اليوم الآخر(2) البعث والنشور

الشيخ تركي بن علي الميمان
1447/10/13 - 2026/04/01 22:04PM

عنوان الخطبة : اليوم الآخر(2) البعث والنشور

الخطبة الأولى:

الحمد لله معطي الجزيلَ لمن أطاعه ورجاه، شديد العقاب لمن أعرض عن ذكره وعصاه، اجتبى من شاء بفضله فقربه وأدناه، وأبعد من شاء بعدله فولاه ما تولاه، أحمده سبحانه وأشكره، وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه،{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب:70-71]

عباد الله: الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان.

والإيمان باليوم الآخر، له أثر عظيم في حياة الإنسان؛ لأنَّ الإيمان به وبما فيه من جنة ونار، وحساب وثواب وعقاب، وفوز وخسران، له أشدُّ الأثر في توجيه حياة الإنسان وانضباطه والتزامه بالعمل الصالح وتقوى  

الله عز وجل. [الإيمان: محمد نعيم ياسين (ص65)]         

ومن الأمور التي تقع في الآخرة-عباد الله-: بعد النفخ في الصور،  البعث والنشور.

فالبعث: هو إحياء الله للموتى وإخراجهم من قبورهم. والنشور مرادف للبعث في المعنى.

فالله تعالى يجمع أجساد المقبورين التي تحللت ويعيدها بقدرته كما كانت ثم يعيد الأرواح إليها ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء. [أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة (ص: 227)]-[القيامة الكبرى: الأشقر (ص: 43)]

فإذا شاء الحق تبارك وتعالى إعادة العباد وإحياءهم أمر إسرافيل فنفخ في الصور فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}[الزمر:68]

قال الله تعالى عن مشهد البعث العجيب الغريب: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ. قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ. إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا  

هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ}[يس:51-53].

ويسبق النفخة الثانية في الصور-عباد الله- نزول ماء من السماء، فتنبت منه أجساد العباد؛ قال صَلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ أَوِ الظِّل، فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ»[رواه مسلم(2940)]

وإنبات الأجساد من التراب بعد إنزال الله ذلك الماء الذي يُنبتها، يماثل إنبات النبات من الأرض إذا نزل عليها الماء من السماء في الدنيا؛ وقد أكثر الله في كتابه من ضرب المثل للبعث والنشور بإحياء الأرض بالنبات بعد نزول الغيث، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}[الأعراف:57].

وقال تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ}[فاطر:9]

والإنسان يتكون في اليوم الآخر من عظم صغير، عندما يصيبه الماء ينمو نمو البقل؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ، كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[رواه البخاري(4935)ومسلم(2955)]

وأما أجساد الأنبياء-عباد الله- فلا يصيبها البلى والفناء الذي يصيب أجساد العباد، كما في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ»[رواه أبو داود(1047)، وابن ماجه(1636)وهذا لفظه، وصححه الألباني]

وأول من يُبعث-عباد الله- وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ»[رواه مسلم(2278)]

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[العنكبوت:19-20]

بارك الله لي ولكم في القرآن...

الخطبة الثانية:   

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر:18]

عباد الله: ربنا جل وعلا خلق الجن والإنس؛ لحكمة عظيمة، وغاية حميدة، وهي عبادته، قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون:115-116]

فحكمة الله تقتضي بعث العباد للجزاء والحساب؛ فمن حكمة الله وعدله أن يبعث الله عباده ليجزيهم بما قدموا، فالله خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان الطريق الذي يعبدونه به، فمن العباد من استقام على طاعة الله، وبذل نفسه وماله في سبيل ذلك. ومنهم من رفض الاستقامة على طاعة الله، وطغى وبغى، أفيليق بعد ذلك أن يموت الصالح والطالح ولا يجزي الله المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته،  

{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ  فِيهِ تَدْرُسُونَ. إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ}[القلم:35- 38]

إن الكفرة الضالين هم الذين يظنون أن الكون خُلق عبثاً وباطلاً لا  لحكمة، وأنه لا فرق بين مصير المؤمن المصلح والكافر المفسد، ولا بين   مصير التقي والفاجر، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ. أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص:27-28] - [القيامة الكبرى: للأشقر (ص: 43-76)]

فلنتق الله تعالى-عباد الله-، ولنبادر إلى العمل الصالح الذي يُثَقِّلُ موازيننا يوم نلقاه، ولنبادر إلى التوبة قبل الموت، فإن يوم القيامة ميزان عدل عند حكم عدل، {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ}[الأعراف:8-9]

اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.

وصلوا وسلموا على نبيكم محمد

 

المرفقات

1775070242_اليوم الآخر(2) البعث والنشور.docx

1775070272_اليوم الآخر(2) البعث والنشور.pdf

المشاهدات 183 | التعليقات 1

جزاك الله خيرا