اليوم الآخر(1)النفخ في الصور
الشيخ تركي بن علي الميمان
عنوان الخطبة : اليوم الآخر(1)النفخ في الصور
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، الحكم العدل، جامع الناس ليوم لا ريب فيه، أحمده سبحانه وأشكره، وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران:102]
عباد الله: لما سأل جبريلُ النبيَّ صَلى الله عليه وسلم عن الإيمان، قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[رواه مسلم (8)]
فمن أركان الإيمان-عباد الله-: الإيمان باليوم الآخر.
واليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يُبْعثُ الناس فيه؛ للحساب، والجزاء. وسُمِّي بذلك؛ لأنه لا يوم بعده، حيث يستقرُّ أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم.[نبذة في العقيدة الإسلامية (ص: 52)].
ولقد اهتمَّ القرآن بذكر اليوم الآخر، واهتمَّ بتقريره في كل موقع، ونبَّه إليه في كل مناسبة، وأكَّد وقوعه بشتَّى الأساليب.
وحكمة ذلك الاهتمام: أنَّ الإيمان باليوم الآخر، له أثر عظيم في حياة الإنسان؛ ذلك أنَّ الإيمان به وبما فيه من جنة ونار، وحساب وثواب وعقاب، وفوز وخسران، له أشدُّ الأثر في توجيه حياة الإنسان وانضباطه والتزامه بالعمل الصالح وتقوى الله عز وجل. واهتمَّ به أيضاً: لكثرة نسيان العباد له، وغفلتهم عنه، بسبب تثاقلهم إلى الأرض، وحبهم لمتاع الحياة الدنيا. [كتاب(الإيمان: محمد نعيم ياسين)-ص(64-67)]
وسمى الله ذلك اليوم الذي يحل فيه الدمار بهذا العالم، ثم يعقبه فيه البعث والنشور للجزاء والحساب بأسماء كثيرة، من أشهرها: يوم القيامة، واليوم الآخر، والساعة، ويوم البعث، ويوم الوعيد، ويوم الفصل، ويوم الدين، ويوم الحساب، وغيرها. [القيامة الكبرى: الأشقر(ص:11)]
وأول أمور الآخرة-عباد الله- هو: النفخ في الصور، وذلك بإفناء الأحياء.
فهذا الكون العجيب الغريب الذي نعيش فيه، يعجُّ بالحياة والأحياء
الذين نشاهدهم والذين لا نشاهدهم، وهم فيه في حركة دائبة لا تهدأ ولا تتوقف، وسيبقى حاله كذلك إلى أن يأتيَ اليوم الذي يُهلك الله فيه جميع الأحياء إلا من يشاء، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}[الرحمن:26-27].
وعندما يأتي ذلك اليوم ينفخ في الصور، فتُنهي هذه النفخة الحياةَ في الأرض والسماء، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ}[الزمر:68].
وهي نفخةٌ هائلةٌ مُدمِّرة، يسمعها المرء فلا يستطيع أن يوصيَ بشيء، ولا يقدر على العودة إلى أهله وخِلَّانه، {مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس:49-50].
وفي الحديث: «ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ» [رواه مسلم(2940)]
وقد حدثنا الرسول صَلى الله عليه وسلم عن سرعة هلاك العباد حين
تقوم الساعة، فقال: «وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلاَ يَتَبَايَعَانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلاَ يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلاَ يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُهَا» [رواه البخاري(7121)]
وقد سئل الرسول صَلى الله عليه وسلم عن الصور، فقَالَ: «الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ»[رواه أبو داود(4742)، والترمذي(2599) ط الرسالة العالمية، وصححه الألباني]
قال ابن حجر: واشتُهر أن صاحب الصور إسرافيل عليه السلام.[فتح الباري(11/376)]
وقد أخبرنا الرسول صَلى الله عليه وسلم أن صاحب الصور مستعد دائماً للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ طَرْفَ صَاحِبِ الصُّورِ مُذْ وُكِّلَ بِهِ مُسْتَعِدٌّ يَنْظُرُ نَحْوَ الْعَرْشِ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْمَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبَانِ دُرِّيَّانِ».[المستدرك للحاكم(8676)وقال الحاكم صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي]
وفي هذا الزمان الذي اقتربت فيه الساعة، أصبح إسرافيل أكثر استعداداً
وتهيؤاً للنفخ في الصور؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ التَقَمَ صَاحِبُ القَرْنِ القَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَنْفُخَ فَيَنْفُخَ» قَالَ المُسْلِمُونَ: فَكَيْفَ نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، تَوَكَّلْنَا عَلَى اللَّهِ رَبِّنَا».[رواه الترمذي(3524)وقال: حديث حسن. ط الرسالة العالمية، وصححه الألباني]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[القصص:88] بارك الله لي ولكم في القرآن...
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ،ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر:18]
عباد الله: واليوم الذي يكون فيه النفخة، وتقوم فيه الساعة، ويبعث العباد فيه: هو يوم الجمعة؛ فعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» [رواه أبو داود(1047)وصححه الألباني]
ولما كانت الساعة تقع في هذا اليوم فإن المخلوقات في كل يوم جمعة تكون مشفقةً خائفةً إلا الإنس والجن؛ ففي موطأ مالك عن أبي هريرة رَضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ»[الموطأ-كتاب الجمعة(16)- صحيح ابن حبان(2772)]
والذي يظهر أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين، الأولى يحصل بها الصعق، فيموت بها الأحياء، والثانية يحصل بها البعث، قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}[الزمر:68].
وقد جاءت الأحاديث النبوية مصرحة بالنفختين؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ» قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. [رواه البخاري(4935) ومسلم(2955)]
فلنتق الله تعالى-عباد الله-، ولنعمل ما نحب أن نراه في صحف أعمالنا يوم نلقاه، ولنبادر إلى التوبة قبل الرحيل، فإن يوم القيامة أهوال وفظائع، وكروب وشدائد، لا ينجو منها إلا من كان متمسكاً بدين الله، {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون:101-103]
اللهم اختم لنا بخير، واجعل عواقب أمورنا إلى خير يا كريم.
وصلوا وسلموا على نبيكم محمد
المرفقات
1771136039_اليوم الآخر(1)النفخ في الصور.docx
1771136058_اليوم الآخر(1)النفخ في الصور.pdf