختلاسات بغير وجه حق خاصة الموظفين تحته الذين كانوا يتقاضون راتبًا من بيت مال المسلمين.

روى البخاري في صحيحه أن النبي  وظَّف رجلاً يقال له: ابن اللُّتبية ووظيفته كانت جمع الصدقات من أقوام من العرب، فلما قدم بها ابن اللتبية  قال : يا رسول الله هذا لكم وهذا أُهدي إلي، فغضب النبي  ثم قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لك وهذا أهدي إلي؟! فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيده، لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة، يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تعير))، ثم رفع يديه حتى عفرتي إبطيه ـ يعني بياضهما ـ وقال: ((ألا هل بلغت؟)) ثلاثًا. ((من استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقًا ـ أي: أعطيناه مرتبًا ـ فما أخذ بعد ذلك فهو غلول)) رواه أحمد وأبو داود.

 

وكان له  غلام اسمه كِرْكِرَةُ قد خصَّص له رسول الله عملاً وهو حفظ متاعه عليه الصلاة والسلام فلما كان يوم خيبر قال الصحابة فلان شهيد وفلان شهيد وكركرة شهيد فقال رسول الله: ( كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ(

دخل النار لأنه أخذ عباءة شيء زهيد جداً عباءة فقط أدخلته نارا تلظى، مع أنه كان في ساحة الحرب مع رسول الله ...
فكيف بمن لا يهمه أخذ ماله من حلال أو من حرام، كيف سيصير به الحال، هذا من أجل عباءة حرم الجنة فكيف بمن يتخبط في أموال المسلمين ولا يبالي...

 

فاتقوا الله عباد الله، فإن الدنيا ظل زائل، دنياً غرارة خداعة فتّانة، فاتقوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين...

اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ....

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي جعل لنا في الحلال غنيةً عن الحرام، ووعد من اتقاه أن يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، وصلى الله وسلم على المأمور بأكل الطيبات والعمل بالصالحات، فكان أخشى الناس وأتقاهم وأكثر ورعا وزهدا وحرصا، وسلم تسليما كثيرا.... وبعد:

 

فيا أيها الناس، قاعدة عظيمة ينبغي لكل مؤمن أن يجعلها نُصب عينيه في كلّ عمل يعمله، يقول   : ((إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)).

 

إن جاءك هذا الشك هل هذه المعاملة حلال أو حرام فاحمد الله أن هذا الهاجس لا يزال في قلبك في حين حُرم منه خلق كثير، فإذا أتاك فعليه بالاحتياط لدينك، فاتق الشبهات واحمِ دينك وعرضك وأبشر بعوض الله الذي بيده ملكوت كل شيء.

فإن قال قائل لقد فشا الفساد وطم وعمّ، قلنا له إن الله تعالى سيسألك أنت يا عبد الله، لمَ فعللت كذا    وتعديت على كذا وأخذت كذا، ولستَ بمعذورٍ إن عمّ الفسادُ أن تَفْسُد مع من فسد، فالسعيد من أعدَّ للسؤال جواباً صوابا، والشقي من غرّته نفسه واستهان بحقوق العباد...

 

قدِّم لنفسك ما تقرُّ به عينُك عند الله واعلم وأيقن بحديثه صلى الله عليه وسلم حين قال: (( أيها الناس: اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها))

 

اصبر يا عبد الله وصابر واسأل أهل العلم عما أشكل، وضع نصب عينيك هذا الحديث العظيم " عليك بالورع تكن أعبد الناس وخير دينكم الورع"

 اتركوا كل ما تخافون أن يضركم يوم أن تلقوا ربكم، تورعوا عن أموال الناس والعمَّال وأموال الدولة التي ليس لكم فيها حق، احفظوا الرأس وما وعى والبطن وما حوى وتذكروا الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء،

 هذه يا عباد الله حقيقة التقوى، وهذه أخلاق الصالحين الأتقياء الأنقياء، ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.

اللهم ردنا إليك رداً جميلا، اللهم وفقنا لكل خير واصرف عنا كل شر، وعذنا من شر أنفسنا وشر الشياطين

المرفقات

1774562004_المال العام.docx

المشاهدات 90 | التعليقات 0