بدْرُكَ
د. سلطان بن حباب الجعيد
بَدْرُكَ
الحمدُ للهِ الَّذي جَعَلَ النَّصرَ عاقِبَةَ جُندِهِ وأوليائِهِ، والهزيمةَ والذُّلَّ والهَوانَ عاقِبَةَ أعدائِهِ، وكلُّ ذلكَ بمحضِ فضلِهِ وعظيمِ عَطائِهِ.
والصلاةُ والسلامُ على مَن جاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، فلم يَنزِلْ عن صَهوةِ جوادِهِ، حتّى حقَّقَ للهِ مُرادَهُ.
أيُّها النّاسُ، مَن أرادَ الأمانَ مِن الأحزانِ والمخاوفِ فعليهِ بتقوى اللهِ: ﴿أَلا إِنَّ أَولِياءَ اللَّهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ الَّذينَ آمَنوا وَكانوا يَتَّقونَ﴾ [يونس: ٦٢-٦٣].
وبعدُ أيُّها الصائمونَ: في مثلِ هذا اليومِ، الجمعةِ، الموافقِ للسابعَ عشرَ من رمضانَ، في العامِ الثاني من الهجرةِ، تنزَّلَتْ ملائكةُ السماءِ، بقيادةِ جبريلَ عليهِ السلامُ، وتنزَّلَ معها النَّصرُ على النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وأصحابِهِ من المهاجرينَ والأنصارِ رضيَ اللهُ عنهم، في يومِ بدرٍ، اليومِ الَّذي دارتْ فيهِ رَحى أعظمِ معاركِ التاريخِ على الإطلاقِ.
المعركةُ الَّتي فَرَّقَ اللهُ فيها بينَ الحقِّ والباطلِ، ولذلكَ سُمِّيَ يومُها بيومِ الفرقانِ.
المعركةُ الَّتي مَن شهدَها من الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم كانوا خيرَ الأمَّةِ على الإطلاقِ، ولهم ميزةٌ خاصَّةٌ عندَ اللهِ وعندَ خلقِهِ.
قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ لعمرَ في قصَّةِ حاطبٍ: «وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ علَى مَن شَهِدَ بَدْرًا، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ؛ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» [البخاري ومسلم].
المعركةُ الَّتي تُنبِئُكَ أنَّ الصراعَ بينَ الحقِّ والباطلِ، سُنَّةٌ إلهيَّةٌ ماضيةٌ إلى يومِ القيامةِ، وأنَّ الصراعَ لم يتوقَّفْ بفتحِ مكَّةَ أو بموتهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، فالقِصَّةُ مستمرَّةٌ، وللحقِّ أعوانُهُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وللباطلِ أعوانُهُ، وفي الناسِ إلى اليومِ، حمزةُ وعليٌّ وطلحةُ والزُّبيرُ، وفيهم أيضًا، أبو جهلٍ وعتبةُ وربيعةُ وأميَّةُ بنُ خلفٍ.
المعركةُ الَّتي لا تزالُ تَمُدُّ الأمَّةَ بالدروسِ والعِبَرِ، في صراعِها مع الباطلِ ومقارعتِها لأعداءِ اللهِ.
فدماءُ شهداءِ تلكَ المعركةِ الأربعةَ عشرَ الَّذينَ سقطوا في أرضِها، فارتفعَ الإسلامُ بسقوطِهم، لا تزالُ تُضيءُ للأمَّةِ طريقَها عبرَ مسيرةِ الأربعةَ عشرَ قرنًا الماضيةِ وزيادةً.
فالحديثُ عن هذهِ المعركةِ في يومِ ذكراها، ليس حديثًا للتسليةِ، بل للاعتبارِ والتبصُّرِ.
أيُّها الإخوةُ، إنَّ أولئكَ النَّفرَ من المهاجرينَ والأنصارِ -رضيَ اللهُ عنهم- لم يصطفُّوا أمامَ أعدائِهم وينتصروا عليهم، إلَّا بعدَ سلسلةٍ من المعاركِ داخلَ نفوسِهم، كان النصرُ فيها حليفَهم، محقِّقينَ بذلك شرطَ النصرِ الأعظمِ، الَّذي عرَّفهمُ اللهُ به وشرطَهُ عليهم في قولِهِ تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدامَكُم﴾ [محمد: ٧].
لقد خاضَ هؤلاءِ العظماءُ قبلَ هذهِ المعركةِ أُولى معاركِهم، وكانتْ مع فتنةِ تغييرِ الدينِ، وتركِ ما عليهِ قومُهم بعدَ أن عرفوا الحقَّ، فلم يُؤثِروا على الحقِّ شيئًا، فأعلنوا بألَّا لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، مخالفينَ بذلكَ سائرَ العربِ، فمادتِ الأرضُ تحتَ أقدامِهم، ورُمُوا بكلِّ نقيصةٍ، واتُّهِموا بكلِّ عظيمةٍ، فلم يَزِدْهُم ذلكَ إلَّا ثباتًا وإيمانًا.
ثمَّ خاضوا معركةَ فتنةِ تركِ البلدانِ، الَّتي فُطِرَتِ النفوسُ على حُبِّها والتعلُّقِ بها، فأُمِروا بتركِها فلم يتردَّدوا، فولَّوا البلدانَ ظهورَهم، وأعينُهم تفيضُ من الدمعِ حزنًا على تركِها، فلم يلتفتْ منهم أحدٌ، ومضوا إلى المدينةِ حيثُ أُمِروا.
ثمَّ خاضوا معركةَ فتنةِ النفسِ والمالِ، فكان حبُّ اللهِ ورسولِهِ -عليهِ السلامُ- أعظمَ من حبِّهم لأنفسِهم وأموالِهم، فكانتْ أرخصَ ثمنٍ لأغلى سلعةٍ، فبذلوها، فتمَّ بذلكَ البيعُ، وربحَ البيعُ.
إذاً — أيُّها الإخوةُ — أوَّلُ النصرِ على الأعداءِ هو آخرُ النصرِ على النفوسِ، والمنتصرُ على عدوِّهِ هو محاربٌ قادمٌ من أصعبِ المعاركِ إلى أسهلِها.
وبذلكَ نعلمُ أنَّ سعدَ بنَ معاذٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- عندما وقفَ يومَ بدرٍ ليقولَ للنبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «فاظعنْ حيثُ شئتَ، وصِلْ حبلَ مَن شئتَ، واقطعْ حبلَ مَن شئتَ، وخُذْ من أموالِنا ما شئتَ، وأعطِنا ما شئتَ، وما أخذتَ منَّا كان أحبَّ إلينا ممَّا تركتَ، وما أمرتَ فيهِ من أمرٍ فأمرُنا تبعٌ لأمرِكَ، فواللهِ لئن سرتَ حتّى تبلغَ البَرْكَ من غُمدانَ لنسيرنَّ معكَ، وواللهِ لئن استعرضتَ بنا هذا البحرَ لخُضناهُ معكَ» كان يُعلنُ أمامَهُ نيابةً عنهم جميعاً، خطابَ النصرِ الأخيرَ على نفوسِهم ورغباتِها، وأنَّهم الآنَ على أُهبةِ الاستعدادِ لمقارعةِ العدوِّ الخارجيِّ. فعلمَ النبيُّ عليهِ السلامُ بذلكَ أنَّ شرطَ النصرِ قد تحقَّقَ، لذلكَ سُرَّ وبشَّرهم بالنصرِ.
أيُّها الإخوةُ الكرامُ، إنَّ حالَ المهاجرينَ والأنصارِ الَّذي سمعتُموهُ، كأنَّما يقفُ فينا خطيبًا بمثلِ بلاغةِ سعدٍ ليقولَ لنا: إنَّ على أمَّةِ الإسلامِ أوَّلًا أن تنتصرَ على نفسِها، وتتخطَّى كافَّةَ تحدياتِها الداخليَّةِ، فتُؤثِرَ بذلكَ أمرَ اللهِ وشرعَهُ على كلِّ مرادٍ، وتُؤثِرَ عزَّها واستقلالَها على تبعيَّتِها لغيرِها، وتُؤثِرَ عملَها ونشاطَها وصناعتَها على كسلِها وعدمِ إنتاجيَّتِها.
فإن فعلتْ فقد حقَّقتِ الشرطَ، واستحقَّتِ النصرَ، وكانتِ الأجدرَ بالصدارةِ والقيادةِ، وهو مكانُها الطبيعيُّ اللائقُ بها.
ثمَّ اعلمْ أيُّها الأخُ الكريمُ أنَّ الأمَّةَ أفرادٌ، وأنَّ النصرَ يمرُّ بكَ أوَّلًا، فواجبٌ عليكَ أن تخوضَ بدرَكَ في داخلِ نفسِكَ، وأن تُقارِعَ شهواتِها ورغباتِها، وألَّا تستسلمَ لدواعي الهوى والشيطانِ. وهي معركةٌ شاقَّةٌ وطويلةٌ، ولكنْ إذا قرَّرتَ خوضَها واستعنتَ باللهِ، فإنَّ النصرَ حليفُ جندِ اللهِ في داخلِكَ، ولن يترككَ اللهُ بلا عونٍ؛ فكما أنزلَ ملائكتَهُ يومَ بدرٍ على حزبِهِ فسيمدُّكَ بعونِهِ، وما هذا الشهرُ إلَّا مددٌ من مددِ اللهِ في معركتِكَ الكبرى؛ فقد كَبِّلَ فيهِ أعداءَك، وقَوَّى فيهِ الخيرَ في نفسِكَ، فاستمرَّ في مقارعتِكَ حتّى يقتحمَ الصلاحُ قلبَكَ، وتطمئنَّ نفسُكَ، فيحصلَ بذلكَ الفتحُ المبينُ، وتُذعِنَ سائرُ جوارحِكَ، وتأتيَ مُذعِنةً مُبايِعةً.
اللهم امنحنا النصرَ على نفوسِنا، وافتحْ قلوبَنَا، وقنَا شرَّ أنفسَنَا.
أقولُ قولي…
الثانيةُ:
وبعدُ: ومن دروسِ هذهِ المعركةِ وعِبَرِها، وخاصَّةً في مثلِ هذهِ الأزماتِ والفتنِ والحروبِ، الَّتي نسألُ اللهَ أن يكفينا والمسلمينَ شرَّها وفسادَها:
أن نتذكَّرَ نِعَمَ اللهِ علينا؛ فإنَّ تذكُّرَ النِّعَمِ يُورِثُ الشكرَ، والشكرُ من أسبابِ دفعِ النِّقَمِ، وعلى رأسِ هذهِ النِّعَمِ نعمةُ الأمنِ الَّتي مَنَّ اللهُ بها علينا.
ومن ذلكَ تحقُّقُ الاجتماعِ وعدمُ الافتراقِ والتنازعِ؛ فإنَّهُ يُورِثُ الفشلَ وذهابَ القوَّةِ، ومن ثَمَّ تسلُّطَ الأعداءِ، والعياذُ باللهِ.
قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ في يومِ بدرٍ لأصحابِ رسولِ اللهِ عندما اختلفوا حولَ الغنائمِ، مُحذِّرًا لهم من الخلافِ: ﴿وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
ومن ذلكَ تركُ الإرجافِ، بنشرِ الشائعاتِ وتخويفِ المسلمينَ، بتداولِ الأخبارِ والمقاطعِ، بل الواجبُ نشرُ الطمأنينةِ وتثبيتُ النفوسِ، وعدمُ منازعةِ أهلِ الاختصاصِ اختصاصَهم.
قالَ تعالى: ﴿وَإِذا جاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنِ أَوِ الخَوفِ أَذاعوا بِهِ وَلَو رَدّوهُ إِلَى الرَّسولِ وَإِلى أُولِي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَستَنبِطونَهُ مِنهُم وَلَولا فَضلُ اللَّهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ لَاتَّبَعتُمُ الشَّيطانَ إِلّا قَليلًا﴾ [النساء: ٨٣]
ومن ذلك أنْ تَرْجِعَ الأُمَّةُ إلى رَبِّها في أوقاتِ الأزماتِ، وتُجَدِّدَ العهدَ معه، وتتمسَّكَ بنهجِه وطريقِه، وتَذَرَ كلَّ ما لا يُرضيه؛ فإنَّ ذلك من أسبابِ الحفظِ والنصرِ.
وقد ذكرَ اللهُ حالَ الصحابةِ -رضيَ اللهُ عنهم- يومَ بدرٍ، وكيف أنَّه نصرهم باستغاثتِهم به، وإظهارِ الضَّعفِ والافتقارِ إليه، فكان النصرُ نتيجةَ ذلك.
قال تعالى:
﴿إِذْ تَسْتَغيثونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ﴾ [الأنفال: ٩-١٠]
اللهم ..
المرفقات
1772713708_بدرك ( وورد).docx
1772713709_بدرك ( PDF).pdf