المحافظة على البيئة والأماكن العامة والتنزهات البرية

المحافظة على البيئة والأماكن العامة والتنزهات البرية

الْخُطْبَةُ الْأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا . أمَّا بَعْدُ :-

فأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ .

عباد الله : دينُنا وللهِ الحمدِ لا يمنعُ المسلمَ من الترويحِ عن النفسِ ، وقضاءِ أوقاتِ راحةٍ واستجمامٍ ، ودفع الملل والسَّآمة ، وتخفيف ضغوط الحياة وهموم المعيشة ، بنزهة أو رحلة ، ما دامَ أنَّهُ لا يترتبُ عليه تضييعُ واجبٍ أو وقوعٌ في محرَّمٍ ، فإن لنفسك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا . فقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ يصنعُ ذلكَ ، كما في حديثِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدو إلى هذه التِّلَاع ) رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني في الصحيحة . ( يَبْدُو) : أَيْ يَخْرُج إِلَى الْبَادِيَة ، وقولها : ( إِلَى هَذِهِ التِّلَاع ) : مَجَارِي الْمَاء مِنْ أَعْلَى الْأَرْض إِلَى بُطُون الْأَوْدِيَة . يقولُ ابنُ جماعةَ رحمهُ اللهُ : " ولا بأسَ أنْ يريحَ نفسَه وقلبَه وذهنَه بتنزهٍ وتفرجٍ في المتنزهاتِ بحيثُ يعودُ على حالِهِ ولا يضيعُ عليهِ زمانُه " ، وقال : " وكان بعضُ أكابرِ العلماءِ يجمعُ أصحابَه في بعضِ أماكنِ التنزهِ في بعضِ أيامِ السنةِ ، ويتمازحونَ بما لا يضرُّهم في دينِ ولا عرضِ " .

ألا وإن مما يجب التنبه له والحرص عليه الاهتمام بنظافة الأماكن العامة التي يرتادها الناس ويجلسون فيها كالحدائق والمنتزهات البرية والمحميات وغيرها ، وعدم ترك المخلفات وبقايا الطعام وغيرها مبعثرة في كل مكان بعد الانتهاء من الرحلة أو النزهة ، لأن ذلك يعتبر تلويثاً للبيئة ، وصورة من صور الإفساد في الأرض المنهي عنه شرعًا ، والله جلَّ وعلا يقول : ﴿ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ﴾ . والمحافظة على نظافة هذه الأماكن التي يرتادها الناس سواء كانت طرقاتهم  أو أماكن جلوسهم له فضل عظيم ، وباب من أبواب البر ، فهو يد خل في  باب إماطة الأذى عن الطريق ، فينبغي للإنسان أن يحتسب الأجر في ذلك ، وقد ورد في الحديث عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما ، مَرفوعًا : { وإماطةُ الأذى عنِ الطَّريقِ صَدَقةٌ } أخرجه البخاري في الأدب ، وفي رِوايةٍ أُخرى أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : { لقد رَأيتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ ؛ في شَجَرةٍ قَطَعها مِن ظَهرِ الطَّريقِ ، كانت تُؤذي النَّاسَ }  أخرجه مسلم .

فالواجب على كل من انتهى من رحلته أو نزهته أن يجمع نفاياته في أكياس ويضعها في الأماكن المخصصة لها ، وهذا مطلب شرعي ، ومظهر حضاري ، وأسلوب تربوي للصغار وغيرهم ، ولأنه يترتب على تركها إفساد للبيئة ، ومضرة للنبات والحيوان وإيذاء للناس ، ومخالفة للشرع والنظام . وقد ورد في الحديث عَنْ أَبِي صِرْمَةَ مالك بن قيس المازني رضى الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم : { مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اَللَّهُ } أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد وحسَّنه الألباني . فينبغي الحرص غاية الحرص على نظافة المكان وتركه كما كان أو أحسنَ مما كان قدر الإمكان ، وهذا مما جاء به الشرع وحث عليه . فربما يرجع إلى هذا المكان مرة أخرى فيجده نظيفا ، لكنه لو عاد إليه مرة أخرى ووجد غيره قد تركوا نفاياتهم مبعثرة لغضب عليهم ، وأخذ يسب ويشتم ، فكذلك الناس يتأذون بتلك النفايات . ومن المعلوم للجميع أن إيذاء المؤمنين والمؤمنات والإساءة إليهم بأي نوع من أنواع الأذى محرم لا يجوز ، ووعد فاعله بالإثم ، فقال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 58] . وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن كل من يؤذي المسلمين في طُرقِهم بأي نوع من أنواع الإيذاء هو مستحق للعنتهم ، فعن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من آذى المسلمين في طرقهم ، وجبَتْ عليه لعنتهم ) . رواه الطبراني في الكبير، وإسناده صحيح .

كما أن على الإنسان أثناء رحلته أو نزهته ، مراعات الأنظمة التي أقرتها وزارة البيئة والزراعة والمياه ، وكذلك المديرية العامة للدفاع المدني والجهات المعنية في هذا الجانب والتي تحقق المصلحة العامة للجميع . وخاصة ما يتعلق بالمحميات الطبيعية وعدم الاعتداء عليها ، وكذلك عدم الصيد والاحتطاب ، تحقيقاً للغاية الشرعية في المحافظة على الحياة الفطرية والغطاء النباتي .. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .       

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، الداعي إلى جنته ورضوانه ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ، أمَّا بَعْدُ :-

فإن من أخطر المخلفات وأشدها ضرراً على الإنسان المخلفات الزجاجية فهي لا تبيد من الشمس أو التربة مع مرور الزمن ، وتُسبب جروحاً خطيرة في الأيدي والأرجل سواء للصغار أو الكبار ، وكذلك المخلفات البلاستيكية والمعدنية تشكل خطراً على المواشي ، وقد تؤدي إلى مرضها أو نفوقها ، لأن المخلفات المعدنية وخاصة المعلبات قد تعلق بقوائم المواشي مما يسبب لها ضرراً بالغاً ، ولأن كثيراً من المواشي تأكل المخلفات البلاستيكية فتغلق جهازها الهضمي لأنها لا تنهضم مما يسبب مرضها أو نفوقها ، وهذا من التعدي والإضرار بالثروة الحيوانية التي جعلها الله سببًا للرزق . والضرر في الشريعة محرم مهما كان نوعه ، ويزداد الإثم إذا ترتب على هذا الضرر تلف للمال أو هلاك للأنفس .

عبادَ الله : أجهزةُ الدولةِ بجميعِ مؤسساتِها تبذلُ جهودًا كبيرةً في إقامةِ تلكَ المتنزهاتِ وتنظيفِها وتمهيدِها للناس ، وإمدادها بما تحتاجه من إنارة ونظافة وماء ، وتوفِّر عمالَ النظافةِ ، وسياراتِ البلديةِ في طرقِ السياراتِ ، وفي البرِّ وفي المتنزهاتِ لتنظيفِ تلك الأماكنِ ومتابعتِها لتكونَ مهيأةً للجميع . فحافظوا عليها واتركوها وهي على حالٍ أفضل مما كانتْ عليه حينَ وصلتمْ إليها .

ألا وإن من المخلفات التي تسبب أضراراً ، مخلفات البناء والمشاريع ، وذلك عند إلقائها في الأماكن غير المخصصة لها ، لما تسببه من تشويه بصري وإضرار بالبيئة ، ولأنها تكون مأوى للحشرات والزواحف الضارة ، وفيها تعريض الناس والممتلكات للأذى ، وهذا أمر نهى عنه الشرع ، ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا ضرر ولا ضرار } ، وهذا يدل على أنَّ الشَّرعَ لا يُقِرُّ الضَّررَ ولا الإضرارَ بالغير .

كما أن إلقاء مخلفات البناء والمشاريع في الأماكن غير المخصصة لها مخالف للنظام ، فعلى الإنسان أن يحرص على ألاَّ يُلقي تلك المخلفات قريباً من الأحياء السكنية أو الأماكن الممنوعة ، وعلى الجميع الإبلاغ عن المخالفين لذلك لكف أذاهم . وحمايةً للأنفس والممتلكات ، وحفاظاً على المظهر العام ، ومنعاً للتشوه البصري . واحمدوا الله واشكروه على نعمهِ العظيمةِ . وعلينا جميعاً الحرص على كل عمل صالح ، والبعد عن كل عمل سيء .. هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة محمد بن عبد الله فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال جل في علاه : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ . اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين وجميع أعداء الدين ، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان ، اللهم احفظ بلاد الحرمين وأدم عليها أمنها وإيمانها ورخاءها واستقرارها برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الأَبْدَانِ ، وَالأَمْنَ فِي الأَوْطَانِ ، وَالْفَوْزَ بِالنَّعِيمِ وَالرِّضْوَانِ ، اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم احفظ إمامنا وولي عهده بحفظك وأيدهم بتأييدك وأعز بهم دينك ياذا الجلال والإكرام . اللهم وفقْهُم لهُدَاكَ واجعلْ عمَلَهُم في رضاكَ ، اللهم وارزقْهُم البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ التي تدلُهُم على الخيرِ وتعينهم عليه ، اللهم ووفق جميع ولاة أمور المسلمين لما تحب وترضى واجعلهم رحمة لرعاياهم . اللهم انصر جنودنا المرابطين على حدود بلادنا ، اللهم أيِّدْهم بتأييدِكَ واحفظهم بحفظك يا أرحم الراحمين . اللهمَّ إنا نسألك أنْ تحفظَ بلادَنا وسائرَ بلادِ المسلمين ، اللهم ثبِّتْنا على الإسلامِ والسنةِ وجَنِّبْنا مَسالكَ الضلالِ والبدعةِ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا ولوالدينا ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ برحمتك يا أرحم الراحمين ، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ . وأقم الصلاة .  

 

( خطبة الجمعة 20/7/1447هـ . جمع وتنسيق خطيب جامع العمار بمحافظة الرين / عبد الرحمن عبد الله الهويمل                          للتواصل جوال و واتساب /  0504750883  ) .

المرفقات

1767643337_المحافظة على البيئة والأماكن العامة والتنزهات البرية.docx

المشاهدات 515 | التعليقات 0